خيال تهادى والجفون سَواهدُ
الشاعر: حسن حسني الطويراني · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر حسن حسني الطويراني، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
خيال تهادى والجفون سَواهدُ ... وقد بعد المرمى وبان المعاهدُ
فقلت وبي وجدٌ وقَلبي واجدُ ... سقى طللاً حلت سليمى معاهدُ
وحيّاه من دَمعي مذابٌ وجامدُ ... ولا زال فيه للأماني تجمُّعُ
ولا غاله من دهر مما يروعُ ... ولا زال محفوظَ الحمى لا يصدعُ
فواد به حلت مصيفٌ ومربعُ ... وأرضٌ نأت عنها قفارٌ جلامدُ
فجمعٌ توافيه بعيدُ التبددِ ... وصبٌّ تصافيه هنيءُ التوددِ
وناد تدانيه إلى الصفو يهتدي ... وحيث ثوت أرضاً فأعذبُ موردِ
ولو كُدّرت يوماً عَليَّ المَواردُ ... لقد كانَ لي أُنسٌ تدانَت قطوفُه
ويومٌ كما يَرضى ظَليلٌ وريفُهُ ... وليلٌ كما نهوى تراخت سجوفُهُ
رعى اللَه دَهراً سالمتني صُروفُهُ ... وأمست لياليه بسلمى تساعدُ
غنمناه صفواً مثلما يحكم الأملْ ... ونلناه لَهواً قدرته يد الأَزلْ
فلم أدر ما قال العذول ومن عذلْ ... وقد غفل الواشون عني ولم أزلْ
ويقظانُ طرفِ البينِ عنيَ راقدُ ... أباكرُ وردَ الأنس والعمرُ ناضرُ
وآتى الهوى طوعاً ودهري ناصرُ ... فليلاتنا بالوصل غرٌّ سوافرُ
وأيامنا بالقرب بيضٌ أزاهرُ ... وأوقاتنا بالأنس خضرٌ أمالدُ
وكنّا إذا ما قيل من غَنَم المنى ... ومن نال أيامَ المسرة والهَنا
يشار آلينا بالبنان تفنُّنا ... وأرواحنا ممزوجةٌ وقلوبنا
ونحن كأنا في الحقيقة واحدُ ... فكم كان من يوم عزيزٍ وليلةٍ
توالت بما نرجوه من طيب وصلةٍ ... وكم كان من عيش هنيٍّ وعزةٍ
وكم قد مرحنا في مروجِ صبابةٍ ... ولم يطرد فينا من البعد طاردُ
فللّه من دار عفتها يدُ النوى ... لقد نالَ منها القلبُ أَطيبَ ما نَوى
قضينا بها حقَّ الصبابة والجوى ... نجرُّ ذيولَ اللهو في قصص الهوى
تلوح علينا للغرام الشواهدُ ... ونلنا الهنا ما بين قلبٍ وناظرِ
أمانٍ بأيدينا مدارُ الدوائرِ ... فما كنت أخشى أن يذلل ناصري
ولم يخطر التفريق منهم بخاطري ... ولم نحسب الأيام فينا تعاندُ
لعمري لئن شطت بنا غربةُ النَوى ... ومرّوا وأبقوني عَلى الوجد والجَوى
فإني على عَهدي بمنعرج اللوى ... فهل أَنتِ يا سلمى وقد بعُدَ الهَوى
كما كُنتِ لي أَم حاد بالقلب حائدُ ... وذي مهجتي الحرّا وعيني تفجّرتْ
لطول انسكابٍ من دُموع تحدّرتْ ... فهل صفوةُ المحيا بهذا تكدرتْ
وهل ودّنا باقٍ وإلا تغيرتْ ... على عادة الأيام منك العَوائدُ
وقد كانَ لي عهدٌ تضمّن لي المُنى ... بأنك لا تنسين ما مرّ بَيننا
فهل ضاع ذاكَ الود إذ حُلَّ جَمعُنا ... وهل محيت آثارُ رَسم حديثنا
وأنساك حفظَ الود هذا التباعدُ ... على أَن قلبي لم يَزل في وَحي الجَوى
وفيك شجونٌ ما تَرامت بها النَوى ... فهل تحفظين العهدَ من ذلك الهَوى
وَهل تذكرين العهدَ اذ نَحنُ بِاللَوى ... وقولَك لا عاش الخؤونُ المعاهدُ
وَهل بت ليلاً بت والطرفُ ياقظُ ... أراقب طيفاً أَو خيالاً ألاحظُ
وَهَل وَدّنا باقٍ لمن لام غائظُ ... وَهَل أَنتِ ضيّعت الَّذي أَنا حافظُ
وهل أَنت أحللت الَّذي أَنا عاقدُ ... ويا لَيت شعري ما تقولين في الوَفا
وماذا الَّذي تجزين صبا بما وَفى ... فهل كدرت أَيامنا عهد ما صفا
وهل بُدّلت منك المودةُ بالجفا ... وفيك يقيني بالوفا منك شاهدُ
أديمي ودادي ما عليك من النَوى ... وخلّي فؤاداً كَم بنار الجَوى اكتوى
فإني كما تدرين صبٌّ عَلى جَوى ... وإنيَ ما بدلت عهدَك في الهَوى
ولا اختلفت فيما علمت العَوائدُ ... متى ذكرت نفسي لقربك لذةً
أهيم ولا أبدي لغيري شكيةً ... فواللَه ما استعوضت في الحُب طَلعةً
ولا بت مسروراً وعيشِكِ ليلةً ... فكيف سلوّي والفؤاد المساعدُ
غرامي غريبٌ لَستُ أَحسنُ وَصفَهُ ... ودَهري ظلوم كيف أدفع صرفَهُ
