يــا ليــلةً ليـسـت مـن الزمـان
الشاعر: عباس محمود العقاد · البحر: المتدارك
هذه القصيدة من شعر عباس محمود العقاد، من العصر الحديث، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يــا ليــلةً ليـسـت مـن الزمـان — جــاءت مــن الربـيـع فـي إبّـان
يــمـمـت فـيـهـا وجـهـة الخـزان — فـي زمـرة مـن صـفـوة الفـتيان
عـــلى نـــواج ضــمّــرِ الأركــان — خـفـيـفـة الخـطـو على الكثبان
مــعــوّداتٍ صــحــبــة الإنــســان — قـد تـفـهـم القول عن الركبان
مـا عـجـلتْ فـي سـاعـة التواني — ولا ونــت بـالراكـب العـجـلان
فـالحـذق أغـنـاها عن الأرسان — ...
والبـدر قـد ضـاءت له عـيـنـان — إلى الوهــاد الفـيـح تـرنـوان
يــعــلّهــا بــنــوره الروحـانـي — فـاعـجـب له قـد آب في الأوان
أمــعــجــب يــا بـدر بـالمـكـان — أم مــغـرم يـا بـدر بـالسـكـان
أم أنــت غـيـر مـطـلق العـنـان — ورب نــجــم فــي الســمـاء عـان
مــقــيــد ولم يــكـن بـالجـانـي — لكــنــهــا شــريــعــة الأكــوان
فــارجــع لنـا يـا بـدر كـل آن — أســرِ عـلى الخـراب والعـمـران
عـلى المـوامـي وعـلى الجـنـان — عــلى القـبـور وعـلى الأفـدان
عـلى الأعـادي وعـلى الإخـوان — عــلى ذوي المــخــلب والبـنـان
فــنــحــن فـي ظـلك كـالضـيـفـان — وإن ظـــــلّ هـــــذه القــــنــــان
أثـبـت منا في الوجود الفاني — يــا مــن بــه يــتــصـل الضـدان
ما الأرض في عالمك النوراني — إلا مــهــاد شــاســع الجــدران
مـشـتـبـه العـنـوان بـالعـنوان — لكـنـهـا فـانـظـر مـن الأدانـي
شــتــى ديــار جــمــة القــطّــان — كــلُّ تــزيــليــن بــهـا خـصـمـان
هـا أنـتـذا فـي جيرة الذؤبان — كالواغل الساطي بلا استئذان
أمـا تـراهـا وهـي في الغيران — حـــاردةً تـــنــقــل عــن حــردان
كــأنــهــا قــالت بــتــرجــمــان — لا مـرحـبـاً يـا أشأم الجيران
إنـا اقـتـسـمـنـا شقى الأوطان — فـالأرض فـيـمـا بـيـننا نصفان
لنـــا كـــهـــوف ولكـــم مــغــان — تــالله إن خــطــرة الإنــســان
بـيـن الجـبـال الشم والعقبان — فــي ليــلة هــاجـعـة الأجـفـان
أبـلغ فـي البغي وفي الطغيان — مـن خـطـرة الضـبـاع والسـرحان
فـي وضـح الصـبـيـحـة الضـحـيان — بـيـن المروج الخضر والبلدان
قــلت وهــل يـفـهـم عـن لسـانـي — مـا بـيـنـنا يا ذئب من أضغان
فــاذهــب إلى وردك فــي أمــان — لا يـحـرم المـاء عـلى عـطـشان
فــمــر يـعـدو كـاشـر الأسـنـان — وهــو يــنــاديـنـا ولا يـدانـي
حــتــى وردنــا أول البــنـيـان — عــــلى دويّ هــــائل مــــرنــــان
مـــوّار مـــاء ثـــائر الدخـــان — كـالنـقع قد ثار على الفرسان
مــصــطــفــةً فـي حـلبـة الرهـان — قــد غــلب الصـوتُ عـلى الآذان
فـبـات أدنـى الهـمـس كـالآذان — مــســتــويــيــن ليــس يُـسـمـعـان
وشــرّد النــوم عــلى الجــنّــان — فـــرددت صـــداه فــي الرّعــان
وتــحـسـب المـاء مـن النـيـران — مــنــدلعــاً يــقــذف بــالصّــوان
طــرائفـاً فـي الأرض ذا ألوان — كـالليـث أحـيـانـا وكـالثعبان
مــنــدفــقــاً مــنـحـسـراً فـي آن — مــرتــفــعــاً مــنــحــدراً سـيـان
