لا شَفاني الدَمعُ إِلّا بِالشَرق

الشاعر: أبو الحسن الحصري · البحر: الرمل · الغرض: قصيدة غزل

هذه القصيدة من شعر أبو الحسن الحصري، من المغرب والأندلس، وتقع في 96 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف القاف، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لا شَفاني الدَمعُ إِلّا بِالشَرق ... فَكُلوا إِنسانَ عَيني بِالغَرَق

وَيح عَيني سُلِبَت قُرَّتها ... وَخَبا نيّرُها لَمّا اِئتَلَق

وَلَدي فارَقتُ لا بَل كَبدي ... فَالَّذي اِستَجمَعَ مِن شَملي اِفتَرَق

لا أُبالي بَعد أَن فارَقتهُ ... بِغُرابِ البَينِ إِن قيلَ نَعَق

لا أُحِبُّ النَسلَ بَعدَ اِبني وَلا ... تَطمَعُ الحَسناءُ مِنّي بِالعشق

بِأَبي غُصنٌ ذَوى حينَ زَها ... بِأَبي نَجمٌ هَوى حينَ شَرَق

شقَّتِ الشَمسُ عَلَيهِ جَيبَها ... فَبَكى المزنُ مَعي وَالجيب شَق

كانَ دَمعي قَبلَ فُقداني لَهُ ... في يَدِ الصَبرِ أَسيراً فَاِنطَلَق

نَهــــكَــــتــــهُ عِلَّةٌ مَبدَؤُها ... وَحشَةُ الأمِّ مَتى تُذكَر تشُق

غَـــــدَرَتـــــهُ أُمُّهــــُ لكِــــن وَفَــــت ... أمَةٌ أَحسَنُ منها مُرتَقق

أَلِفَــــتــــهُ مِــــثــــلَما آلَفَها ... وَأَحَبَّتهُ اِعتِقاداً لا مَلَق

خَمشَت ثُكلاً عَلَيهِ وَجنَةً ... لَطَمَت مِنها صَباحاً وَشَفَق

لَوحهُ المَكتوبُ أَرجَت مَحوهُ ... لِتَرى ما خَطَّ مِنهُ وَمَشَق

أَنا مِن خَمرَةِ ثُكلي طافِحٌ ... وَالهَوى مُصطَبحي وَالمُغتَبَق

لا تَلُمني في البُكا لَو كانَ مِن ... صَخرَةٍ صَمّاء قَلبي لَاِنفَلَق

قَد بَكى يَعقوبُ حَتّى اِبيَضَّتا ... حُزناً عَيناهُ بِالدَمعِ الغَدِق

وَشَكا البَثَّ إِلى اللَهِ وَقَد ... وَعَــــدَ اللَهُ بِرَدِّ المُستَرَق

ثُمَّ وَفّاهُ بِرُجعى يوسُفٍ ... وَالأَخُ المَظلوم إِذ قيلَ سَرَق

وَإِذا يَحزنُ مَن يَرجو المُنى ... فَالَّذي اِستَيأَسَ بِالحُزنِ أَحَق

قَطَّعَ الضرّ أَمامي كَبِدي ... وَأَراني قَمَري كَيفَ اِمَّحَق

أَطفَأَ السقمُ بِرُغمي نورهُ ... وَرعـــــافٌ كُـــــلَّمــــا كَــــفَّ دَفَــــق

