أبــثُّكــ مــا فِــي النّــفـس لسـت أُرائي
الشاعر: أبو الحسن الحصري · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر أبو الحسن الحصري، من المغرب والأندلس، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبــثُّكــ مــا فِــي النّــفـس لسـت أُرائي — أَنــا بــعــض قَــتــلى حــبّــك الشـهـداءِ
ألِفــتُ البــكــا إِذ عَــزَّ فــيـك عـزائي — إِلى أَن بَــكــتْ أَرضــي مــعــي وسـمـائي
وإِنّــي لراضٍ عــنــكَ فــي هــذه الحــالِ — بـفـيـض دمـوعـي فـيـك سـكـبـاً على سكْبِ
بـعـطفك في ذاك الرضى قبل ذا العتْبِ — بــمـا بـيـنـنـا مـن عـفّـةٍ زمـن القـربِ
بــمــا جـرّدت عـيـنـاك مـن صـارِمٍ عـضْـبِ — أَجِــرنــي مـن الخَـدِّ المـطـرَّز بـالخـالِ
تَـغـيّـبـتَ فـالأعـداءُ بـي مـنـك تـشـمـتُ — تــــؤلِّف شــــمــــلي تـــارةً وتـــشـــتّـــتُ
تـكـاد الرُّبـى مـن مـاءِ عـيـنـي تـنـبتُ — تُــتــرجــم عــمّــا فـي ضـلوعـي فـأسـكـتُ
عــلى أنّ قــلبــي لا صَــبـورٌ ولا سـالِ — ثَــوَيْــنـا ونـحـن اثـنـان والله ثـالثُ
ثـــلاث ليـــالٍ لا تــرانــا الحــوادثُ — ثــيــاب ســوانــا دنّـسـتـهـا الخـبـائثُ
ثــقــاة الهــوى مــاتـوا وإنِّيـ لَوارثُ — فَــرُبَّتــَ حــالٍ نــاســبــت بـيـن أشـكـالِ
جــنــا الورد ذا أم خــدُّك المــتـضـرّجُ — جــنــيـت بـلثـمِـي فـالشـقـيـق بَـنَـفْـسَـجُ
جـــمـــالٌ مُـــوشَّى بـــالنَّعـــيـــم مــدبَّج — جــرى فــوقــه ظِــلٌّ مــن الخُـلد سـجـسـجُ
فـحـيّـيـتُ مـن حـورِ الجـنـان بـتـمـثـالِ — حــبــيـبٌ يـجـدّ الشـوقُ بِـي وهـو يـمـزحُ
حـرام عـلى عـيـنـي الكـرى حـيـن ينزحُ — حـيـاتِـي كـمـوتِـي لا بـل المـوت أروحُ
حــروب الهــوى تُــمــسِــي عـليَّ وتُـصـبـحُ — تُــغــيــر عـلى قـلبِـي وصـالح أعـمـالِي
خــليــليّ كــم مــن أشــيـبٍ مـثـل شـارخِ — خــليــعٍ لحـكـم الشّـيـب بـالحـبّ فـاسـخِ
خِـــضـــاَبٌ وغَـــيٌّ لا أبـــالي بـــلاطـــخ — خِـراد الصّـبـا يـحـللن عـقـد المـشائخِ
وَهـذا الّذي يـسـبِـي المـحـبّين أمثالِي — دعـــا فـــأجـــاب القـــلب لا أتــجــلّدُ
دليــلُ اِشــتــيــاقــي زفــرةٌ تــتــجــدّدُ — دنــا أجــلي حــتّــى مـتـى أنـا مُـبـعـد
دمـــي هـــدرٌ لا يـــؤخـــذ المُــتــقــلِّدُ — شـرانِـي رخـيـصـاً فـي الهوى وأنا غالِ
ذللت وذلّ العــــاشــــقــــيــــن لذيــــذُ — ذوى عــود صــبــرِي فــالعــزاء جــديــدُ
ذَرونِـــي لدائِي لســـت مــنــه مُــعــيــذُ — ذبـــاب حُـــســام اللحــظ مــنــه هــذوذُ
فــهــا أنــا قــتّــالٌ بــه كــلّ قــتّــالِ — رُزئتُ ولكـــــنَّ المـــــحـــــبَّ صـــــبــــورُ
رجـــوت دُنُـــوِّي مـــنـــك وهــو عــســيــرُ — رســـول الهـــوى لحــظٌ إِليــك يــشــيــرُ
رعــاةُ الخــنــا والكــاشــحـون كـثـيـرُ — بــودِّي فــلا تـكـشـف لهـم سـرّ إرسـالِي
زيـــارةُ طـــيــفٍ وعــده ليــس يُــنْــجَــزُ — زهـــيـــت بــه حــبّــاً وقُــربــك مُــعْــوِزُ
زُجِــرتُ وقــلبِــي بــالصّــبــابـة يُـحْـفَـزُ — زفــيــرُ الهــوى مــن غــيـظـه يـتـمـيّـزُ
فـــهـــلّا رثــى حــبِّيــ وقــصّــر عــذّالِي — ســـلبـــتــنِــيَ اللّبّ الّذي أنــا لابــسُ
سـقـى اللّه عـهـداً مـنـك مـغـناه دارسُ — سُـــررت بـــه فــالعــيــش ريّــانُ مــائِس
ســــأنــــدبــــه والقــــلب راجٍ وآيِــــسُ — وأبكي على ما كان في الزمن الخالي
شـعـارِي ضـنـى جسمي وجمرُ الغضا فَرْشِي — شـفـائي بـلحـظ العين من أعين الوحشِ
شَــوادِنُ يَــصــرَعــن الأســودَ بــلا غِــشّ — شــوارد إلّا أنّهــا بــيــنــنـا تَـمـشـي
وَســيّــدُهــا ذو الخــال غــايـة آمـالي — صــفـا الودُّ لولا جـحـفـل مـنـك نـاكـصِ
صـــهـــيـــل وزأْرٌ واِرتـــعـــاد فـــرائصِ — صــلادم تـحـمـي السّـربَ مـن كـلّ قـانـص
صَـــدقـــت وربّ المــشــعــرات الرّواقــصِ — بِـبـطـن مِـنـىً مـا فـيـك حَـوْلٌ لمـحـتـالِ
ضـــللنـــا فــلمّــا لاحَ مــنــكَ ومــيــضُ — ضـــمـــنــتَ لنــا أنّ الحَــنــادِسِ بــيــضُ
ضِــيــاءٌ جــنــاح اللّيــلِ مــنـه مـهـيـضُ — ضُــحــىً فـي دجـىً لَوْ عِـيـدَ فـيـه مـريـضُ
كـــأَجـــفــان مــن أهــوى ولكــنّه ســالِ — طـــللتَ دمـــي مـــا أنـــت إلّا مــســلّط
طــعــيــنُ الهــوى مــا هـكـذا يـتـشـحّـطُ — طــبــيــبـي حـبـيـبـي والعـوائِد تـغـلط
طـــويـــل ســقــامــي وهــو فِــيَّ مــفــرّطُ — ومــا ضــرَّه لو كــنــت مـنـه عـلى بـالِ
ظـــفِـــرت بـــلاحٍ لحـــيــه ليــس غــائظُ — ظـــنـــيــنٌ ومــا للعــاذليــن حــفــائظُ
ظــرُفْــتُ فــلم تــصـرف هـواي المـواعـظ — ظُــبــاه ضـيـاء العـيـن وهـي اللّواحـظُ
أَبـت لي صـون النـفـس والعِرضِ والمالِ — عــرفــت ذنُــوبِــي هــل إليــك شــفــيــعُ
عـــثـــرتُ أَقِــلْنِــي أو فــســوف أَضــيــعُ — عــقــابــك مــثــلي أنــت عــنــه رفـيـعُ
عُـــبَـــيْـــدٌ ذليـــل ســـامـــعٌ ومُــطــيــعُ — ومــولىً عــزيــز مـن طِـرازِهـمُ العـالِي
غـــلطـــت وهــل عــذري لديــك بــســائغ — غــضــبــت ومــا قــدرِي هــنــاك بـبـالغِ
غــرور لشــيــطــان مــن الأنــس نــازغ — غــــرام وهـــمٌّ ثـــم هِـــمْـــتُ بـــفـــارغِ
وذا عـجـبٌ سـخـط الرّعايا على الوالِي — فــديــتــك أنِّيـ مـن جـوى الحـبّ مُـدنـفُ
فــمــا لي أُعــنَّى فــي الهــوى وأعــنَّفُ — فــراقــكَ لي ظــلمٌ مــتــى أَنـت تُـنـصـف
فــأســعــدُ بــالوصـلِ الّذي كـنـت أعـرفُ — وأرضــى بــإدلال الحــبــيــب وإذلالِي
قَــلِقْــتُ ومــا قــلبِــي إذاً بــمُــطــيــق — قــلى بــعــد وُدٍّ مــن يُــفــرّجُ ضــيــقــي
قُــطِــعْــتُ وســدَّ الكــاشــحــونَ طــريـقِـي — قــدِيــرٌ عــلى بــلواي غــيــر شــفــيــقِ
يُـقـطّـع بـيـن الهـجـر والوصـل أوصالي — كَـشـفـت قـنـاعـي فـيـك واِنـقـطـع الشـكّ
كــأن لم يــكــن حــلمٌ لديَّ ولا نُــسْــكُ — كرام الهوى مثلي شَكوا مِثل ما أَشْكُو
كــؤوسَ رحِــيــقِ الحــبّ خـاتـمـهـا مِـسْـكُ — ولا سـيـما من حبّ هذا الرَّشا الغالِي
لواحــظــهــا مــمّــا يــمــرّضـهـا قـتـلي — لمَــاهُ حــيــاتِـي لو شـفـانِـيَ بـالوصـلِ
له مـهـجـتـي فَـليَـقـضِ بـالجَور والعدل — لهــا وعــليــهــا وهــي مــنِّيــَ فـي حِـلِّ
وإن زادنِــي سُــقْــمــاً وضَــنَّ بــإِبــلالِ — مُـــدِلٌّ مُـــدَالٌ فـــي القـــلوب مُـــحَـــكَّمُ
مُــــحِــــلٌّ لوصــــلي تــــارةً ومُــــحَــــرِّمُ — مـعـانِـي الهـوى مـن غُـنْجِ عينيه تُفْهَمُ
مَــلُولٌ فــمــن يـهـواه يـشـقـى ويـنـعَـمُ — بِــلا ونــعــم مــا بـيـن تـيـهٍ وإدلالِ
نــكــثــتَ وســاءت بــي عــليــكَ ظــنــونُ — نــصــيــح المُــعَــنَّى بــالمِـلاحِ ضـنـيـنُ
نـهـتـنـي النُّهـى والعُـذْرُ فـيـك مُـبِـينُ — نَـــعـــونــي وقــالوا مــيّــتٌ فــدفــيــنُ
ولو زُرْتَ قــبـري قـمـتُ أسْـحَـبُ أذْيـالِي — هــوىً قـلتُ للنّـاهـيـن عـنـه سـأنـتـهـي
هَـزِئْتُ بـهـم لا عـنـه بـل فـيـه أنتهي — هــوايَ سَــنَــى وجـهِ الحـبـيـب المـمـوّهِ
