تنفَّسَ عن وَجْدٍ تَوقَّدَ جمرُهُ
الشاعر: عبد الغفار الأخرس · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر عبد الغفار الأخرس، من العصر الأندلسي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تنفَّسَ عن وَجْدٍ تَوقَّدَ جمرُهُ ... فأجرى مَسيلَ الدَّمع يَنهلُّ قَطرُهُ
وبات يعاني الهَمَّ ليس ببارحٍ ... عــــلى قلبه إقدامه ومكرُّه
تمنّى وما يغني التمنّي مطالباً ... حَــــرِيٌّ بــــه لولا الدَّنــــيَّةُ دهره
ودون أمــــانــــيــــه عــــوائق جمّة ... يضيق لها في المنزل الرحب صدره
تحمَّلــ أعباءُ المتاعب والتقى ... عــــلى غرّة صرف الزمان وغدره
وأشقى بني هذا الزمان أريبه ... وأتعبُ من فيه من النَّاس حرُّه
وربَّ خميص البطن مما يشينه ... ينوءُ بأثقال الأُبوَّة ظهره
له كلّ يوم وقفة بعد وقفة ... يهيجُ جوى أحشائه وتقرّه
يطول مع الأيام فيها عتابه ... ويسهر ليلاً ما تبلّجَ فجره
يشيم سنا برق المطامع وامضاً ... تــــــــألَّقَ إلاَّ إنّه لا يــــــــغــــــــرّه
فأمسى يغضّ الطرف عنه ودونه ... وقوف الفتى يفضي إلى الضّيم أمره
وحالَف مختاراً إلى العزّ نفسه ... إباءً ولم يُؤْخَذْ على الذُّلِّ إصره
بنفسي امرؤ يقسو على الدهر ما قسا ... ولم يتصدَّع في الحوادث صخره
إذا ما رأى المرعى الدنيّ تنوشُه ... يَدُ الرذل يُستحلى مع الهون مرُّه
تناول أفنان الخُصاصة وارتدى ... بفاضل ذيل الفخر يُسْحَبُ طمره
جليد على عُسر الزمان ويُسره ... وما ضَرَّه عًسًر الزمان ويسره
فلا البؤسُ والإقلال مما يسوؤه ... وليس ثراءُ المال مما يسره
لئن تخْلِص الإبريزَ نارٌ تذيبه ... فما نَفْعُه إلاَّ بما قد يضره
فقد أخْلَصَتْ نارُ التجارب سَبكَه ... إلى أنْ صفا من شائب الزُّيف تبرُه
قريبُ مجاني الجود من مستميحه ... بعيدٌ على من سامَهُ الخسفَ غَوْرُه
فلا يأمننَّ الدهرَ مكري فإنَّني ... من القوم لم يؤمن بمن ساء مكره
وما أنا بالمدفوع إن ضيم شرّه ... ولا أنا بالممنوع إن سيمَ خيره
منحتُ الصّبا عذب الموارد في الهوى ... بمبتسم باللؤلؤ الرطب ثغره
قضيتُ به عهد الشباب وعصره ... فهل راجعٌ عهدُ الشباب وعصره
تفتَّحَ نوّار المشيب بلُمَّتي ... وأينعَ في روض الشبيبة زهره
وما فاتني هذا الوقار الَّذي أرى ... إذا فاتني وصل المليح وهجره
صحا والهوى العذريُّ باقٍ خماره ... بنشوانَ من خمر الصبابة سكره
معذّبتي من غير جُرم يلومها ... وأعــــذبُ شــــيءٍ في هواكِ أمَرُّه
أرابك منِّيــ أنْ أقمتُ بموطن ... تجوعُ ضواريه وتشبع حمره
وكيف أخاف الفقر أو أُحْرَم الغنى ... وهذا ندى عبد الغنيّ ووفره
فلا زال موصولاً من الله لطفه ... إليَّ ومسبولاً من الله ستره
بأبلج وضاح الجبين أغرّه ... فــــلله وضّــــاح الجــــبــــين أغرّه
كما لم يزل منِّيـ عليه ولم يَزلْ ... ثنائي على طول الزمان وبرّه
كفاني مهمّات الأمور جميعها ... فما سرَّني أن ساءني الدهر غيره
وما بات إلاَّ وهو في الخطب كالئي ... بطرف يريع الدهر إذ ذاك شزره
وما لامرئٍ عندي جميلاً أعدُّه ... وكيف وقد غطّى على البحر نهره
وإنَّ الجميل المحضَ معنىً وصورةً ... خلائقه بين الأنام وذكره
حياة جميل الصنع فيها حياته ... وعمر المعالي والأبوّة عمره
حياض العطاء المستفاض أكفُّه ... ومن فيضها جزل العطاء وغمره
يمينٌ كصوب المزن يهرق جودها ... ووجه كروض الحزن قد راق بشره
دعاه إلى المعروف من نفسه لها ... وتـــــلك ســـــجــــايــــاه وذلك طــــوره
