ذَلكَ الشَّعْبُ الَّذِي آتاهُ نَصْرَا
الشاعر: خليل مطران · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر خليل مطران، من العصر الحديث، وتقع في 327 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ذَلكَ الشَّعْبُ الَّذِي آتاهُ نَصْرَا ... هُوَ بِالسُّبَّةِ مِنْ نيْرونَ أَحْرى
أَيُّ شــــيــــءٍ كــــانَ نَيرون الَّذِي ... عَبَدوهُ كان فَظَّ الطَّبْعِ غِرَّا
بَارِزَ الصُّدْغيْنِ رَهْلاً بَادِناً ... لَيسَ بِالأَتُلَعِ يَمْشِي مُسْبَطِرَّا
خائِبَ الهِمَّةِ خَوَّارَ الحَشا ... إِنْ يوَاقَفْ لَحْظهُ بِاللَّحْظِ فَرَّا
قَزْمَةٌ هُمْ نَصَبوهُ عَالِياً ... وَجَثوْا بَينَ يَدَيْهِ فَاشْمَخَرَّا
ضَـــــخَّمـــــوهُ وَأَطـــــالُوا فَـــــيْــــئَهُ ... فَترَامَى يَملأُ الآفاقَ فُجْرَا
مَنَحُوهُ مِنْ قُوَاهُمْ مَا بِهِ ... صَارَ طاغُوتاً عَليْهِمْ أَوْ أَضرَّا
يَكْثُرُ الإِعْصَار هَدْماً وَردىً ... إِنْ يُكاثرْهُ وَما أَوْهَاهُ صَدْرا
مَــــد فِي الآفاقِ ظِلاًّ جَائِلاً ... هوَ ظِلّ المَوْتِ أَوْ أَعْدَى وَأَضْرى
إِنْ رَسَا فِي موْضِعٍ طَمَّ الأَسَى ... أَوْ مَضى فاظْنُنْ بِسَيْفِ اللّهِ بَترَا
مُــــتلِفاً لِلزرْعِ وَالضَّرْعِ مَعاً ... تارِكاً فِي إِثرِهِ المَعْمور قَفْرا
إِنَّمــــا يَبْطِشُ ذُو الأَمرِ إِذا ... لمْ يَخَفْ بَطْشَ الأُولى وَلَّوْهُ أَمْرَا
سَــــاسَ نــــيْــــرُونُ بِــــرِفْقٍ قوْمَهُ ... مُسْتِهلاًّ عَهْدَهُ بِالخيْرِ دَثْرا
مُسْتشِيراً فِيهِمُ الحِذرَ إِلى ... أَنْ بَلا القوْمَ فمَا رَاجَعَ حِذْرَا
ضارِباً فِيهِمْ بِكفٍ مَرَّةً ... بَاسِطاً كفَّيْهِ بالإِحْسَانِ مَرَّا
لانَ حـــــتَّى وَجَـــــدَ اللِّيــــنَ بِهِــــمْ ... فجَفا ثُمَّ عَتا ثُمَّ اقْمَطرَّا
لبِـــــسَ الحِـــــلْمَ لهُــــمْ حَــــتَّى إِذا ... آنسَ الحِلْمَ بِهِمْ مِنْهُ تعَرَّى
وَانْتَحَى يُرْهِقُهُمْ خَتْراً فَمَا ... عَاقِلٌ فِي مَعقِلٍ يَأْمَنُ خَترَا
بَادِئاً تَجْرِبَةَ البَأْسِ بِمَنْ ... هُوَ مِنْ أَهَلِيهِ فِي الأَدْنَيْنَ إِصْرَا
لَمْ يُـــــشَـــــفِّعــــْهُــــمْ لَديْهِ أَنَّهــــُمْ ... أَعلَقُ النَّاسِ بِهِ قُرْبَى وَصِهْرَا
مُسْتَبِيحاً بَعْدَهُمْ كُلَّ امِريءٍ ... رَابَهُ سَمّاً وَإِحْرَاقاً وَنَحْرَا
مِنْ مُوَالِينَ وَنُدْمَانٍ لَقُوا ... حتْفَهُمْ حَيثُ رجَوْا سَيباً مُبِرَّا
وَأُولِي عِـــــلْمٍ عَـــــلى تَـــــأْدِيـــــبِهِ ... أَنْفَقوا مِنْ عِلْمِهِمْ مَا جَلَّ ذُخْرَا
حَـــــذَّرُوهُ شَـــــرَّ مَــــا يُــــعْــــقِــــبُهُ ... بَغْيُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ لَوْماً وشُرَّا
فَأَبَاحُوا خَطَلاً أَنْفُسَهُمْ ... وَأُولِي الأَلْبَابِ أَعْياناً وَغُثْرَا
ظَنَّ فِي الجُمهُورِ أَعَدَاءً لَهُ ... مُلِئَتْ أَكْبادُهُمْ ضِغْناً وَدَغْرَا
كَاظِمِينَ الغيْظَ خَافِينَ إِلى ... أَنْ يَلُوْا فِي وَجْهِهِ العُدْوَان جَهْرَا
نَاكِسِي الهَامَاتِ حَتَّى يُشْهَدُوا ... فِي لِقَاءِ القَادِرِينَ الصُّعْرِ صُعْرَا
مِنْ غَيَابَاتِ الدُّجَى أَبْصَارُهُمْ ... تَطْلُبُ النُّورَ وَتأْبَى أَنْ تَقِرَّا
فِــــئَةٌ شُــــكْــــسٌ غُــــلاةٌ طــــالمَــــا ... ناوَأُوا الحُكْمَ وَهَاجُوا القَوْمَ نَأْرَا
قَتَلُوا تَركِينَ فِي دعَوَاهُمُ ... أَنَّهُ يُسْرِفُ فِي السُّلْطَانِ حَكْرَا
وَأَثابُوا بِالرَّدَى قَيصَرَ إذْ ... أَخْضَعَ الدُّنْيَا لهُمْ بَرّاً وَبَحْرَا
أَصَــــحِــــيــــحٌ أَنَّ رُومَا حَفِظَتْ ... مِنْ جَلالِ العِزَّةِ القَعْسَاءِ غبْرَا
لمْ يَـــــخَـــــلْ ذِلكَ نَـــــيـــــرُونُ وَلَمْ ... يَرَ مَنْ يَأْمِنُهَا يَأْمِنُ وَتْرَا
عَــــدَّ عَــــنْ ذِلكَ وَاذْكُــــرْ قَــــتْــــلَهُ ... أُمَّهُ كمْ عِظَةٍ فِي طيِّ ذِكْرَى
هِـــــيَ أَرْدَتْ عَـــــمَّهــــُ مِــــنْ أَجْــــلِهِ ... وَأَرَتْهُ كَيْفَ أَخْذُ المُلْكِ قَهَرَا
وَرَعَـــــتْهُ حَـــــاكِــــمــــاً حَــــتَّى إِذا ... شَجَرَتْ بَيْنَهُمَا الْعِلاَّتُ شجْرَا
وَرَأَى الشّــــرْكــــة فِــــي سُلْطَانِهِ ... وَهَناً وَالنّصْحَ تقْيِيداً وَحَجْرَا
سَــــخَّرَ الْفُــــلْكَ لهَا تُغْرِقُهَا ... فَنَجَتْ وَالْغَوْرُ لاَ يُدْرِكُ سَبْرَا
فــــتــــبَاكَى خُدْعَةً لَكِنَّهَا ... لمْ يَفُتْهَا مَا وَرَاءَ الْعَيْنِ عَبْرَى
