ذُكِرَ الغَضا فَتلهب الأَحشاءُ
الشاعر: حسن حسني الطويراني · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر حسن حسني الطويراني، من العصر الحديث، وتقع في 99 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ذُكِرَ الغَضا فَتلهب الأَحشاءُ ... وَبَكى العَقيقُ وَما يَحير بُكاءُ
غَنّى بترداد الحنين فَهامت ال ... ورقاء حيث بَكَت لَهُ العَيناءُ
هاج الهَوى مِنهُ فؤاداً شيقاً ... لَما تبدى لِلخَيال شظاء
صحب الجُنون جَوىً وَفارق عَقله ... في حيرة راحَت بِهِ الرَوحاء
وَثَوى الأَسى في صَدره فَأَباده ... مَيتاً وَما رقّت لَهُ الأَحياء
وَلَوى بِهِ سَفح اللَوى عَن سَلوةٍ ... وَأَبى عَلَيهِ إباءه الإبواء
وَعَلى شُؤون الجزع أَضحى جازعاً ... إِذ جرّعته شُؤونَه الجَرعاء
متطلع يَهوَى بدور طويلع ... قَد تيمته بشوقها تَيماء
وَلَكَم يُعالج لاعجاً مِن عالج ... وَجــــواه حَــــيثُ أَحبة وَجَواء
أَمسى بكاظمة الفُؤاد وَأَصبَحَت ... تِلكَ القباب يَصونهن قباء
تِلكَ المَعاهد وَالرُسوم حدودها ... في القَلب فهوَ مَع الفِناء فِناء
فَتوقد الشفقُ الوَضوحُ بِناره ... وَتسربلت بهمومه الزَرقاء
عجبت تَصاريف الرِياح لفكره ... وازّينت بدموعه الغَبراء
مُذ أَوحشته آنساتُ الإنس كَم ... أَنست بِهِ الآجام وَالفَيفاء
حزنت صعابُ سهولها لهيامه ... وَتزعزعت أَجبالها الشماء
تتصرف الأَكدار في أَفكاره ... إِن لاحَ في لَوح الضَمير صَفاء
وَتُجزِّئُ الأَحزانُ جَوهرَ عَقله ... مَهــــمــــا تُــــعــــارضُ رَأيَه الآراء
وَتخاله ذا جِنَّةـــ مِما جَرى ... وَلربما خضعت لَهُ العقلاء
وَيبين بَين تَجاهل وَتجهُّل ... عرفت بِهِ حَق الهَوى العرفاء
لِلّه أَيُّ هَوى تَجمَّعــ في حَشىً ... مُتفرقٍ وَلَهُ الهيام ثَواء
يُطرَى وَيَطرَبُ وَحدَه في وَجده ... فَيروعه الإِطراب وَالإِطراء
وَلطالما أَلهاه عَن مَولاه مِن ... هَــــذا الوُجــــود وَأَهــــله أَهــــواء
وَلطالما أَغرى بنور جَبينه ... صبحٌ وَخبعجت السَرى لَيلاء
كَم فرّ مِن أَلم الفراق إِلى اللقا ... فَإِذا الَّذي اجتلب الفراق لقاء
وَلَقد كَفته تجاربٌ في طيها ... عبرٌ تحذِّر ما دَهى الإِغراء
يا قَلب كم هَذا التَقلب في الهَوى ... أَتعبت نَفسك وَالجَميع عَناء
هَل في الأَنام مِن الأَمان حَقيقة ... أَو في الوُجود عَلى الوَفا أَمناء
إِن الَّذي تَرجوه مِن هَذا المُنى ... قَد رَدَّ عَنهُ قَبلنا القدماء
ما الود إلا عارضٌ يَفنى وَإِن ... بَقيت جَواهر فَهيَ طينٌ ماء
فَإليك عَمّا أَنتَ فيهِ حالم ... فَالناس عَن ذَنب الوَفا بُرآء
إِن الأَنام وَإِن رَأَيت جسومهم ... إنساً فَإِن قُلوبهم حرباء
لَم يَصف قَلب فيهِ طَبع تَقلّب ... إِلا وَذاك لغـــــــدره إِيـــــــمــــــاء
فَدَع النَديم وَما دَعا مِن أُنسه ... إِن النَدامة ما يَرى الندماء
وَاخلع إِذاً ثَوب الخَلاعة وَاتّئد ... فَلربما هانَت بِها العظماء
وَاختر مرير الصَبر عَن حُلو الهَوى ... فَــــالحُــــلو داء وَالمَرير دَواء
وَانظر سِواك كَما يَراك فللفتى ... بِالنَفس عَن كُل الوَرى استغناء
وَالبس مَع التَقوى العفاف تجملاً ... إِن التقى بَعد العَفاف بَهاء