أدَرَّتْ له أخـــــلاف كُـــــلِّ حَـــــلوبَـــــةٍ ... من المجد حتَّى قيل لله دَرُّه
تنصّل هذا الدهر من ذنبه به ... فلا تعتبنّ اللَّيل والصبح عذره
فما ذنبه من بعد ذلك ذنبه ... ولا وزره مــــــن بـــــعـــــد ذلك وزره
ولي منه ما أهدي لديه وأبتغي ... ومنِّيــ له المدح الَّذي طاب نشره
فيا قمراً في أُفق كلّ أبيّةٍ ... سريع إلى المعروف والبرّ سيره
فداؤك نفسي والمناجيب كلّها ... ومن سرَّه في النَّاس أنَّكــ فخره
أفي النَّاس إلاَّ أنتَ من عَمَّ خيرُه ... بيوم على الدنيا تطايَرَ شرّه
وما غيرك المدعوُّ إن شبَّ جمرها ... وأنشبَ نابُ الخطب فينا وظفره
قواضٍ على صرف الحوادث بيضه ... مواضٍ لعمري في الكريهة سمره
إذا ما غزا معروفه النكر مَرَّةً ... فــــلله مــــغزاه وبالله نصره
تدفَّقـــ في حوض المكارم جوده ... وحَلَّق في جَوٍّ من الفخر صقره
فهل يَعْلَمَنَّ المجدُ أنَّكـ فخره ... وهل يعْلَمنَّ الجود أنَّكــ بحره
ومستعصم بالعزِّ منك وثوقه ... إليك إذا هاب الدنايا مفره
وما خَفَيت حال عليك ظهورها ... وكيف وسرُّ العَبد عندك جهره
فلا تحسبنِّيـ من ثراك مملّقاً ... ورُبَّ غــــنيٍّ ليس يبرح فقره
وليس فقيراً من رآك له غنىً ... ولا آيساً مَن أنتَ ما عاش ذخره
فشكراً لأيديك الَّتي قد تتابعت ... إليَّ بما يستوجب الحمد شكره
ولو نظم الجوزاء فيك لما وفى ... بها نظمه المُثني عليك ونثره
وما يملأ الأقطار إلاَّ ثناؤه ... ويعذُب إلاَّ في مديحك شعره
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البطن: بطن: البَطْنُ مِنَ الإِنسان وسائِر الْحَيَوَانِ: معروفٌ خِلَافَ الظَّهْر، مذكَّر، وَحَكَى أَبو عُبَيْدَةَ أَن تأْنيثه لغةٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شاهدُ التَّذْكِيرِ فِيهِ قولُ ميّةَ بنتِ ضِرار: يَطْوي، إذا مَا الشُّحُّ أ … (لسان العرب)
- التمني: تمن: تَيْمَن: اسمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ: سَمَوْتُ لَهُ بالرَّكْبِ، حَتَّى وجَدْتُه ... بتَيْمَنَ يَبْكِيه الحمامُ المُغَرِّدُ وترَكَ صَرْفَهُ لَمَّا عَنَى بِهِ البُقْعة. وَفِي حَدِيثِ سالمٍ سَبَلانَ ق … (لسان العرب)
- الرحب: رحب: الرُّحْبُ، بِالضَّمِّ: السَّعةُ. رَحُبَ الشيءُ رُحْباً ورَحابةً، فَهُوَ رَحْبٌ ورَحِيبٌ ورُحابٌ، وأَرْحَبَ: اتَّسَعَ. وأَرْحَبْتُ الشيءَ: وسَّعْتُه. قَالَ الحَجّاجُ، حِينَ قَتَلَ ابْنَ القِرِّيَّة: أَرْحِبْ يَا غُلا … (لسان العرب)
- المتاعب: تعب: التَّعَبُ: شدَّةُ العَناءِ ضِدُّ الراحةِ. تَعِبَ يَتْعَبُ تَعَباً، فَهُوَ تَعِبٌ: أَعْيا. وأَتْعَبه غيرُه، فَهُوَ تَعِبٌ ومُتْعَبٌ، وَلَا تَقُلْ مَتْعُوبٌ. وأَتْعَبَ فلان فِي عَمَلٍ يُمارِسُه إِذَا أَنْصَبَها فِيمَا … (لسان العرب)
- ببارح: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- تنفس: نفس: النَّفْس: الرُّوحُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذَا الكتاب، قال أَبو إِسحق: النَّفْس فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَجْرِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحدهما قَوْلُكَ خَرَجَتْ نَفْس فُلَانٍ أَي رُو … (لسان العرب)
- خميص: خمص: الخَمْصانُ والخُمْصانُ: الجائعُ الضامرُ البطنِ، والأُنثى خَمْصانةٌ وخُمْصانةٌ، وجَمْعُها خِمَاصٌ، وَلَمْ يَجْمَعُوهُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ، وإِن دخلَت الهاءُ فِي مُؤَنَّثِهِ، حَمْلًا لَهُ عَلَى فَعْلان الَّذِي أُنثا … (لسان العرب)