فَاصْطَفى مِن جُنْدِها مُؤْتمَناً ... خائِناً يَأْخُذُهَا بِالسَّيْفِ غَدْرَا
وَلِفَضلٍ فِي نُهَاهَا اسْتشْعَرَتْ ... غِيلَةَ الوَغْدِ إِذِ الْبَارِقُ ذَرَّا
لَحْظَةٌ فِيها اسْتبَانَتْ هَوْلَ مَا ... إِثْمُهَا أَمْسِ عَلَيْهَا الْيَوْمَ جَرَّا
غيْرَ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْهَا لمْ يَقَعْ ... مَوْقِعاً يُزْرِي إِذَا مَا الْخَوْفُ أَزْرَى
فأَشَارَتْ قُبُلاً لمْ تحْتَشِمْ ... وَلَهَا وَقْفَتَهَا تِيهاً وَجَبْرَا
ثُمَّ قَالَتْ دُونَكَ الْبَطْنُ الَّذِي ... نكَبَ الدُّنْيَا بِهِ فَابْقَرْهُ بَقْرَا
هَكذَا الْبَاغِي عَلى جُبْنٍ بِهِ ... بَدَأَ الْبَغْيَ وَبِالْفَتْكِ تَضَرَّى
يَخْتِلُ النَّاسَ فُرَادَى فإِذَا ... أَجْمَعُوا رَأْياً أَدَارَ الطَّعْنَ نَثْرَا
مَنْ يَجِدْهُ مُمْكِناً أَصْمَى وَمَنْ ... لَمْ يَجِدْهُ مُمْكِناً مَنَّى فَأَغْرَى
مُسْتِطيلاً مَا اشْتَهَى فِي بَغْيِهِ ... قَائِلا مَا اسْطاعَ لِلرَّأْفِة قصْرَا
غالَ مَنْ غالَ بِهِمْ فِي شُبْهَةٍ ... بَلْ كَفَى أَنْ خالَ حَتَّى اقْتَصَّ وَغْرَا
وَادّعَــــى الْوِزْرَ وَقَاضَى وَقَضى ... غَيْبَةً إِنْ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُ وِزْرَا
وَبَــــنُــــو رُومَــــا سُــــجُودٌ حَوْلَهُ ... رُكَّعــــٌ رَاضُــــونَ مــــا سَاءَ وسَرّا
لَوْ عَلَوْا كَالمَدِّ فِي بَحْرٍ طَغى ... ثُــــمَّ ظَنُّوهُ لعَادَ المَدُّ جَزْرَا
كُلَّمَا كَفْكَفَهُ نَاهِي النُّهَى ... عَــــنْ أَذَاهُــــمْ جَرَّأُوهُ فَتجَرَّى
لَيْسَ بِالتَّارِكِ فِيهِمْ جُهْدَهُ ... لِسِــــوَى أَعْــــوَانِهِ جَــــاهــــاً وَأَزْرَا
أَفسَدَ الْقَوْمَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ... فَإِذَا الأَخْفَرُ مَنْ كَان الأَبَرَّا
وَإِذَا الأَوْفَـــــــــى خَـــــــــئُونٌ وَإِذَا ... حَسَنُ النَّكْرِ قُبَيْلاً سَاءَ نكْرَا
وَإِذَا كُـــــــــلُّ وَلاءٍ عَـــــــــامِــــــــرٍ ... تَحْتَهُ مَفْسَدَةٌ تَحْفُرْ حَفْرَا
ظَلَّ فِي الإِرْهَابِ حَتَّى خَفَّ مِنْ ... قذْفِهِمْ فِي رُوْعِهِ مَا كانَ وَقْرَا
فَانثَنَى مُنْشرِحاً صَدراً كَأَنْ ... لَمْ يَجِيءْ مِنْ شُنَعِ التَّنْكِيلِ صَدْرَا
كُلَّ يَوْمٍ يَمْنَحُ الْجيْشَ حُبىً ... وَعَطَايَا جَمَّةً تُبْذر بَذْرَا
كُلَّ يَوْمٍِ يَصِلُ الشَّعْبَ بِمَا ... ليْسَ يُبْقِي لاسْتِياءٍ فِيهِ حِبْرَا
كلَّ يَوْمٍ يَنْتدِي حَيْثُ انْتَدَى ... لِلْمَلاهِي قوْمُهُ صُبْحاً وَعَصْرَا
فَــــــأَحَـــــبُّوهُ لِهـــــذَا وَنَـــــسُـــــوا ... مَا بِهِمْ حَلَّ مِنْ الأَرْزَاءِ غُزْرَا
وجَــــرَى فِــــي كُــــلِّ شَــــوْطٍ آمِناً ... وَتَمَلَّى الْعَيْشَ بَعْدَ الخَوْفِ طَثْرَا
أَخْطَرَ الأَمْنُ قَلِيقُوْلاَ عَلى ... بَالِهِ والْهَزْرُ قَدْ يُعْقِبُ هَزْرَا
أَفَتَدْرِي مَنْ قَلِيقُوْلا وَمَا ... سَامَهُ الرَّومَانَ مُسْتَخْذِينَ بُهْرَا
أَفَـــــتَـــــدْرِي أَيَّ حُـــــكْـــــمٍ جَــــائِرٍ ... ذِلك الطَّاغِي عَلى الرُّومَانِ أَجْرَى
أَفَــــتَــــدْرِي مــــا الَّذِي كَــــلَّفَهُــــمْ ... ذاتَ يَوْمٍ ضحِكاً مِنهُمْ وَسُخْرا
يَوْمَ أَمْسَى غيْرَ مُبْقٍ بَيْنهُمْ ... مِنْ أُسُودِ الْخِدْرِ منْ يَعْصِمُ خِدْرَا
وَثنى الأَعْيَانَ فِي نَدْوَتِهِمْ ... طــــوْعَ كفَّيْهِ أَأَحْلى أَم أَمَرَّا
فَنَوَى أُفْعُولةً لَمْ يَنْوِها ... غَيْرُهُ مِنْ قَبْلُ مَهْما يَكُ جَسْرَا
لَوْ أَسرَّتْ نَفْسُ أَشْقى ظَالِمٍ ... بَعْضَهَا أَخْجَلَهُ مَا قَدْ أَسَرا
ذَاك أَنْ وَلَّى عليهِمْ قُنْصُلاً ... فَرَساً مِنْ خَيْلِهِ أَصْهَبَ تَرَّا
مَرِنَ الأَرْسَاغِ مِمْرَاحاً يُرَى ... قَارِحاً أَوْ فَوْقَهُ إِنْ هوَ فرَّا
كانَ فِي الْخيْلِ أَبُوهُ مُعْرِباً ... بَيِّناً نِسْبَتُه وَالأُمُّ حِجْرَا
رَحْــــبَ شِــــدْقٍ لاَ هِزاً مَاضِغهُ ... لاحِبَ المَتْنِ اسْتَوَى خَلْقاً وأَسْرَا
مُشْرِفَ الْعُنْقِ ضَلِيعاً هَيْكلاً ... لمْ يُبَالِغْ فِيهِ مَنْ سَمَّاهُ غمْرَا
طالَمَا اسْتعْصى عَلى مُلْجِمِهِ ... فِي الصِّبَا ثمَّ عَلى الأَيَّامِ قرَّا
وَبَــــدَا فِــــيهِ وَقارٌ بَعْدَ أَنْ ... كانَ خَفَّاقاً إِذَا حُمِّلَ وِقْرَا
رِيــــض لِلطَّاــــغِــــي وَأَوْهَى عَزْمَهُ ... كِبَرُ السِّنِّ فمَا يَسْطِعُ كِبْرَا
وغَــــــدَا فِــــــي ظَـــــنِّ مَـــــوْلاُه بِهِ ... دَمِثاً لاَ خوْفَ مِنْ أَنْ يَحْذئِرَّا
