غنني يا صاح لحناً
الشاعر: محمد طاهر الجبلاوي · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر محمد طاهر الجبلاوي، من العصر الحديث، وتقع في 59 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
غنني يا صاح لحناً ... كلما جن المساء
وتــــولانــــي لهيب ... ليس يطفيه البكاء
إنما الألحان خير ... من كؤوس الندماء
وأخو الألحان شمس ... يملأ القلب ضياء
غنى يا صاح عن ... إن نفسي في عناء
وطــــيــــب الحي غر ... بنفوس الشعراء
ملأ الجسم سموماً ... حينما ضل الدواء
غنني لحناً جميلاً ... فيه للجسم شفاء
زهرة القلب ذبول ... يعتريها وانضواء
أسقها يا صاح عذباً ... من ينابيع الغناء
إنني يا صاح روض ... ولي الألحــــان مــــاء
غنني في اليأس لحناً ... ينسلخ منه الرجاء
فيعود اللَيل فجراً ... ينجلي عنه السناء
وهموم النفس تمسي ... مؤذنات بالجلاء
إن للهــــم جــــراثــــي ... ماً لنا منها الفناء
وأرى الألحان سما ... لجراثيم الشقاء
رتل الألحان رتل ... فهي أكسير الصفاء
وأعد لي من شبابي ... ما مضى مني هباء
قبل أن ينضج عودي ... شيب الراس البلاء
وتجافاني فراشي ... ونبابي الأصدقاء
وسهرت الليل وحدي ... أتناجى والسماء
غنني يا صاح أنهض ... لأمــــوري بازدهاء
وألاقي كل بسل ... في حياتي بازدراء
إن للألحان فعلاً ... مثل فعل الكهرباء
غنني قد ضاع حظي ... ولزيـــــت الأنـــــزواء
وعلى القرطاس دمعي ... صار شعر الأدباء
بت أزجيه هموماً ... وهــــو للناس عزاء
كم على الأرض أسارى ... دون ذنــــب أبرياء
غنني يا صاح أخرج ... من أسار وعناء
إنما الألحان جند ... لفكاك التعساء
ما ترى الكون عجيباً ... حار فيه الحكماء
ولجوا الباب وعادوا ... وعلى العين غشاء
كل يوم فلسفات ... تتلاشى في الهواء
ويقين الأمس يضحي ... موضعاً للسخرياء
كسراب في فضاء ... ظنه الظمآن ماء
غنني قد كل ذهني ... وتولاني العياء
إنما الألحان خير ... من ظنون الأدعياء
رتل الألحان رتل ... فهي للذهن جلاء
ما لهذا الغر يمسي ... يتفاني في الثراء
همه جمع نقود ... حظه منها الشقاء
عيشه ليل طويل ... وظــــلام طــــرمساء
وقيود في يديه ... صاغها حب الغناء
وهو والمال لديه ... عاش مثل السجناء
والملذات جميعاً ... كفه منها السجناء
وهي دون العين لكن ... بات عنها في عماء
رتل الألحان رتل ... فهي كنز الفهماء
لهم فيها نعيم ... وســــــرورٌ وبـــــهـــــاء
غنني يا صاح لحناً ... فيه للنفس رضاء
إن للإنسان روحاً ... ولها اللحن غذاء
ما ترى الأشجار مالت ... وتثنت في الفضاء
كلما غني نسيم ... نالها منه انتشاء
وإذا ما مر منها ... عظمته بانحناء
غنني الألحان غن ... فهي أولى بالثناء
لم أجد في الناس خلا ... ليس يخلو من جفاء
إنما الشر كمين ... ليس يخفيه الولاء
وإذا ما قلت يوماً ... ذاك خير الأوفياء
لم تكن تجهل نفسي ... أنه يوماً أساء
ذاك أرضـــــاه لأنـــــي ... ما عرفت النزهاء
غنني الألحان غن ... فهي خير الأصدقاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب، مفردات الراغب:
- الندماء: الدَمُ أصله دَمَوٌ بالتحريك، وإنما قالوا دَميَ يَدْمى لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا رَضيَ يَرْضى وهو من الرضوان. قال الشاعر: فلو أَنَّا على حجرٍ ذُبِحْنا * جَرى الدَمَيانِ بالخبر اليقين [[قبله: لعمرك إننى وأبا رب … (الصحاح)
- بنفوس: نفس: النَّفْس: الرُّوحُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذَا الكتاب، قال أَبو إِسحق: النَّفْس فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَجْرِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحدهما قَوْلُكَ خَرَجَتْ نَفْس فُلَانٍ أَي رُو … (لسان العرب)
- غنني: غنن: الغُنَّة: صَوْتٌ فِي الخَيْشُوم، وَقِيلَ: صَوْتٌ فِيهِ ترخيمٌ نحوَ الْخَيَاشِيمِ تَكُونُ مِنْ نَفَسِ الأَنف، وَقِيلَ: الغُنَّة أَن يَجْرِيَ الكلامُ فِي اللَّهاةِ، وَهِيَ أَقل مِنَ الخُنَّة. الْمُبَرِّدُ: الغُنَّة أَ … (لسان العرب)
- وتولاني: تول: التُّوَلَة: الدَّاهِيَةُ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْهَمْزِ، يُقَالُ: جَاءَنَا بتُولاته ودُولاته وَهِيَ الدَّوَاهِي. ابْنُ الأَعرابي: إِن فُلَانًا لَذُو تُولات إِذا كَانَ ذَا لُطْف وتَأَتٍّ حَتَّى كأَنه يَسْحَر صَاحِبَهُ. و … (لسان العرب)
- يطفيه: طَفِئَتِ النارُ وأَطْفَأْتُهَا. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ﴾ [التوبة : 32] ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ [الصف : 8] ، والفرق بين الموضعين أنّ في قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا يقصدون إِط … (مفردات الراغب)