فَكِلانا في دَم مُشتَحِطٌ ... فَإِذا يرعَفُ أَبكى بِالحُرَق

أَذبــــيــــحٌ أَم جَريحٌ وَجههُ ... فَأَديمُ الحُسنِ مِنهُ مُختَرَق

أَم سَقيمُ عَبث السقم بِهِ ... وَتَلاشى لَحمهُ وَالجلدُ رَق

كــــربُهُ مِــــن كُــــربٍ كانَت بِهِ ... تَترُكُ الأَجفانَ قرحى بِالأَرَق

وَلَقَـــــد كـــــانَ عَــــلى أَوصــــابِهِ ... رُبَّما نامَ ثَلاثاً في نَسَق

وَإِذا اِستَيقَظَ مِن نَومَتِهِ ... زادَتِ الأَوصابُ وَاِشتَدَّ القَلَق

وإِذا ما أعجِبوا مِن نَومِهِ ... قُــــلتُ لا غَــــروَ بِهِ اللَهُ رَفَــــق

كانَ يَشفيني إِذا قَبّلته ... وإِذا اِستَنطقتُ فاهُ فَنَطق

كانَ يَشفيني وَفيهِ رَمَقٌ ... فَمَنِ الشافي وَقَد ماتَ الرَمَق

لَيلَةَ المَوتِ دَعاني فَدَعا ... لي وَقَد قَبَّلَ رَأسي وَاِعتَنَق

وَهوَ يندي عِرقاً من شمَّهُ ... قالَ هذا ماءُ وَردٍ لا عَرَق

وَلَقَــــد مَــــرَّغتُ في مَصرَعِهِ ... وَجَناتي وَاِستَطبتُ المُنتَشَق

لَستُ أَدري ملكُ المَوتِ هُنا ... لِسَنىً أَخمَد أَم مسكاً فَتَق

رَوضَــــةٌ غُــــيِّرَ مِــــن أَزهارِها ... كُــــلُّ قانٍ وَغَضيضٍ وَيقَق

ذَبلُ النِسرينُ وَالوَردُ النَدي ... وَاِستحالَ النَرجسُ الساجي الحَدق

وَغَدا مَنبَتهُ مِمّا زَبى ... وَاِمَّحَت مِنهُ مَحاسينُ الخَلق

فَشَجا إِذ لا الجُفونُ اِنطَبَقَت ... مِنهُ تَغميضاً وَلا فوهُ نَطق

قَلَّصَ التَشنيجُ مِنهُ شَفَة ... عَن شَتيتٍ كُلَّما اِفتَرَّ بَرق

ضاعَفَت حُزني عَلَيهِ ميتَةٌ ... ظَلَّتِ الأَغصانُ مِنها في نَزَق

وَلَقَد أَبقى الرَدى مِن حُسنِهِ ... لمحاً مِثلَ طِرازٍ في خَلَق

لا أَقولُ الطِبُّ أَخطا إِنَّما ... خالَفَ المِقدار فيهِ ما اِتَّفَق

لَم يــــبــــدّل خَــــلق رَبّي أَحَدٌ ... كَذَبَ الشَيطانُ وَاللَهُ صَدق

تَــــمَّ أَمــــرُ اللَهِ وَالحَمدُ لَهُ ... أَخَذَ النُعمى الَّتي كانَ رزق

لَستُ أَلقى الدَهر إِلّا بِالرِضا ... ما جَنى الدَهرُ فَأَلقى بِالحَنق

قَــــتَلَ اللَهُ وَلَو شاءَ شَفى ... فَــــتَــــقَ اللَه وَلَو شــــاءَ رَتَــــق