دَانِــــيــــاً حَــــاجِــــبُهُ مِنْ وَقْبِهِ ... لَيِّناً جَانِبُهُ عُسْراً وَيُسْرَا
مُذْعِناً يَصْلُحُ لِلإِقْرَارِ فِي ... مَجْلِسِ الأَشْيَاخِ مَحْمُوداً مَقَرَّا
فَلِهَذَا اخْتَارهُ صِنْواً لَهُمْ ... وَهْوَ لاَ يَحْسَبُهُ أَحدثَ كُفْرَا
لمْ يَكَدْ يَأْمُرُ حَتَّى استبَقَتْ ... زُمَرٌ تَهْتِفُ فِي النَّدْوَةِ بُشْرَى
بشَّرُوا الأَعْيَان بِالنِّدِّ الَّذِي ... صـــــدَرَ الأَمْـــــرُ بِهِ قُــــدِّسَ أَمْــــرَا
ثُمَّ وَافى بِالجوادِ المُجْتَبَى ... سَاسَةٌ قَدْ أَلْبِسُوا خَزّاً وَشَذْرَا
فَــــدَنــــا مُسْتأْنِساً لِكنَّهُ ... مُوشِكٌ لِلرَّيْبِ أَنْ يَبْعُدَ نَفْرَا
ناشِقاً مَا حَوْلَهُ مُلْتَفِتاً ... فِعْلَ مَنْ أَوْجَسَ كَيْداً فَاقْشَعَرَّا
سَــــاكِناً آناً وَآناً نَزِقاً ... يَفْحصُ المَوْقِفَ أَوْ يَهْمُرُ هَمْرَا
مُرْخِياً عُذْراً طِوَالاً كَرُمَتْ ... عِنْدَ مَنْ لا يُرْسِلُونَ الْعُذْرَ عُذْرَا
بَيْنَمَا يُسْبِلُ أَذُنيْهِ وَقَدْ ... جَحَظتْ عَينَاهُ إِذْ يَرنُو مُصِرَّا
أَوْشَكُوا أَنْ يحْزَنُوا ثُمَّ بَدَا ... فَإِذا مَا ظُن مِنْ حُزْنٍ تَسَرَّى
وَانْبَرَى مِنْ فوْرِهِ أَرْغَبُهُمْ ... فِي رِضَى الْغَاشِمِ يسْتَرْضِي الطِّمِرَّا
زَاعِماً مَوْلاهُ يَبْلُو وُدَّهُمْ ... بِالَّذِي أَهْدَى وَلا يُضْمِرُ حَقْرَا
وَأَتَـــــمَّ الأُنْـــــسَ داعُــــونَ دَعَــــوْا ... لِلجَوَادِ الشَّيْخِ أَجْلِلْ بِكَ مُهْرَا
لمْ يَكُنْ مُهْراً وَكَمْ مِنْ فِرْيَةٍ ... بُذِلَتْ فِي خِطْبَةٍ لِلوُدِّ مَهْرَا
يَا لَهُ طِرْفاً بَنى الْحَظُّ لهُ ... فِي بنِي أَعْوَجَ عِزّاً وَسِبَطرَى
دَارَتِ الْجَــــلْسَــــةُ فِــــي حَــــضْــــرَتِهِ ... فَأَدَارَ الذَّيْلَ فِي جَنْبَيهِ خَطْرَا
وَلَهُ سَامِعَتَا مَنْ لَمْ يَثِقْ ... وَلَهُ بَاصِرَتا مَنْ قَلَّ مَكْرَا
إِنْ أَطَــــالُوا جَــــدَّ رَفْــــســــاً وَإِذَا ... أَقْصروا حَمْحَمَ تَأْنِيباً وَزَجْرَا
وَإِذا حَـــــرَّكَ رَأْســـــاً أَكْـــــبَـــــرُوا ... وَحْــــــــيَهُ لِلّهِ ذَاكَ الْوَحْــــــــيُ دَرَّا
كَانَ إِمْراً شَأْنُهُمُ مِنْ جَهْلِهِمْ ... وَقدِيماً كَانَ شَأْنُ الْجَهْلِ إِمْرَا
عَظَّمُوا طِرفاً وَقَبْلاً عَبَدَتْ ... أُمَمٌ مِنْ جَهْلِهَا ثَوْراً وَهِرَّا
ذَاك إِبْدَاعُ قَلِيقُولاَ فهَلْ ... دُونَهُ نَيرُونَ فِي الإِبْدَاعِ حِجْرَا
سَــــنَــــرَى إِنْ هُــــوَ لمْ يَــــضْــــرَ بِهِ ... مَا الَّذِي يَفْعَلُهُ الْقَوْمُ لِيَضْرَى
لا سَقَاك الْغَيْثُ يَا جَهْلُ فكَمْ ... سُقِيَتْ فِي كَأْسِكَ الأَقْوَامُ مُرَّا
أَنْــــتَ أَغْــــرَيْتَ بِظُلْمٍ كُلَّ ذِي ... صَوْلَةٍ غَيْرَ مُبَالٍ أَنْ يُعَرَّا
وَسِــــــعَـــــتْ أُمُّ الْقُـــــرَى ذَاكَ الّذي ... عَقَّهَا حَمْداً كَمَا لَوْ كَانَ بَرَّا
إِن يُـــــكَـــــلِّمْهُ الأَعَـــــزُّونَ بِهَـــــا ... فَامْتِدَاحاً أَوْ يُكَلِّمْهُمْ فَهُجْرَا
فمَضَى فِي غَيِّهِ وَاسْترْسَلَتْ ... فِي مَجَالِ الذُّلِّ تَحْبِيذاً وَشُكْرَا
أَلَّهَــــــــــتْهُ أَوْهَـــــــــمَـــــــــتْهُ أَنَّهُ ... مَالِكُ الضُّرِّ مَنِيعٌ أَنْ يُضَرَّا
فــــإِذَا أَوْضَعَ فِي تَفْظِيعِهِ ... بَــــرَّأَتْهُ آبِــــيــــاً أَنْ يَــــتَبَرَّا
بَلَغَ التَّمِليقُ مِنْهَا أَنَّهَا ... كُــــلَّمَــــا أَزْرَى بِهَا شَدَّتْهُ أَزْرَا
كُلَّ يَوْمٍ يَدَّعِي فنّاً فمَا ... هُــــوَ إِلاَّ أَنْ نَــــوَى حَــــتَّى أَقِــــرَّا
قــــالَ بِــــي حُسْنٌ فَقَالَتْ وَبِهِ ... يَا فَقِيدَ الشِّبْهِ فُقْتَ النَّاسَ طُرَّا
فَــــتَــــرَقَّى قــــالَ إِنِّيــــ مُــــطْــــرِبٌ ... فَأَجَابَتْ وَتُعِيدُ الصَّحْوَ سُكْرَا
فتَمَادَى قَالَ فِي التَّصْوِيرِ لِي ... غُرَرٌ قَالَتْ وَتُؤْتِي الرَّسْمَ عُمْرَا
فتَغالى قَالَ فِي التَّمْثِيلِ لا ... شِبهَ لِي قالَتْ وَيُحْيِي المَيْتَ نَشْرا
فَتَنَاهَى قَالَ إِنِّيـــ شَاعِرٌ ... فَأَجَابَتْ إِنَّمَا تَنْظِمُ دُرَّا
فــــــعَـــــرتْهُ جِـــــنَّةـــــٌ زَانَـــــتْ لَهُ ... خُطَّةٌ أَدْهَى عَلى المُلْكِ وَأَزْرَى
أَزْمَــــعَ الرِّحــــلَةَ فِــــي مَــــوْكِــــبِهِ ... جَاشِماً شُقَّتَهَا بَحْراً وَبَرَّا
مُوِلياً شطْرَ أَثِينا وَجْهَهُ ... إِنَّهُ كَانَ لأَهْلِ الْفَنِّ شَطْرَا
يَــــتَــــوخَّى قَــــوْلَهَــــا فِــــي حَــــقِّهِ ... إِنَّهُ أَصْبَحَ فِي التَّمْثِيلِ نِحْرَا
وَكَفى مَنْ شهِدَتْ يَوْماً لَهُ ... شُهرَةً تُولِيهِ فِي الأَقْطَارِ زَخْرَا
فَمَضَى فِي أَيِّ حَشْدٍ حاشِدٍ ... يَدَعُ الرَّحْبَ مِنَ السَّاحَاتِ ضَجْرَا
بَعْدَ أَن أَوْفَدَ رُسْلاً كُلِّفُوا ... فِي أَثِينا دَعْوَةَ النَّاسِ وَسَفرَا
يَبْتَغِي إِشْهَادَهَا فِي مَحْفِلٍ ... حُسْنَهُ الطَّالِعَ فِي الظَّلْمَاءِ بَدْرَا
مُسْمِعاً سُمَّارَهَا مِزهَرَهُ ... عَارِضاً تَمْثِيلَهُ بَطْناً وَظَهْرَا
إِيْ وَآياتِ أَثِينا كَانَ مِنْ ... شَأْنِهَا أَنْ تمْنَحَ الأَخْطَارَ دَهْرَا
ذَاك إِذْ كــــانــــتْ هِــــيَ الدَّارَ وَإِذ ... كَانتِ الدُّنْيَا لِتِلكَ الدَّارِ قُطْرَا
إِنَّمَا أَمْسَتْ أَثِينَا عَمَلاً ... داخِلاً فِي دَوْلةِ الرُّومانِ قَسْرَا
فَــــإِذَا مَــــا أُلْفِــــيَــــتْ شَارِيَةً ... بَعْضَ أَمْنٍ بِالثَّنَاءِ الزُّورِ يُشْرَى
أَو بَدَتْ سَاخِرَةً مِنْ نَفْسِهَا ... تُطْرِيءُ الْجَهْلَ وَمَا كانَ لِيُطْرَا
فكَذَاكَ الرِّقُّ يُدْنِي مِنْ عُلىً ... وَيُعِيدُ الأُمَّةَ الْحُرَّةَ عُرى
ذاك تأْوِيلُ الْحَفاوَاتِ الَّتِي ... وَهَبَتْهَا القَيْصَرَ المُمْتاحَ فَخْرَا
فَقَضَى مَأْربَهُ ثُمَّ انْثنَى ... بِرِضَى مَنْ فعَلَ الفِعْلَة بِكْرَا
ليْــــــسَ آفُــــــلُونُ لَوْ نَــــــاظَــــــرَهُ ... بِمُصِيبٍ مِنْهُ غَيْرَ اللَّمْحِ شَزْرَا
عَادَ بِاليُمْنِ وَكُلٌّ مُضْمِرٌ ... حَــــزَنــــاً لَكِــــنَّهُ يُظْهِرُ سُرَّا
فــــتَــــلقَّاــــهُ بِرُومَا أَهْلُهَا ... كَتَلَقِّيــ فَاتِحٍ فَتْحاً أَغرَّا
قَيْصَرُ الأَكْبَرُ لمْ يُحْفَلْ لَه ... هَكَذا إِذْ دَوَّخَ الدُّنْيَا وَكرَّا
نَصَبُوا الأَبْوَابَ إِكْبَاراً لَه ... وَأَحَاطوا رَكْبَهُ بِالْجَيْشِ مَجْرَا
وَأَقَامُوا زِينةً جُنحَ الدُّجَى ... جَعَلَت رُومَا سَمَاوَاتٍ وَزُهْرَا
زِينَةٌ مَا شهِدَ الْخَلْقُ لهَا ... قبْلَ ذَاكَ الْعَهدِ شِبْهاً يُتَحَرَّى
خَـــــلَبَـــــتْهُ وَاسْـــــتَـــــفَــــزَّتْ رَوْعَه ... فَطوَى اللَّيْلَ وَقَدْ أَضْمَرَ أَمْرَا
لَيُـــــجِـــــدَّنَّ بِهَـــــا مُـــــعْـــــجِـــــزَةً ... تُرْهِبُ الأَعْقابَ مَا النَّجْمُ ازْمهَرَّا
جَامِعاً فِيهَا الأَفانِينَ الَّتِي ... يَدَّعِي إِتْقَانَهَا عِلْماً وَخُبْرَا
مُخِرجاً أَشْجَى سَمَاعٍ لِلوَرَى ... مِنْ لَهِيبٍ يَسْدَرُ الأَبْصارَ سَدْرَا
مُغْرِباً حُسْناً وَفِي مَذْهَبِهِ ... أَنَّ خيْرَ الحُسْنِ مَا يُفْعَمُ شَرَّا
فتقُومُ الزِّينةُ الكُبْرى بِمَا ... بَعدَهُ لا تُذْكَرُ الزِّيناتُ صُغرَا
فازَ نَيْرُونُ بِأَقْصى مَا اشْتهَى ... مُحْرِقاً رُومَا لِيَسْتَبْدِعَ فِكْرَا
بَعْدَ أَنْ حَصَّلَ فِي تمْثِيلِهِ ... ما بِهِ أَصْبَحَ فِي التَّمْثِيلِ شَهْرَا
شُبَّتِ النَّارُ بِهَا لَيلاً وَقَدْ ... رَقَدَتْ أَمَّتُهَا وَسْنى وسَكْرَى
شُــــعْلَةٌ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ نَهَضَتْ ... وَمَشَتْ دَفّاً وَإِحْضاراً وَعَبْرَا
زَحَــــفــــتْ رَابِــــيَــــةٌ مُــــضْــــرَمَــــةٌ ... تلْتَقِيهَا فِي عِناقِ الوَهْجِ أَخْرَى
جَمَعَتْ أَقْسَامَ رُوما كُلَّهَا ... فِي جَحِيمٍ تَصْهَرُ الأَجْسَامَ صَهْرَا
فالمَبَانِي تتهَاوَى وَالجُذَى ... تترَامَى وَالدُّمَى تَنقَضُّ جَمْرَا
وَالأَنَـــــاسِـــــيُّ حَـــــيَـــــارى ذُهــــلٌ ... غامَرُوا هَولاً وَسَاءَ الهَولُ غَمْرَا
خُــــوَّضٌ فِــــي الوَقْــــدِ إِلاَّ نَفَراً ... تَخِذوا الأَشْلاءَ فَوقَ الوَقْدِ جِسْرَا
وَالضَّوَارِي انْطلَقَتْ لاَ تَأْتَلِي ... مَا الْتَقَتْ عَضّاً وَتمزِيقاً وَكسْرا
هَجَمَتْ لِلفَتكِ ثُمَّ انهَزَمَتْ ... فَزِعَاتٍ سَارِيَاتٍ كُل مَسْرى
كــــثُــــرَ اللَّحْمُ شِوَاءً حَوْلهَا ... وَتَأَبَّتْ بَعْدَ جَهْدِ الصَّوْمِ فِطْرا
تَــــتــــهَــــادَى مُهَــــرَاقــــاً دَمُهَــــا ... وَبِهَا ضَعْضَعَةُ النَّازِفِ خَمْرَا
دَفَـــــقَ التِّبـــــْرُ ضِــــيَــــاءً وَدَمــــاً ... مُسْتَفِيضَ اللّجِّ ياقُوتاً وَتِبْرَا
كانَ بِالأَمْسِ كَمِرْآةٍ صَفَتْ ... رُبَّمَا كَدَّرَهَا الطَّائِرُ نَقْرَا
تَلتَقِي فِيهَا صُرُوحٌ عَبَسَتْ ... قَاتِمَاتٍ وَرُبىً تَبْسِمُ خُضْرا
فــــإِذا مَرَّتْ نُسيْمَات بِها ... حطَّمتْهَا قِدَداً رُبْداً وَغُرَّا