وها كُلُّ ما أَلقاه تدرين كيفَهُ ... فإن كنت حبل الود أصرمت طرفَهُ
فودي طريفٌ في هَواك وتالدُ ... أَبثُّكـ ما أَلقى من الشَوق والجَوى
وأشكو لو أَني أُحسنُ الوصفَ لِلهَوى ... فإن قيل إنّ الصب عَن حُبِّهـ غَوى
وإن قلت إنَّ الحُب غيَّره النَوى ... لعمري لوجدي في الحشاشة واقدُ
سلي معشر العُشاق إن لم تصادقي ... وقولي لَهُم من ذاكَ في الناس وامقي
فقد علموا ما بي وَيَعلمُ خالقي ... وإن أَوردوا يوماً صَبابةَ عاشق
فبي يضرب الأمثال من هو واردُ ... وَكَم ليَ فيكم حَسرةٌ وَتلهُّفُ
وحال به بين المحبين أُعرفُ ... فشاني هَواني وهوَ في الحُب أشرفُ
فما شئتِ كَوني إنني بكِ مُدنَفُ ... صَبورٌ على البَلوى شَكورٌ وَحامدُ
وإِني وإن لم أَلقَ من ودِّك الصَفا ... فديني لمن عاهدته الصدقُ والوَفا
وَقَد عَودت نَفسي احتمالي لمن جَفا ... وَعَنك تساوى عِنديَ الوَصلُ والجَفا
وفيك لقد هانَت عَلى الشدائدُ ... وهِمت فولّت في هَواك شَبيبتي
وهان احتمالي في الهَوى كُلُّ شدةِ ... وَقَد صارَ هذا الحُب فرضي وسنتي
فَلو رُمت ألوي عن هَواك أعنتي ... لقاد ذمامي نحو حبك قائدُ
فَكيفَ أَراكِ تجهلينَ صبابَتي ... وهذي شؤوني في شجوني وحالَتي
وأَنتِ الَّتي أَسلمتِني لغوايتي ... نصبتِ شراكَ الحُب صدتِ حشاشَتي
فكيف خلاصي وَالهَوى منك صائدُ ... لَقَد كُنتِ لي عَوناً عَلى الحُبِّ والجَوى
وَكُنا كَما نَهوى عَلى القُرب والنَوى ... أَمن بعد ما مرّ الزَمان بما لَوى
بعدت وَقُلت البعد يُنسي أَخا الهَوى ... وَهل يُسلي ذا الأشجانَ هذا التباعدُ
غدرتِ عصاميَّ الغرامِ أَمينَه ... حليفَ الجَوى صبَّ الفؤاد حزينَه
وما زال هذا الحُب والشَوق دينَه ... وما غَير التَفريق ما تَعهدينَه
وسوق سُلوّي في المحبين كاسدُ ... دَعيني لما أَلقى تريني مُتيّما
عَلى رغمه جار النَوى مذ تحكّما ... فغاية ما يرجو خيالاً مُسلِّما
وَجلُّ مناه القُربُ منك وإنما ... إذا عظُم المطلوب قُلَّ المساعدُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- التبدد: بدد: التَّبْدِيدُ: التَّفْرِيقُ؛ يُقَالُ: شَملٌ مُبَدَّد. وبَدَّد الشيءَ فتَبَدَّدَ: فَرَّقَهُ فَتَفَرَّقَ. وَتَبَدَّدَ الْقَوْمُ إِذا تَفَرَّقُوا. وَتَبَدَّدَ الشيءُ: تَفَرَّقَ. وبَدَّه يَبُدُّه بَدًّا: فَرَّقَهُ. وجاءَ … (لسان العرب)
- التودد: ودد: الودُّ: مَصْدَرُ المودَّة. ابْنُ سِيدَهْ: الودُّ الحُبُّ يَكُونُ فِي جَمِيعِ مَداخِل الخَيْر؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ. ووَدِدْتُ الشيءَ أَوَدُّ، وَهُوَ مِنَ الأُمْنِيَّة؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا أَفضل الْكَلَامِ؛ وَقَالَ … (لسان العرب)
- الصفو: (صَفَوَ) الصَّادُ وَالْفَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خُلُوصٍ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ. مِنْ ذَلِكَ الصَّفَاءُ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَدَرِ ؛ يُقَالُ: صَفَا يَصْفُو، إِذَا خَلَصَ. يُقَالُ: لَكَ صَفْوُ هَ … (مقاييس اللغة)
- المعاهد: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- تدانيه: (دَنَى) الدَّالُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يُقَاسُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْمُقَارَبَةُ. وَمِنْ ذَلِكَ الدَّنِيُّ، وَهُوَ الْقَرِيبُ، مِنْ دَنَا يَدْنُو. وَسُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّه … (مقاييس اللغة)
- توافيه: وفي: الوفاءُ: ضد الغَدْر، يقال: وَفَى بعهده وأَوْفَى بمعنى؛ قال ابن بري: وقد جمعهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ في بيت واحد في قوله: أَمَّا ابن طَوْقٍ فقد أَوْفَى بِذِمَّتِه كما وَفَى بِقلاصِ النَّجْمِ حادِيها وَفَى يَفِي وَفاءً … (لسان العرب)