لا تَشتغل بِالغَير عَنكَ فَربما ... تَــــتَقلب الأَدوار وَالخلصاء
لا يذهلنك مقبل أَو مدبر ... فَحقيقة العَيش النَضير فَناء
إِن اللَيالي إِن تسالم معشراً ... تــــؤذن بــــحربٍ صرفُها عَدّاء
وَالدَهر إن يُسألْ يجبْ عَن كُنه ما ... لَقيَ الرِجالُ وَجرّب النبهاء
فاقرأ عَلى الدُنيا دروسَ تجارب ... أَبقى الحَكيم وَصنف الأُدباء
فَاليَومُ يَكتبُ وَالعُصور صَحائفٌ ... وَالعُمر يَنشرُ وَالنُهى قرّاء
ما خَلف الآباء فيهِ سيرةً ... إِلا ليــــدرك سرها الأَبناء
فَارض النَصيح وَلِنْ لتغنم نَصحه ... فَبِلينها تَتقوّم العَوجاء
وَاصحب رِجال الحَق تبلغْ ما تَشا ... فَبجمعها تَتَجسم الأَجزاء
لم تَرض عَنكَ الناس أَجمع إِنَّما ... فَلترض عَنكَ السادة الحُنفاء
وَاربأ بنفسك إِن أَردت سَلامة ... فَلَقَد بَدا خافٍ وَزال غِطاء
وَالجأ لأعتاب النَبي المُصطَفى ... فَهوَ الرَجاء إِذا اِستَحال رَجاء
وَانزل بِها حُصناً حَصيناً يُرتَجى ... إِن همهَمت بجيوشها الأَرزاء
وَاقصد بِهِ طوداً عَليّاً وَاعتصم ... إِن أَرسلت طوفانَها الدهياء
وَالزم بِهِ رُكناً شَديداً تَتَقي ... بِجنابه إِن عَمَّتــ الأَسواء
فَهوَ الَّذي تُرجَى هدايةُ نُوره ... إِن تكفهرَّ بجُونها الدَهماء
وَهوَ الَّذي تَأتَمُّ ساحتَه إِذا ... ضاقَت بِكَ الساحات وَالأَرجاء
إِن الَّذي سمك السماء أَقامه ... باب العياذ إِذا دَهت لأواء
أَحيى بِهِ مَيتَ القُلوب فَأَبصرت ... نَهجَ النَجاة الأَعيُنُ العَمياء
شِيدت بِهِ أَعلامُ أَبيات الهُدى ... فَأَقامَها وَرَمى الضَلالَ عَفاء
فَتيقظت بخطابه أَفهامُنا ... مِن بَعد ما أَودى بِها الإغفاء
بِجَوامع الكلم الكِرام وَما تَلا ... خضعَ الفَصيحُ وَأذعنَ البلغاء
كَم أَعجَمَ العربيْ الفَصيحُ بَلاغةً ... وَأَتَت إِلَيهِ فَأَفصَحَت عَجماء
كَم محنة سَوداء جلّى ليلها ... فَأَزالها وَلَهُ اليد البَيضاء
خمدت بِهِ نارُ المجوس لِأَنَّها ... سطعت لَها بقدومه الأَضواء
وَتــــزلزل الإيــــوان يعلن أَنَّهُ ... ســــــيُــــــظــــــلُّه عــــــلَمٌ لهُ وَلواء
وَاسأل بني سعد عَن الأَمر الَّذي ... شَهدت بِما شهدت لَهُ البَيداء
وَتنزّل القرآن في الغار الَّذي ... آوى فــــشُــــرِّفَ واستقل حراء
وَلكَم حباه معجزاتٍ آيةً ... من ضمنها المعراج وَالإِسراء
أَسفاً لِمَن آذاه أَقربُ قومِه ... فَتقربت لَولائه البُعَداء
هم حكَّموه قَبل بعثته فَما ... أَغراهم إِذ حَقَّتـــ الأَنباء
كَتبوا القَطيعة في الصحيفة بَينَهُم ... فَـــــإِذا بِهـــــا مــــجــــلوَّةٌ وَضّــــاء
عَجَباً لجَزْع الجِذْع عِندَ فراقه ... أَيحنّ نبتٌ وَالقُلوب جفاء
جحد الطغاة حُقوق مَولاهم وَكَم ... قَد سبّحت في كَفه الحَصباء
همّوا فَهاجرَ ثم طابَت طيبة ... وَتَأيد المَنصور وَالنصراء
وَليـــــومِ بَـــــدرٍ أَيُّ فَــــخــــرٍ دائمٍ ... حَيث التظت بِأُوارها الهيجاء
نَزلت مَلائكة السَماء تحفُّه ... فَكأنما تِلكَ الدِيار سَماء
ذلت لعـــــزة ديـــــنـــــه أَعـــــداؤه ... وَتصاغرت لجلاله الكبراء
إِن عُلِّمَ الأَسماءَ آدمَ قبلها ... فهوَ الَّذي عُلِمت بِهِ الأَسماء
أَبــــدى وَأَيَّد كُــــل حَــــق غــــامــــض ... فتوضح الحسناء وَالشنعاء
علمت بهِ الجهلاء سرَّ وجودها ... وَتحققت بعلومه العلماء
وَهدى الأَنامَ فجمعت أَشتاتهم ... وَعَلى اليَقين تحبب الأَعداء
جمع المفرّقَ عدلُه وَلطالما ... قَد فرّقت بِالباطل الحُلَفاء
ضحك اليقين على بكاء الشك إِذ ... عز الحَليم وَذلت السفهاء
دانَت لدين اللَه وَهوَ نبيه ال ... دنيا وَساد المعشرُ النجباء
وَلكَم مخالفةُ القُلوب تَألفت ... بِالحَق إِذ شمل الجَميع إِخاء
وَضع الموازينَ الحقيقةَ بيننا ... بِالقَسط وهيَ الشرعة الغَراء
يا قبلة الحاجات إِني مُقبلٌ ... بكَ مُستَجير وَالخَصيم قَضاء
سمعاً رَسولَ اللَه دَعوةَ ضارعٍ ... يدنيه مِنكَ تذللٌ وَنِداء
حرِّر عُبيدَك من متَاعب أَسره ... بيد الهَوى فإلى مَتى وَيساء
كُن عونه في ضيق صَدرٍ غاله ... فَالمَوت فيهِ وَالحَياة سَواء
وَاصفح بعفوك عن ذُنوب طالما ... بأقلها غلب النَعيم شَقاء
فَلئن مَضى ما قَد مَضى لسبيله ... وَعــــــدت وَعَــــــدَّت شـــــدةٌ وَرخـــــاء
فَلَقد صحوت كما ثملت وَقد بَدا ... كنه الخفي فَما هناك مراء
وَلَقد رَجعت إِلَيك أَرجو بعدَ ما ... حققت أَن كل الوُجود هباء
فاقبَل بحقك مُقبلاً بذنوبه ... فلمثل جاهك يَرجع الضعفاء
ضيعت عمري في سِواك جهالة ... وَلبئسما يتحمّل الجهلاء
لكنني سَأبيد ذلك جفوة ... تمحو الهُموم فتَثبُتُ السراء
وَأَقول حسبي مدح طَه المُصطَفى ... نَصراً إِذا ما ذلت النصراء
عجباً لمثلي كَيفَ يمدح سيداً ... وَصفاته لم يحوها إحصاء
إِن الذي جاء الكِتاب بمدحه ... هيهات تُحسن مدحَه الشعراء
صلى عَليهِ اللَه ما سرَتِ الصبا ... وَترنمت في عُودها الورقاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- الروحاء: رحا: الرَّحا: معروفةٌ، وَتَثْنِيَتُهَا رَحَوانِ، والياءُ أَعْلى. ورَحَوْتُ الرَّحا: عَمِلْتُها، ورحي رَحَيْتُ أَكثرُ، وَقَالَ فِي الْمُعْتَلِّ بالياء: رحي الرَّحَى الحَجَر الْعَظِيمُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الرَّحَا عِنْد … (لسان العرب)
- العيناء: عنا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: عَنَتِ الْوُجُوهُ نَصِبَتْ لَهُ وعَمِلتْ لَهُ، وَذُكِرَ أَيضاً أَنه وضْعُ المُسْلِمِ يَدَيْه وجَبْهَته وركْبَتَيْه إِذا سَجَد ورَ … (لسان العرب)
- بترداد: ردد: الرَّدُّ: صَرْفُ الشَّيْءِ ورَجْعُه. والرَّدُّ: مَصْدَرُ رَدَدْتَ الشَّيْءَ. ورَدَّهُ عَنْ وَجْهِهِ يَرُدُّه رَدّاً ومَرَدّاً وتَرْداداً: صَرَفَهُ، وَهُوَ بِنَاءٌ لِلتَّكْثِيرِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: قَالَ سِيبَوَيْه … (لسان العرب)
- جرعته: جرع: جَرِعَ الماءَ وجَرَعه يَجْرَعُه جَرْعاً، وأَنكر الأَصمعي جَرَعْت، بِالْفَتْحِ، واجْتَرَعَه وتَجَرَّعَه: بَلِعَه. وَقِيلَ: إِذا تَابَعَ الجَرْع مَرَّةً بَعْدَ أُخرى كالمُتكارِه قِيلَ: تَجَرَّعَه، قَالَ اللَّهُ عزَّ و … (لسان العرب)
- سفح: سفح: السَّفْحُ: عُرْضُ الْجَبَلِ حَيْثُ يَسْفَحُ فِيهِ الماءُ، وَهُوَ عُرْضُه المضطجِعُ؛ وَقِيلَ: السَّفْح أَصل الْجَبَلِ؛ وَقِيلَ: هُوَ الْحَضِيضُ الأَسفل، وَالْجَمْعُ سُفوح؛ والسُّفوحُ أَيضاً: الصُّخُورُ اللَّيِّنَةُ ا … (لسان العرب)