حَــــبَّذَا عِــــنــــدَئِذٍ مَــــنْــــظَرُهَا ... مَنْظَراً وَالتِّبْرُ فِي الأَنهَارِ نَهْرَا
إِذْ تُرَى الأَمْواجُ فِيهِ أَعْرَضَتْ ... مالِئاتٍ صَفحَاتِ المَاءِ سِحْرَا
كـــــجَـــــوارٍ سَـــــابِـــــحَــــاتٍ خُــــرَّدٍ ... سَابِقاتٍ فِي تبَارِيهَا وَحَسْرَى
لاهِيَاتٍ مُغرِبَاتٍ ضَحِكاً ... آمِناتٍ لَمَحَاتِ الرَّيْبِ طُهْرَا
أَرْسَلَ الْحُسْنُ عَلى أَكْتَافِهَا ... مِنْ ضَفِيرِ الزَّبَدِ المُذْهَبِ شَعْرَا
كُـــــلُ غـــــيْــــدَاءَ رَدَاحٍ نــــاوَحَــــتْ ... بِيدٍ عَبراً وَبِالأَخْمُصِ عَبْرَا
هِيَ نوْرُ الرَّوْضِ أَوْ أَزْهَى حُلىً ... وَهْيَ غصْنُ الرَّنْدِ أَوْ أَرْشَقُ خَصْرَا
تــــارَة تبْدُو وَطَوْراً لا تُرَى ... وَتَنَاهِي الظَّرْفِ إِذْ ترْفضُ ذرَّا
أَيْنَ تِلْك الْعِيْنُ هَلْ حَالَتْ إِلى ... جِنَّةٍ وَارْتدَّ بَرْدُ المَاءِ سَعْرَا
أَصْبَحَتْ سُود سَعَالٍ سَاقَهَا ... سَائِقٌ يُوسِعُهَا حَثّاً وَنَهرَا
فِي مُسوحٍ مِنْ قُتارٍ يُجْتلى ... أُرْجُوَانٌ تَحتَهَا مِنْ حَيْثُ تُفْرى
عَاد صافِي اللَّونِ مِنهَا رَنِقاً ... وَضَحُوكُ الْوَجْهِ مِنْهَا مُكفَهِرَّا
شَــــرَقَــــتْ لِمــــاتُهَــــا أَصــــبِغَةً ... وَرنَتْ أَعْيُنُهَا النَّجْلاءُ خُزرَا
صَارَ غِسلِيناً حَمِيماً غِسْلُهَا ... كَاسِباً مِن حَرِّ مَا جاوَرَ حرَّا
أَيْ بناتِ المَاءِ غَبْنٌ بَيِّنٌ ... أَنْ تُرَى سُوداً وَمَا أَبْهَاكِ شُقْرَا
ذَاكَ مَا أَحْدَثهُ الْبَغْيُ وَهلُ ... أَدْرَكَ الصَّفْوَ فلَمْ يَرْدُدْهُ كدْرَا
قَامَ سُورٌ حَوْلَ رُومَا سَاطِعٌ ... ناشِراً أَعْلامَهُ كَمْتاً وَصُفْرَا
تَـــــحْـــــتَ جَـــــوٍّ مُـــــلِئَتْ أَرْجَــــاؤُهُ ... مِنْ تَلَظِّيهَا قَتَاماً مُسْبَكِرا
يَنْظُرُ الْغَاشِمُ فِي أَقْسَامِهَا ... حِذْقهُ رَسْماً وَمُوسِيقى وَشِعْرَا
أَتــــرَى تِلْك الأَعَارِيضَ الَّتِي ... فُرِّقَّتْ أَبْيَاتُهَا شَطْراً فشطْرَا
أَتَرَى التَّرْصِيعَ فِي أَسْوَاقِهَا ... بِالطُّلى سُحْماً وَبِالأَرْؤُسِ حُمْرَا
أَتَرَى التَّدْبِيجَ فِي أَلْوَانِهَا ... مُعْقِباً مِنْ بِيضِهَا زُرْقاً وَعُفْرَا
أَتَــــرى الْخَالِدَ مِنْ أَطْلالِهَا ... كيْفَ يُطْوَى بَعْدَ أَنْ يُنْشَرَ نَشْرا
أَتَـــــرَى الْوَرْيَ بِـــــلا تـــــوْرِيَـــــةٍ ... نَاسِخاً تارِيخَهَا عَصْراً فعَصْرَا
كَــــمْ مَــــقــــامٍ عَطِلَتْ زِينتُهُ ... زانَه فِي الْعَيْنِ أَنْ يُصْبِح إِثْرَا
كـــــمْ كِـــــتَـــــابٍ بَـــــرَزت أَحْــــرُفُهُ ... سَاطِعَاتٍ وَلِسَانُ النارِ يَقْرَا
كـــــلُّ قـــــصْــــرٍ مُــــتَــــدَاعٍ شَــــيَّدَتْ ... بَعْدَهُ هَازِئَةُ الأَنْوَارِ قَصْرَا
كُـــــلُّ بُـــــرْجٍ مُــــتــــرَامٍ حَــــفَــــرَتْ ... بَعدَهُ فِي عُمُقِ الظَّلْمَاءِ بِئْرَا
كلُّ كِتْرٍ فِي المَبَانِي رَفَعَتْ ... فوْقَه سُخْرِيَة الشَّعْلولِ كِتْرَا
هَوَتِ الْعِقبَانُ عَنْ أَنْصَابِهَا ... وَغذا مِنْهَا اللَّظى رُخّاً وَنَسْرَا
وتَــــــرَامَــــــتْ شُــــــعَـــــلٌ طـــــائِرةٌ ... قد تَرَى عُصْفُورَهَا يَصْطَادُ صَقْرا
وَترَى مِنْهَا فرَاشاً نَاحِلاً ... يَضْرِبُ الْبَاشِقَ أَوْ يَهْدِمُ وَكْرَا
وترَى مِنْهَا هُلاماً بَشِعاً ... غائِلاً فَرْخاً وَلا يَرْحَمُ ظِئْرَا
وَيْــــحَ رُومــــا تَزْدَهِي ذَاكِيَةً ... وَعُيونُ الليْلِ بِالرحْمَةِ شَكْرَى
لَمْ يَجِدْ نَيْرُون أَبْهَى فَلجاً ... مِنْ تشَظِّيها وَلا أَعْذبَ ثَغْرَا
لا وَلَمْ يُفْعِمْهُ بِشْراً حَدَثٌ ... كالَّذِي أَفْعَمَهُ إِذْ ذَاك بِشْرَا
غَايَةُ الإِضْحَاكِ مَا أَلْفَاهُ مِن ... فَزَعِ الصَّالِينَ يَبْغُونَ مَفَرَّا
وَالإِشــــارَاتِ الَّتِي يُبْدُونَهَا ... فِي تَعَادِيهِمْ إِلى يُمْنى وَيسْرَى
كِرعَالِ الجِنِّ رَقْصاً فِي اللَّظَى ... وَالمَجَانِينِ مُنَابَاةً وَهُتْرَا
رُبَّ عَــــارٍ بِــــقــــروحٍ يَكْتَسِي ... وَبتولٍ تحْتَ سِتْرِ الْوِهْجِ تَعْرِى
وَهَـــــزِيـــــمٍ وَثـــــبَـــــتْ أَعْــــيــــنُهُ ... وَضــــرِيــــرٍ مُــــتلَوٍّ حَيْثُ قرَّا
ونَــــحِيفٍ بَاتَ ظِلاًّ وَاجِفاً ... وَضَلِيعٍ مَاتَ تَحْتَ الرَّدْمِ هطْرَا
فِتَنُ النَّارِ إِذَا مَا أَذْهَبَتْ ... فِي أَفَانِينِ الأَذى يَأْبَيْنَ حَصْرَا
وَمِنَ المُمْتِعِ فَوْقَ المُشْتهى ... بِدَع جَاءَ بِهَا التنْوِيعُ تَتْرَى