سلبت أَنفس عِلقٍ راحَتي ... دُرَّةً بَيضاء صيغَت مِن عَلق

لوذعِــــيٌّ كُــــنــــتُ أَرجو كَونَهُ ... خَلفاً مِنّي إِذا المَوتُ طَرق

يا قَتيلاً مُهراقاً دَمُهُ ... وَبِحَدِّ المُنتَضى لَم يُهرق

أَخَّرَتني سَيِّئاتي بَعدَهُ ... وَجَرى لِلخُلدِ قَبلي فَسَبَق

لَيتَ شِعري هَل ترانا نَلتَقي ... في جِنانِ الخُلدِ أَم نَحنُ فرق

فِرقَةٌ فازَت وَأُخرى شَقِيَت ... شِقوَةَ العَبدِ إِذا العَبدُ أَبِق

وَلِأَمـــــرِ اللَهِ أُخـــــرى أرجِــــئَت ... فَهيَ وَقفٌ بَينَ أَمنٌ وَفَرق

خُنتُ مَولايَ وَلَم أَنصَح لَهُ ... لَو سَعى العَبدُ بِنُصحٍ لَعَتَق

يا شَبيهاً وَسَمِيّاً لِأَبي ... كُنتَ بَرّاً بي إِذا غَيرك عَق

كُنتَ فَرعاً طَيِّباً لَو أَنَّهُ ... جاوَزَ العَشرَ بِثنتَينِ بَسق

كُنتَ يا عَبدَ الغنيّ اِبني تُرى ... فَهِماً مِثلي وَلكِن لَم توق

وَتَخَلَّصتَ مِنَ الدُنيا الَّتي ... طَبقاً تركبُ فيها عَن طَبَق

كَيفَ أَصبَحت وَكَيفَ الحالُ يا ... غُصُنُ البانِ وَيا بَدر الغَسَق

هَل تَلَقّاكَ إِذ اِنفَضَّ الوَرى ... فاتَنا القَبرُ بِرِفقٍ وَشَفَق

هَل تَثَبَّتَّ مُجيباً لَهُما ... قــــائِلاً أَشــــهَدُ أَنَّ اللَهَ حَق

وَنَــــبِــــيّــــي أَحــــمَــــدٌ أَرسَــــلَهُ ... بِالهُدى فَاِختارَهُ مِمَّنـ خَلَق

وَإِمامي الذِكرُ وَالكَعبَةُ لي ... قِبلَةٌ هذي عُرى الدينِ مَرَق

وأَبوكَ الحبرُ إِن تَشفَع لَهُ ... يَغفِرُ اللَه خَطاياهُ فَثق

بَــــــــــرَّدَ اللَهُ فُــــــــــؤادي إِنَّهُ ... كُلَّما هاجَتهُ ذِكراكَ اِحتَرَق

