هاجَ أشجانَ الجوى بَرق الحمى
الشاعر: مصطفى البيري · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر مصطفى البيري، من العصر العثماني، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هاجَ أشجانَ الجوى بَرق الحمى ... مُستطيراً في دياجي الغَلَسِ
شَبَّ في قلبي وأذكى ضَرَما ... حين أورى زندُه كالقَبَسِ
قد حَكى قلبَ الشجى إذ وَمَضا ... باضطِرابٍ وخُفوقٍ ووَجيب
شاقَ مُذ ضاءَ على ذاك الأضا ... كلَّ صَبٍّ في الهوى مُضنىً كئيب
فهو في الظلماءِ سيفٌ مُنتَضى ... أو جريح من بَنى الزنجِ سليب
كاد يحكى زَينباً مُبتَسِماً ... لو تحلّى بالرُضابِ اللعِسِ
بل حكى لَونَ طرازٍ رُقِما ... بنُضارٍ في حواشي أطلَسِ
يا رَعى اللَهُ عهودي باللَوى ... ومغاني الشعبِ من وادي العَقيق
حيثُ رَوضُ الأُنسِ مُعتَلُّ الهوا ... وبه غُصنُ المُنى غَضٌّ وَريق
مَعهَدٌ قد عاهَد القلبَ جوىً ... في رُباهُ بالهوى عهداً وثيق
وَسَقَتهُ السُحبُ منها ديماً ... قد هَمَت بالعارِضِ المُنبَجسِ
وشَفَت من تُربِه بَرحَ الظَما ... وجَلَتهُ من مُروطٍ السُندُسِ
يا أهيلَ الشعبِ كم هذا الجفا ... لمَشوقٍ لم يجد عنكم بديل
أتُرى هل تسمحوا لي بالوَفا ... ويُرى ظلُّ اللقا منكم ظَليل
إن جَفني من جفاكُم من غَفا ... وغَدا جسمي من الهجرِ عليل
فارحموا من صار فيكم مُغرَماً ... وبثَوبِ السقمِ منكم قد كُسى
والهوى جارَ به مُذ حكَما ... وهو من لُقياكُم لم ييأسِ
حلَّ في قلبيَ منكم قمرُ ... ظَبيُ إنسٍ تخِذَ القلبَ مُقام
شادِنٌ في الثَغرِ منه دُرَرُ ... نُظِمت نَظمَ حبابٍ في مُدام
ذو لحــــــاظٍ زانَهُــــــنَّ الحــــــوَرُ ... راشَ منها السحرُ في القلبِ سهام
عَندَميُّ الخدِّ مسكيُّ اللمى ... جال في فيه شرابُ الأكؤسِ
لَذَّ في تَعذيبِه سفكُ الدما ... وحَلا فيه ذهابُ الأنفُسِ
كم ليالٍ بتُّ فيها قاطِفا ... زهَرَ الوَصلِ بكَفِّ القُبَلِ
وغَدا ظِلُّ التهاني وارِفا ... بــــمُحَيّاهُ ونَيلِ الأمَلِ
وانثَنى نحوَ المُعَنّى عاطِفا ... قــــدَّه المُزرى بقَدِّ الأسَلِ
فضَمَمتُ الخصرَ منه مِثلَما ... ضمَّتِ الأسهُمَ أعطافُ القِسى
وغدا يَحسُدني بدرُ السما ... حيث بَدري قد أضا في مجلسي
كاد لَيلى بالتلاقي قِصَرا ... يعثُر الفجرُ به في الشَفَقِ
وغَدا فيه لساني حَصِرا ... فتناجَينا بوَمى الحدَقِ
وارتَشَفتُ الراح فيه خَصِرا ... مــــن رُضــــابٍ مثلِ ذوبِ الوَرقِ
عطَّرَت أنفاسُهُ منّى فما ... وكَسا طيبُ شَذاهُ نَفسي
فنَظَمتُ الدرَّ منّى كلِما ... في ثَنا عبد الغنى النابُلُسي
نورُ مِكاةِ مصابيح الهدى ... مُظهرُ الأسرارِ فرّاجُ الكُرَب
من بأنوارِ هداه يُقتدى ... إن دجا الشكُّ وعمَّ المحتجَب
أطوَلُ العالم في العلمِ يَدا ... وأمَدُّ الخلقِ في الفضلِ سبَب
نفَثَت في الروع منه عِندما ... راهَق التمييزَ روحُ القُدُسِ
وغدا عند التناهي علَما ... ساطعَ الأنوارِ للمقتبسِ
بحرُ علمٍ قد طَمَت أمواجهُ ... لِذَوي الأفضالِ من خاصٍّ وعام
وتناهى في العُلا معراجهُ ... حيثُ لم يبقَ إلى مرقى مقام
ولكــــلٍّ قــــد أضا منهاجُه ... فلهذا غَصَّ من فَرطِ الزِحام
ومن الفضلِ أرانا أنجُما ... في دُجا الجهلِ البهيمِ الحندِسِ