هَـــــذِهِ قـــــنْــــطــــرَةٌ شــــاهِــــقَــــةٌ ... غارَ مِنْهَا جَانِبٌ فِي المَاءِ طَمْرَا
ذَاكَ صَــــــــرْحٌ جُـــــــرِّدَتْ أَطْـــــــلالُهُ ... مِنْ حُلِيٍّ كُن مِلْءَ الْعَيْنِ سَبْرَا
تِــــلْك مِــــنْ عَهْدٍ عَهِيدٍ دَوْحَةٌ ... ظلَّ يَسْقِيهَا سَحَابُ الْعَفْوِ ثَرا
عَقدَتْ أَغْصَانُهَا تَاجَ سَنى ... وَخَبَتْ بَيْنَ مُدَلاَّةٍ وَكسْرَى
ثمَّ حَولْ وِجهَةَ الطرْفِ تجِدْ ... صُوَراً أَسْوَغ فِيِ النَّفْسِ وَأَمْرَى
نِــــمَــــرٌ مِنَ فرْطِ مَا حَاقَ بِهِ ... دَارَ آنــــاً فِي مَدَارٍ ثمَّ خَرَّا
سَــــالَ مِــــنْ فَكَّيْهِ دَامِي زَبَد ... حِيْنَ مسَّ الأَرْضَ نَشتْ مِنُهُ حَرَّى
فَهْــــــدُ غَـــــابٍ كُـــــسِـــــرَتْ شِـــــرَّتُهُ ... صَارَ كالهِرِّ وَمَا يُرْهِبُ فأْرا
وَعِلٌ مِنْ شِدَّةِ البَرْحِ ارْتَمَى ... بِبَقايَا رَوْقِهِ يَنْطَحُ صَخْرَا
وَرَلٌ أَفْـــــلَتَ مِـــــنْ جُــــحْــــرٍ فَــــلَمْ ... يُلْفِ مِنْ شَيءٍ سِوَى الرَّمضَاءِ جُحْرا
قُــــنْــــفُــــذٌ أَوْقَــــد مِن أَشْوَاكِهِ ... شِكَّةً لاحَتْ بِهَا الأَلْوَانُ كُثْرَا
عَقْرَبٌ شَالتْ زُبَانَى رَأْسِهَا ... وَالذّنابَى عَجِلَتْ خلْجاً وَأَبْرَا
شِـــــــــبْهُ بَـــــــــرْقٍ لاحَ لِلطَّرْفِ وَلَم ... يَكُ إِلا أَفْعُواناً مُسْجَهِرَّا
صُـــــوَرٌ لَمْ يُـــــدْرَ آيَــــاتُ سَــــنــــىً ... أَمْ خِشَاشٌ حَيَّةٌ تُسْجَرُ سَجْرَا
وَسِــــوَى ذِلك كَــــمْ مِــــنْ مــــنْظرٍ ... لابَسَ الوَهْمُ بِهِ الحَقَّ فغَرَّا
كمْ مَهَاةٍ مِنْ دُخَانٍ أُلْفِيَتْ ... وَهْيَ تَسْتعْدِي عَلى فِيلٍ هِزَبْرا
كَمْ سَبَنْتَى حَنِقٍ أَقْرَضَهُ ... ضَرَمٌ ناباً بِهِ يَسْطو وَظُفْرَا
كَمْ غُرَابٍ قَدْ تبَدَّى وَاقِعاً ... كــــشِهَــــابٍ وَتَــــرَدَّى مُصْمَقِرَّا
كَمْ عُقَابٍ دَرَجَتْ فَانْضرَجَتْ ... بَغْتَةً تقْتَنِصُ البَازِيَ حُرَّا
كمْ سَحابٍ مِنْ هَبَاءٍ سَاطِعٍ ... أَشْبَهَ المُزْنةَ إِيمَاضاً وَقَطْرَا
رُؤْيَةٌ أَرَبَتْ عَلى الرُّؤْيَا بِما ... لَمْ يَكُنْ يَوْماً بِظَنٍّ لِيَمُرَّا
دَارَ فِــــيــــهَــــا طَرَبٌ مخْتِلفٌ ... تَارِكٌ فِي مَسْمَعِ الأَحْقَاب وَقْرَا
تَــــرْكُضُ الأُمُّ تُغَنِّيـــ هَلعاً ... وَبَنُوها حَوْلهَا يَبكون ذُعْرَا
وَيَهدَّ الكهْلُ هَدَّ الفَحْلِ فِي ... غَرَقٍ وَالوَقْدُ لاَ يَأْلُوهُ هَدْرَا
كَادَ رَحْبُ الجَوِّ مِنْ حَشْرَجَةٍ ... وَحَوَافِيهِ الرُّبَى يُشْبِهُ قِدْرَا
فِي اخْتِلاطٍ مُرْهِقٍ سُمَّاعَهُ ... وَاخْتِلالٍ مُزْهِقٍ حَشْداً وَحَشْرا
سَــــرَحَــــاتٌ قُــــصِــــفَتْ مُحْضَأَةً ... بَيْنَ مَنْكُوسَةِ إِكْلِيلٍ وَعَقْرَى
رُجْبَةٌ مِنْ عَوْسجٍ مُحْتَدِمٍ ... فَنِيَتْ ضَرْبَينِ لأْلاءً ووَغْرَا
ضَــــبُــــعٌ تَــــعْــــوِي وَذِئْبٌ ضَــــابِــــحٌ ... وَصَدىً يَزْقُو مَهِيجاً مُزْبَئِرَّا
ضَيْغمٌ مِنْ سَوْرَةِ الحُمَّى وَمِنْ ... ثــــوْرَةِ الحَــــمْيِ بِهِ يَزْأَرُ زَأْرَا
طَالَمَا زَمْجَرَ يَشْكُو أَسْرَه ... فَهْوَ يَشْكو أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ أَسْرَا
ثَعْلَبٌ يَضْغُو وَفهْدٌ ضَاغِبٌ ... وَغُرَابٌ نَاغِبٌ عَشْراً فَعَشْرَا
وِمــــنَ الأَكْــــلُبِ حَامِي بِرْكةٍ ... مُسَّ بَعْدَ القَر بِالحَر فهَرَّا
مَا سَمُومٌ نفَخَتْهَا سَقَرٌ ... نَتْسِفُ الدَّوْحَ وَتُذْوِي العُشْبَ صَقَرا
خــــافَتَتْ آناً وَآناً عَزَفَتْ ... وَتوَالى هزقُهَا عَزْماً وَفتْرَا
عِنْدَمَا فِي مَارِجٍ مٍنْ لاِعجٍ ... بَثَّهُ بَثّاً وَقَدْ ضُوِيقَ حَصْرَا
مَا اصْطِخَابُ اللَّجِّ فِي حَيْرَتِهِ ... بَيْنَ تيَّارٍ وَدُرْدُورٍ وَمَجْرَى
كَاصْطِخَابٍ مِنْ وَطِيسٍ هَادِمٍ ... لمْ يَصُنْ تاجاً وَلمْ يسْتَشْنِ جِذْرَا
ذَاكَ يَـــــا نَـــــيــــرُونُ لَحْــــنٌ زَادهُ ... طرَباً مِزْهَرُكَ الرَّائِعُ نَبْرَا
جَمَعَ الضِّديْنِ لَمْ يَجْتَمِعَا ... فِي مَزَاجٍ يَفْطُرُ الأَكْبَادَ فطْرَا
بَيْنَ أَصْوَاتٍ عَلى نُكْرَتِهَا ... جُعِلَتْ وَفْقَهُمَا خَفْضاً وَجَهْرَا
هَيكَلٌ يَسْقُطُ فِي قَعْقعة ... وَذمَاءٌ مِنْ حَشىً يَصْعدُ زَفْرَا
هَكذَا التصْويرُ أَحْيَا مَا يُرَى ... هَكَذا التَّطْرِيبُ مَوْتاً أَوْ حَرَّا
هَزَّ بِالإِيقاعِ أَفْلاكاً وَلَمْ ... يَصْحَبِ العُودُ بِهِ طَبْلاً وَزَمْرَا
هَكذا الشِّعْرُ بِلا قافِيَةٍ ... خَفَّ وَزْناً وَجَرَى بِالدَّمِ بَحْرَا
عَظمتْ فِتْنَتُهُ مِنْ فَرْطِ مَا ... رَقَّ فَـــــالنـــــاسُ أَرِقَّاــــءٌ وَأَسْــــرَى
لا كِـــــنـــــايَــــاتٌ وَلا تَــــوْرِيَــــةٌ ... إِنَّمَا العَاجِزُ مَنْ كَنَّى وَوَرَّى
مَن كنيْرُونَ أَتى بِالرَّسْمِ لَمْ ... يَستعِرْ صِبْغاً لهُ أَوْ يُجْرِ حِبْرَا
مُثْبِتاً فِي لَيْلةٍ مُبْصِرَةٍ ... آيَةً يَمْحُو بِهَا قَوْماً ومِصْرَا
بَيْنمَا تَنْظُرُ رَبْعاً أَهْلُهُ ... مِلْءُ هَذا الكَوْنِ إِذْ تُلْفِيهِ صِفْرَا
يَــــا لهَــــا غُــــرٍّ فــــنونٍ بَهَرَتْ ... ظُرَفاءَ الوَقتِ بِالإِبْدَاعِ بَهْرَا
أَيْنَ مِنْها شأْنُ مُفْنِي عُمْرِهِ ... يَتقرَّى الخَلْقَ أَوْ يَقْرَأُ سِفْرَا
لِيَرَاهُ بَعْدَ جُهْد مُحْسِناً ... إِنْ شدا أَوْ مُتْقِناً إِن خطَّ سَطرَا
دُمِّرَت حَـــــاضِـــــرَة الدَّنْــــيَــــا وَلَمْ ... يجِدِ النَّاجُونَ فِي ذِلكَ نُكْرَا
أَوْشكُوا أَنْ يُجْمِعُوا رَأْياً عَلى ... أَنَّ فِي الَغْيبِ لِذاكَ الهَوْلِ سِرَّا
لَسْتُ مَحْزُوناً عَلى القَوْمِ وَهَلْ ... كِبدٌ تلقى على الأَنْذالِ حَرَّى
غــــيْــــرَ أَنِّيــــ لِيْ عَلى إِبْدَاعِهِ ... عَتْبَ فنٍّ وَهْوَ بِالإِبْدَاعِ أَدْرَى
فَــــلقَــــدْ أَغــــرَقَ فِــــي إِيقَاعِهِ ... وَغَلا رَسماً وَزاد النّظم نثرا
ولعـــــلّ الهـــــفــــوة الأخــــرى له ... أنّه لَمْ يَعْتَدِلْ نَقْشاً وَحَفْرَا
ذاكَ هَــــمِّيــــ ليْسَ هَمِّيـــ بَلَداً ... بَادَ خَنْقاً أَوْ تَوَى حَرْقاً وَثَبْرَا
مَا عَلَيْنَا مِنْ غِريمٍ غارِمٍ ... إِنَّ أَزْرَى الخلْقِ شَعْبٌ مَاتَ صَبْرَا
لَيْــــسَ بِالْكُفْؤِ لِعَيْشٍ طَيِّبٍ ... كلُّ مَنْ شَقَّ عَليْهِ العَيْشَ حُرَّا
إِنَّ رومَــــا جَــــعَلَتْ نيرْونَهَا ... وَهْوَ شَرُّ القوْمِ مِمَّاــ كَانَ شَرَّا
بَلَّغَتهُ المُلْكَ عَفْواً فبَغَى ... كُلُّ مُلْكٍ جَاءَ عَفْواً رَاحَ هَدرَا
يَقدُرُ الشيءَ مُعَانِي كَسْبِهِ ... فَإِذَا مَا هَانَ كَسْباً هَانَ خسْرَا
عَاثَ فِيهَا مُسْتَبِدًّا مُسْرِفاً ... دَائِبَ الإِجْــــرَامِ عَــــوَّاداً مُصِرَّا
وَهْوَ لاَ يَمْنَحُهْا مِنْ بَالِهِ ... غيْرَ هَمِّ الخطَرِ المَكسُوبِ قَمْرا
لَيْسَ فِي تشْنِيعِهِ مِنْ بِدْعَةٍ ... إِنَّ لِلخامِلِ عِنْدَ الذكرِ ثأْرَا
لا وَلا فِــــي ظُــــلْمِهِ مِــــنْ عَجَبٍ ... إِن لِلظَّالِمِ عِنْدَ العَدْلِ وِتْرَا
بِمَ غرَّ القوْمَ حَتَّى غفَرُوا ... ذلِكَ الذَّنْبِ لَهُ مَا شاءَ غفْرَا
بَلْ قَضوْا أَنْ يَمْنَحُوهُ حَمْدَهُمْ ... حَيْثُ لا يَجْدُرُ أَنْ يُبْلغَ عُذْرَا
ذاك أَنْ أَتْهَــــمَ ظُــــلْمــــاً مِنْهُمُ ... مَعْشراً مسْتَضْعَفَ الجَانِبِ نَزْرا
فَــــرَمَى مِلَّةَ عِيسى بِالَّذِي ... كان مِنْهُ مُلْحِقاً بِالوِزْرِ وِزْرَا
زاعِــــماً أَنَّ النَّصَارَى قارِفُو ... ذنبِهِ مَا كان أَنآهُم وَأَبْرَا
وَالنَّصــــــَارَى فِــــــئةٌ يَــــــوْمَــــــئِذٍ ... لمْ تكُنْ فِيهِمْ مِنَ المِعْشارِ عُشْرَا
مَــــا بِهَــــا حَــــوْلٌ وَلا طــــوْلٌ وَلا ... تقْتنِي جَاهاً وَلا تمْلِكُ وَفْرَا
لا تبَالِي دُونَ مَنْ تعْبُدُهُ ... جُهْدَ ما تُمْنى بِهِ خسْفاً وَعُسْرَا
دِينُهَا فِي فَجْرِهِ وَالسُّحْبُ قَدْ ... تَحْجُبُ النُّورَ وَلا تَعْتاقُ فجْرَا
عَــــنَّ لِلْغاشِمِ أَنْ يُطْعِمَهَا ... لِجِيَاعِ الوَحْشِ فِي المَلْعَبِ جَهْرَا
وَبِهَــــــذا يَــــــتــــــرَّضَّى شـــــعْـــــبَهُ ... فرْطَ ما الشَّعْبُ بِذاكَ اللَّهْوِ مُغْرى
فيَظَلُّ البُطْل فِيهِ عَالِياً ... وَيَظلُّ الحَقُّ عَنْهُ مُسْتَسِرَّا
أَمَرَ الطَّاغِي بِهَا فَاحْتشَدَتْ ... فِي مَقَامٍ زاخِرٍ بِالخَلْقِ زخْرَا
وَرَمَــــاهُــــمْ بِــــالضَّوَارِي قَــــرِمَــــتْ ... فارْتَمَتْ مَجْنُونةً وَثْباً وَجَأْرَا
فَــــتــــلقَّاــــهَــــا النَّصارَى وَهُمُ ... لمْ يَضِقْ إِيمَانهُمْ بِالضَّيْمِ حَجْرَا
سُـــــجِّدٌ شـــــادُونَ سَــــامٍ طــــرفُهــــمْ ... ضَاحِكْو الآمَالِ مَا الخَطْبُ اكْفهرَّا
بَرَبَرَتْ تِلْكَ الضوَارِي دُونَهُمْ ... ثُمَّ شَدَّتْ وَهْيَ لا ترْحَمُ شَفرَا
هَشَمَتْ وَانْتهَشَتْ وافْتَرَسَتْ ... مَا اشْتَهَتْ نَهْمَتُهَا عَلماً وَهَبْرَا
ثُمَّ كَلَّتْ شِبَعاً وَافْترَقَتْ ... فِي الزوَايا تَتوَخَّى مُسْتَقَرَّا
سَكِرَ الأَشْهَادُ إِعْجَاباً بِهَا ... وَهَوَتْ مَمْلُوءُةً بِالدَّمِ سُكْرَا
ذَاك مَــــــا رَامَ بِهِ نَـــــيـــــرُونُ أَن ... يَتلافى إِثْمُهْ الأَوَّلُ سَتْرَا
وَإِذا مَــــا أَسْعدَ الجَهْلُ غلا ... آثِمٌ فِي الإِثْمِ لاَ يَرْهَبُ عَزْرَا
شِيمَةُ المُوغِلِ فِي إِجْرَامِهِ ... كُلَّما ازْدَادَ انْطِلاقاً زادَ حُضْرَا
شادَ لِلإِلْهَاءِ ذاك المُنْتدَى ... قبلَ أَنْ يَبْنِيَ لِلإِيوَاءِ جُدْرَا
وَالأولى زالتْ مَغانِيهِمْ بِمَا ... شِيدَ لِلأَلْعَابِ مَحْبُورُونَ حَبْرَا
بِطءُ يَوْمٍ فِيهِ إِيدَاءٌ بِهِمْ ... وهْوَ يَقضِي فِي بِناءِ اللَّهْوِ شهْرَا
خابَ مَنْ خالَ النصَارَى هَلكوا ... حِينَ راحَ المَوْتُ فِيهِمْ مُستحِرَّا
فـــــالَّذِي أَوْلدَهُ الفـــــتْــــكُ بِهِــــمْ ... أَنَّهُمْ قُلٌّ غدَوْا بِالقتْلِ كُثرَا
ثُمَّ أَضحَى مُلكُ رُومَا مُلْكهُمْ ... وَمُوَلاَّهمْ على الأَحْبَارِ حَبْرا
هَكذا الفِكْرةُ مَنْ أَرْهَقهَا ... كَمَنَت ثُمْ عَلَتْ وَثْباً فطفرَا
دَرَتِ الأُمــــــةُ مَــــــن ظـــــالِمُهَـــــا ... كلَّمَا جَرَّ عَلَيْهَا الظُّلْمُ دَفْرَا
وَعَـــــلى ذَاك تَـــــغَـــــابَـــــتْ مَــــرَّة ... بعْدَ أُخْرَى وَتَمَادَى مُسْتَشِرَّا
لَوْ أَرَادَ القِسْط لَم يَكْفُؤْ لَهُ ... أَو تَصَدَّى لِلوَغى لَمْ يَحْمِ ثغْرَا
فــــاتَهُ فِــــي نَــــفْــــسِهِ السِّرُّ الَّذِي ... يَمْنَحُ الدائِلَ مَجْداً مُسْتَمِرا
فَتوَخَّى الفخْرَ مِنْ سُخرِيَةٍ ... مَثَّلَ الدهْرَ بِهَا هُزْءاً وَهَزْرَا
لاهِياً بِالناسِ قتالاً لِمَنْ ... شَاءَ فَعَّالاًّ لِمَا اسْتَحْسَنَ جَبْرَا
لاعِـــــبـــــاً حَـــــتَّى إِذَا ضَـــــاقَ بِهِ ... مَلْعَبُ الدُّنْيَا تَخَطاهُ وَمرا
فقضَى حِينَ اقْتَضَى مُنتَحِراً ... بِيَديْ مسْتأْجَرٍ أَوسِعَ بِرَّا
رَاكِباً مَتْنَ النَّوَى لمَّاــ نوَى ... ضَارِباً بَيْنَ غَدٍ وَالامْسِ سِتْرَا
مُلَقِياً جِسْماً إِلى أَمِتهِ ... خَشِيَتْ حِرْمَانَهُ دَفْناً وَقبْرَا
سَرَفاً فِي الذُّلِّ حَتَّى إِنهَا ... لَمْ تَكُنْ تَدْرِي لِمَا تَفْعَلُ قَدْرا
مَــــنْ يَــــلُمْ نَــــيْرُونَ إِني لائِمُ ... أُمَّةــــً لوْ كَهَرَتْهُ ارْتَدَّ كهْرَا
أُمَّةــــٌ لَوْ نَــــاهَــــضَــــتْهُ سَــــاعَــــةً ... لانتهَى عَنْهَا وَشِيكاً وَاثْبَجَرَّا
فـــــاز بِـــــالأُولى عَــــليْهــــا وَلَهُ ... دُونَهَا مَعْذَرَةُ التَّارِيخِ أُخْرُى
كُلُّ قَوْمٍ خَالِقُو نَيْرُونِهِمُ ... قَيْصَرٌ قِيلَ لَهُ أَمْ قِيلَ كِسْرَى
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الصدغين: صدغ: الصُّدْغُ: مَا انْحَدَرَ مِنَ الرأْس إِلى مَرْكَبِ اللَّحيين، وَقِيلَ: هُوَ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ والأُذن، وَقِيلَ: الصُّدْغَانِ مَا بَيْنَ لِحاظَي الْعَيْنَيْنِ إِلى أَصل الأُذن؛ قَالَ: قُبِّحْتِ مِنْ سالِفةٍ ومِنْ … (لسان العرب)
- بادنا: قال عزّ وجل: ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً﴾ [الكهف : 35] ، يقال: بَادَ الشيءُ يَبِيدُ بَيَاداً: إذا تفرّق وتوزّع في البَيْدَاء، أي: المفازة، وجمع البيداء: بِيد، وأتان بَيْدَانَة: تسكن البادية البيداء. (مفردات الراغب)
- بارز: أرز: أَرَزَ يَأْرِزُ أُرُوزاً: تَقَبَّضَ وتَجَمَّعَ وثَبَتَ، فَهُوَ آرِزٌ وأَرُوزٌ، وَرَجُلٌ أَرُوزٌ: ثَابِتٌ مُجْتَمِعٌ. الْجَوْهَرِيُّ: أَرَزَ فُلَانٌ يَأْرِزُ أَرْزاً وأُرُوزاً إِذا تَضامَّ وتَقَبَّضَ مِنْ بخْلِه، فَه … (لسان العرب)
- باللحظ: لحظ: لحَظَه يَلْحَظُه لَحْظاً ولَحَظاناً ولَحَظَ إِليه: نَظَرَهُ بمؤخِرِ عينِه مِنْ أَيّ جَانِبَيْهِ كَانَ، يَمِينًا أَو شِمَالًا، وَهُوَ أَشدّ الْتِفَاتًا مِنَ الشزْر؛ قَالَ: لَحَظْناهُمُ حَتَّى كأَنَّ عُيونَنا ... بِهَ … (لسان العرب)
- خائب: خيب: خابَ يَخِيبُ خَيْبَةً: حُرِم، وَلَمْ يَنَلْ مَا طَلَب. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: مَنْ فازَ بِكُمْ، فَقَدْ فازَ بالقِدْحِ الأَخْيَبِ أَي بالسَّهْمِ الخائِبِ، الَّذِي لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ قِداح … (لسان العرب)
- خوار: قوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف : 148] . الخُوَار مختصّ بالبقر، وقد يستعار للبعير، ويقال: أرض خَوَّارَة، ورمح خَوَّار، أي: فيه خَوَرٌ. والخَوْرَان: يقال لمجرى الرّوث[[انظر: مجمل اللغة 2/ 306.]] ، وصوت … (مفردات الراغب)