هـــلالِي وروْضـــي إن أردت تـــنـــزُّهــي — فـمـن خـدّه نُـقْـلِي ومِـن فِـيـهِ جِـرْيـالِي
وَصُــولٌ قَــطُــوعٌ ذو عَــفَــافٍ وذُو عَــفْــو — ولا بـدّ لي مـنـه عـلى المُـرّ والحـلْوِ
وفَــى لِي فــكـنّـا فـي سـرورٍ وفـي لهـو — ولكــنَّهــا الدّنــيــا مــكــدّرَةُ الصّـفـوِ
فَـتـلكَ الليـالي أدبَـرَتْ بـعـد إقـبـالِ — لأسـتـمـطـرنّ العـيـنَ خِلْواً وفي الملا
لآلٍ ويــتــلوهــا عــقــيــقٌ وكــيــف لا — لأســعـدتـنـي لو كـنـتَ مِـثْـليَ مُـبـتـلى
لأَنْــتَ مُــنَـى نـفـسـي كـمـا كـنـتَ أوَّلا — وَلَو مـتُّ وَجـداً ما اِنقضت فيك أشغالي
يـرانِـي قـتـيـلاً فـي هـواه فَـيَـسْـتَحْيي — يــقــول غــداً آتــيـك مُـسْـتـنـكـرَ الزِّيِّ
يُــمــنِّيــ بـوصـلٍ ثـمّ فـي وعـده يُـعـيـي — يُــريــدُ ويــأْبـى حـاجـة المـيّـت الحـيِّ
وأَحْــســبُ تَــعْــليــلي يُــجَــدِّد إِعــلالي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- العتب: عتب: العَتَبَةُ: أُسْكُفَّةُ البابِ الَّتِي تُوطأُ؛ وَقِيلَ: العَتَبَةُ العُلْيا. والخَشَبَةُ الَّتِي فَوْقَ الأَعلى: الحاجِبُ؛ والأُسْكُفَّةُ: السُّفْلى؛ والعارِضَتانِ: العُضادَتانِ، وَالْجَمْعُ: عَتَبٌ وعَتَباتٌ. والعَ …
- المطرز: المُطَرَّزُ : مفعـ. ـ: المزخْرَف والمُوَشَّى؛ جاء للعروس بكلِّ مطرَّزٍ فاخِرٍ.
- بالخال: الخَالُ [خيل]: ما توسمتَ فيه خيراً؛ من وراء هذا السعي خالٌ. -: لواء الجيش. -: داءُ يصيبُ الدابَّةَ. -: الغَيْمُ؛ قلَّ أن يكون وراء الخَالِ مطرٌ. -: البرقُ؛ إنْ لمعَ الخالُ تحيَّر البصر والبالُ. -: الكِبْر؛ هذا رجل خالٌ م …
- بعطفك: عطف: عَطَفَ يَعْطِفُ عَطْفاً: انصرفَ. وَرَجُلٌ عَطوف وعَطَّاف: يَحْمِي المُنْهَزِمين. وعَطَفَ عَلَيْهِ يَعْطِفُ عَطَفاً: رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا يَكْرَهُ أَو لَهُ بِمَا يُرِيدُ. وتَعَطَّفَ عَلَيْهِ: وصَلَه وبرَّه. وتعطَّف …
- بفيض: فيض: فَاضَ الْمَاءُ والدَّمعُ وَنَحْوُهُمَا يَفِيض فَيْضاً وفُيُوضةً وفُيُوضاً وفَيَضاناً وفَيْضُوضةً أَي كَثُرَ حَتَّى سالَ عَلَى ضَفّةِ الْوَادِي. وفاضَتْ عينُه تَفِيضُ فَيْضاً إِذا سَالَتْ. وَيُقَالُ: أَفاضَتِ العينُ …
- تشمت: [ش م ت]. (فعل: خماسي لازم). تَشَمَّتَ، يَتَشَمَّتُ، مصدر تَشَمُّتٌ. "تَشَمَّتَ الرَّجُلُ" : رَجَعَ خَائِباً وَلَمْ يَنَلْ مُرَادَهُ.