يهتدى السالكُ منها عِندما ... تُجتلى مثلَ الجوارى الكُنَّسِ
يــــا لَهُ روضُ كــــمــــالٍ ناضرِ ... عطَّرَ الدنيا بزاكى عرفهِ
جمَّلَ الكونَ بفضلٍ باهرِ ... قصُرت أفهامُنا عن وَصفِهِ
ولكَــــم أحــــيــــى لعلمٍ داثرٍ ... بعقودٍ نُظِمَت من رَصفهِ
وجَلا عن طُرُقِ الحقِّ عَمى ... بعدَها الأفهامُ لم تَلتَبسِ
فهو محيى الدين في العصرِ وما ... غيرُه يسمو لهذا النَفَسِ
يا فريدَ الدهرِ يا قُطبَ العُلا ... يا منارَ الحقّ إن ضلّ الأثَر
هاكَها عذراءَ زينَت بحُلى ... وأتَت ترفُلُ في بُرد الجبر
وسَمَت في مدحكم بين الملا ... بعقودٍ فصَّلَتها بدور
ترتجى مُلتَمَساً والانتِما ... للمَعالي بُغيَةُ المُلتَمِسِ
دُمتُمُ الدهرَ ملاذاً وحمى ... ماعفا المُحسِنُ فيه عن مسى
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة، مفردات الراغب:
- الزنج: زنج: الزِّنْجُ والزَّنْجُ، لُغَتَانِ: جِيلٌ مِنَ السُّودانِ وَهُمُ الزُّنُوجُ، وَاحِدُهُمْ زِنْجِيٌّ وزَنْجِيٌّ؛ حكاه ابن السكيت وأَبو عُبَيْدٍ مِثْلُ رُومِيٍّ ورُومٍ وفارِسِيٍّ وفُرْسٍ، لأَن يَاءَ النَّسب عَدِيلَةُ هَاء … (لسان العرب)
- الغلس: غلس: الغَلَسُ: ظَلَامُ آخِرِ اللَّيْلِ؛ قَالَ الأَخطل: كَذَبَتْكَ عُيْنُك أَمْ رأَيتَ بِوَاسِطٍ، ... غَلَسَ الظَّلام، مِنَ الرَّباب خَيالا؟ وغَلَّسْنا: سِرنا بِغَلَسٍ، وَهُوَ التَّغلِيسُ. وَفِي حَدِيثِ الإِفاضة: كنَّا نُ … (لسان العرب)
- اللعس: لعس: اللَّعَسُ: سَوادُ اللِّثَة والشَّفة، وَقِيلَ: اللَّعَس واللُّعْسَة سَواد يَعْلُو شَفَة المرأَة الْبَيْضَاءِ؛ وَقِيلَ: هُوَ سَوَادٌ فِي حُمْرَةً؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: لَمْياءُ فِي شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ، ... وَفِ … (لسان العرب)
- بالرضاب: رضب: الرُّضابُ: مَا يَرْضُبُه الإِنسانُ مِنْ رِيقِه كأَنه يَمْتَصُّه، وإِذا قَبَّل جاريَتَه رَضَبَ رِيقَها. وَفِي الْحَدِيثِ: كأَنِّي أَنْظُر إِلى رُضابِ بُزاقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. البُزاقُ: مَا سالَ؛ والرُّضابُ مِنْهُ: … (لسان العرب)
- بنضار: (نَضَرَ) النُّونُ وَالضَّادُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حُسْنٍ وَجَمَالٍ وَخُلُوصٍ. مِنْهُ النَّضْرَةُ: حُسْنُ اللَّوْنِ، وَنَضَُِرَ يَنْضَُرُ. وَنَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ: حَسَّنَهُ وَنَوَّرَهُ. وَفِي الْحَد … (مقاييس اللغة)
- جريح: جرح: الجَرْح: الفعلُ: جَرَحه يَجْرَحُه جَرْحاً: أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ وجَرَّحَه: أَكثر ذَلِكَ فِيهِ؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَلُّوا قِراه، وهَرَّتْه كلابُهُمُ، ... وجَرَّحُوه بأَنْيابٍ وأَضْراسِ وَالِاسْمُ الجُرْح، ب … (لسان العرب)
- حواشي: قال الله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف : 31] أي: بعدا منه. قال أبو عبيدة: هي تنزيه واستثناء[[انظر: مجاز القرآن 1/ 310.]] ، وقال أبو عليّ الفسويّ رحمه الله[[قال أبو علي: وأمّا قوله تعالى: وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ فإنّ … (مفردات الراغب)