مـلتـئمـا مـنـشـعـب الثـغـبـان — يـبـيـض كـالمـحـض مـن الألبـان
مــجــذذ الرغــو عــلى الصُّمــّان — قـد شـنـهـا فـي تـلكم القيعان
شـعـواء تـغـري القرم بالطعان — وتـحـفـز الخـيـل إلى المـيدان
وتــجــعـل الراضـي كـالغـضـبـان — وتـبـعـث النـخـوة فـي الجـبـان
قـامـت عـليـهـا أعـين الشهبان — وأرؤس الجـــبـــال تـــشـــهــدان
وكــم لهــذا المـاء مـن مـعـان — فـي قـوة البـطـش وفـي الليـان
وفـي اخـتلاف الشكل والجثمان — كـــأنـــه يــلبــس ثــوب الجــان
فـصـاعـد فـي الجـو كـالعـقـبان — وســارب فــي مــزحــف الديــدان
وغـائص فـي الأرض كـالشـيـطـان — ولاعــبُ الأمــواج كــالحـمـلان
وطـائر البـخـار فـي الأعـنـان — كـالنـفـس الخـافـي عـن العيان
وفــيــه مــن أمــن ومـن عـدوان — فــهــو قـوام الزرع والأبـدان
وهـو الوبـاء الجارف الطوفان — وهـو هـو الدنـيـا لدى الظمآن
وهـو هـو المـوت لدى الغـرقان — شــارفــتــه والليــل شــطـرتـان
فــمـا صـغـا الليـل لصـوت ثـان — ولا أمــال مــســمــع الأمـانـي
إلا إلى هــاتــيــكـم الألحـان — كــأنــهــا تــجــاوب الغــيــلان
ثـــمـــت أدلجــنــا إلى أســوان — وفــي طــريــق الصـبـح غـلوتـان
فــيــالهــا ومــا عــدوت شـانـى — مــن رحــلة طـيـفـيـة الألوان
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.
تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التواني: تَوَانَى يَتَوَانَى تَوَانَ تَوَانِيًا [وني]:- في العمل: قصّر فيه وفتر؛ توانى في إنجاز مهمّته.
- الخزان: الخَزَّانُ : اللِّسان؛ إذا ساء تفكيرُ الإنسان ساء خزّانه.-: الرطَب يَسْودَ داخِلُه س آفة تصيبه. -: مستودع الماء أو البترول؛ لكل بيت خزان للماء وآخر للمازوت. -: مكان يُجمع أو يُحجز فيه الماء بوساطة سدٌ.
- الخطو: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً، أي: مرّة، والخُطْوَة ما بين القدمين[[قال ابن المرحّل: وخطوة بالفتح نقل القدمين ... وخطوة مضمومة ما بين تين وجمع الأول خطاء، والخطى ... جمع الأخير، وبضمّ ضبطا]] ، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُ …
- الركبان: الرُّكْبَانُ : مفـ الرَّاكب للخيل والإبل بخاصّة؛ جاءتِ الرُّكبان بما تحمله من سلع وطرائف/ سارت بذكرِه الرُّكبان، أي اشتهر اسمُه وتناقل النَّاسُ أخباره. ـ السُّنبلِ: سوابقه وأوائله الّتي تخرج من أكمامها.
- الروحاني: الرُّوحَانيُّ : ما فيه الرُّوح.-: النِّسْبَة إلى الرُّوح بمعنى النّفس أو الوحي أو الملائكة أو الجِنّ؛ الملائكة خَلْقٌ رُوحانيّ/ الطِّب الروحَانيّ، هو المعالجة النفسيّة/ الآباءُ الرُّوحانيّون، هم العلماء المسيحيون.
- العجلان: العَجْلانُ : المسرعُ؛ جاءَ عَجْلان لا يلوي على شيء مؤ عَجْلى ج عُجُالَى وعِجال.
- الفيح: فيح: فاحَ الحرُّ يَفِيحُ فَيْحاً: سَطَعَ وهاجَ. وَفِي الْحَدِيثِ: شِدَّةُ القَيْظ مِنْ فَيْح جَهَنَّمَ: الفَيْح: سُطُوع الْحَرِّ وفَوَرانُه، وَيُقَالُ بِالْوَاوِ، وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ؛ وَفَاحَتِ القِ …