وَسَقَت رَحمَتهُ قَبرَكَ ما ... حَنَّتــ الوُرقُ عَلى خُضر الوَرَق

يا أَخا الدُنيا اِعتَبِر هَل لَكَ مِن ... مُلكِها غَير حنوطٍ وَخرق

وَاِنتَظِر مَن لَيسَ يُستَأذنُ في ... رفعِ أَستارٍ وَلا فَتح غَلَق

هَل وَقى مَن في بُروجٍ شُيِّدَت ... أَو منيفٍ مُشمَخِرٍّ أَو نَفَق

حَــــيَــــوانٌ إِن تَــــقَــــضّى أَجَلٌ ... قيلَ هذا ماتَ أَو ذاكَ نَفَق

كَتَبَ اللَهُ عَلى الخَلقِ الرَدى ... فَاِستَوى فيهِ مُلوكٌ وَسوق

أَيُّها الشامِتُ هَل تَأمن مِن ... حدثانِ الدَهرِ نَحساً وَرَهَق

لا تُعَيِّر فَسَواءٌ في الرَدى ... أَنتَ وَالذَرُّ وَعوجُ اِبنِ عَنق

كَم بَصيرٍ ضَلَّ في غَيرِ الدُجى ... وَثَبوتٍ زَلَّ في غَيرِ الزَلَق

خالَفَ الدَهرُ هَواهُ فيهِما ... فَالحَيا أَفناهُ وَاِستَبقى الصَعَق

فَالَّذي صَحَّ لَهُ عَنهُ صَحا ... وَإِذا اِعتَلَّ بِهِ القَلبُ اِعتَلَق

رُبَّ عيرٍ يَتَسَمّى صاهِلاً ... فَإِذا صَوَّتَ قالوا قَد نَهَق

نافَسَ اللَيث وَقَد ميزَ كَما ... ميزَ في دُهمِ المَذاكي ذو البَلَق

بَينَ فكّي غِرارٌ مُحسِنٌ ... ضَربَ ما قصَّر مِنهُ أَو حَلَق

غَيرَ أَنَّ الثكلَ أَوهى جلدي ... وَلِساني كَفَّهُ عَمَّنـــ سَلَق

كَبِدي البَيضاءُ لا مِن عِلَّةٍ ... أَودَعَت كبدي بَياضاً فَذَرَق

ثَقِّلـــ اللهُمَّ ميزاني بِهِ ... وَتَدارك لي فَعَقلي قَد زَهَق

وَأعذ نَفسي مِن وسواسِها ... يا إِلهَ الناسِ يا رَبَّ الفَلَق

حَرَّقَ الثكل جُفوني بِالبُكا ... فَمَتى يَرقَعُ صَبري ما خَرَق

وَلَقَد أَخفَيتُ وَجدي فَخَفى ... وَلَقَد سَكَّنتُ قَلبي فَخَفَق

سَل حَمام الأَيكِ هَل أَبكى الحِمى ... وَبَروق الغَورِ هَل أَبكى البَرق

إِنَّمــــا أَبــــكي لِخَطبٍ جَلَلٍ ... فاقَ عِندي كُلَّ خَطبٍ وَأفق

إِنَّني لَولا مُصابُ اِبني الرِضا ... لَمُطيقٌ كُلَّ عِبءٍ لَم يُطق

لَو تَرى الغيمَ وَقَد أَسعَدَني ... بِالبُكا ساعَةَ أَودى فَوَدَق

مَرَّ لَم يُكتب عَلَيهِ سَيّئٌ ... فَنَجا مِن تَبِعاتٍ وَعَلَق

فازَ مَن ماتَ صَغيراً مِثلَهُ ... لَم يُقَل عَفَّ وَلا قيلَ فَسَق

إِنَّما الوَيلُ لِكَهلٍ أَو فَتىً ... إِن رَنا اِختانَ وَإِن قالَ اِختَلَق

خَفَّ ظَهراً وَثَقُلنا أَظهُراً ... فَتَناهى وَكَبَونا في الطَلَق

أَنا في إِثرِكَ أَجري وَغَداً ... بِكَ يا عَبد الغَنِيِّ المُلتَحَق

شاقَني عرفُ ثَرىً تَحتَلُّهُ ... لَيتَ جَنبي مِنكَ بِالجَنبِ اِلتَصَق

أَسعَدَ اللَهُ بِكَ المَفجوعِ إِن ... ذَنبُهُ أَشقاهُ في اليَوم الأَشَق

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • استجمع: جمع: جَمَعَ الشيءَ عَنْ تَفْرِقة يَجْمَعُه جَمْعاً وجَمَّعَه وأَجْمَعَه فاجتَمع واجْدَمَعَ، وَهِيَ مُضَارَعَةٌ، وَكَذَلِكَ تجمَّع واسْتجمع. وَالْمَجْمُوعُ: الَّذِي جُمع مِنْ هاهنا وهاهنا وإِن لَمْ يُجْعَلْ كَالشَّيْءِ ال … (لسان العرب)
  • النسل: نسل: النَّسْل: الخلْق. والنَّسْل: الْوَلَدُ والذرِّية، وَالْجَمْعُ أَنْسَال، وَكَذَلِكَ النَّسِيلة. وَقَدْ نَسَلَ يَنْسُلُ نَسْلًا وأَنْسَلَ وتَنَاسَلُوا: أَنْسَلَ بعضُهم بَعْضًا. وتَنَاسَلَ بَنُو فُلَانٍ إِذا كَثُرَ أَو … (لسان العرب)
  • بالشرق: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)
  • بالعشق: عشق: العِشْقُ: فَرْطُ الْحُبِّ، وَقِيلَ: هُوَ عُجْب الْمُحِبِّ بِالْمَحْبُوبِ يَكُونُ فِي عَفاف الحُبّ ودَعارته؛ عَشِقَه يَعْشَقُه عِشْقاً وعَشَقاً وتَعَشَّقَهُ، وَقِيلَ: التَّعَشُّقُ، تَكَلُّفُ العِشْقِ، وَقِيلَ: العِشْ … (لسان العرب)
  • بالغرق: غرق: الغَرَقُ: الرُّسُوب فِي الْمَاءِ. وَيُشَبَّهُ الَّذِي رَكِبَهُ الدَّيْن وغمرَتْه البَلايا، يُقَالُ: رَجُلٌ غَرِق وغَريق، وَقَدْ غَرِقَ غَرَقاً وَهُوَ غارِقٌ؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ: فأَصبحُوا فِي الْمَاءِ والخَنادِقِ، … (لسان العرب)
  • بغراب: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة