جميع الناس سكاني
الشاعر: عباس محمود العقاد · البحر: الهزج
هذه القصيدة من شعر عباس محمود العقاد، من العصر الحديث، وتقع في 105 بيتًا. نُظمت على بحر الهزج، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
جميع الناس سكاني ... فهل تدرون عنواني
وما للناس من سرٍّ ... عدا آذان حيطاني
حديثي عَجبٌ فيه ... خفايا الإنس والجانِ
فكم قضَّيت أيامي ... بـــــأفـــــراح وأحــــزان
وكم آويت من بَرٍّ ... وكم آويت من جانِ
فإن أرضاكم سري ... فهاكم بعض إعلاني
بني الإنسان لن أحف ... ل في دهري بإنسانِ
ألم أعرفكمُ طرًّا ... فلم أسعد بعرفاني
أتاني أول السكْن ... وما استوفيتُ بنياني
وما أرهفت آذانًا ... ولم آنَــــسْ بــــقُطَّانِ
وأصغيت على مهل ... فطاشت كل آذاني
هما زوجانـ، أو شيطا ... نة لاذت بشيطانِ
وقد عاشا وفيين ... بتقدير وحسبانِ
وراحا هكذا يحكو ... ن في رَوْح وريحانِ
وما أبصرتُ من هذا ... ولا من تلك في آنِ
سوى خَوَّانة خرقا ... ء تفري عرض خَوَّانِ
إذا ما ضحكا يومًا ... على غش وبهتانِ
حسدت البيد والأطلا ... ل في غيظي وكتماني
وأشفقت من النقم ... ة أن تهتز أركاني
وجاء الساكن الثاني ... وبئس الساكن الثاني
يراه الناس ذا مال ... وأفــــراس وغــــيطانِ
وقد شوهني بخلًا ... وأعراني وأعياني
وقد صيرني سجنًا ... ومنه كان سجاني
فلما طال بي عهدًا ... ولم أسعد بهجرانِ
وددت لوَ انَّ لي في كلْ ... ل جُحْر ألف ثعبانِ
بديلًا منه أرضاه ... وأحبوه بغفراني
وأنفث سمها أو يتـ ... تقي شري ويخشاني
إلى أن آده أجــــــــــري ... ولم يظفر بنقصانِ
فأخلاني ولن أنسى ... سرورى يوم أخلاني
وكان الساكن الثال ... ث ذا عــــز وســــلطــــانِ
فما ارتبتُ بأنّ العز ... ز والذلة ســـــــيـــــــانِ
وما ألفيته إلا ... لئيمًا جد غفلانِ
ضعيفًا يستر الضعف ... بطغيان وعدوانِ
وكم أَذْعَن للطاغي ... عليه شر إذعانِ
إذا ما لقى الناس ... بكبر منه طنَّانِ
فما أصغر ما ألقا ... ه منه بين جدراني
وأمــــا رابع القوم ... فذو علم وتبيانِ
حشا بالورق الياب ... س والأخضر حيشاني
فما لي موضع في الأر ... ض أو من فوق عمدانِ
وما لي مطبخ أو مخ ... دع أو بهو ضيفانِ
ولا زاويــــــــــــــة إلا ... وفيها الكتب تلقاني
أَبَى للنفس دعواها ... ولم يسمع لجثمانِ
فلا سهرة أحباب ... ولا جلسة ندمانِ
فما أجهله بالخل ... ق ذاك العالم العانى
أَبَيْنَ الناس يُحْتَاج ... إلى عــــلم وبــــرهــــانِ
وهم عِمْيَان ظلماء ... سَرَوا في إِثْر عميانِ
كثير لك يا إنسا ... ن في دنياك عينانِ
وأما الخامس الجانى ... فناهيك بشهوانِ
فـــــمـــــا زَوَّدنــــى إلا ... بأثداء وأعكانِ
وهُــــتَّاــــف بــــألحــــان ... وسُمَّار على الحانِ
إذا أمسيتُ مسانى ... بــــأشــــكــــال وألوانِ
على الأبواب ما يرضي ... ك من حسن وإحسانِ
ومن صون لأسماع ... ومن غض لأجفانِ
فلا تنظرهمُ ثَمَّ ... ة وانظر بين أحضاني
فيا لله كم في الأر ... ض مــــن غــــي وغيانِ
وكم في القوم من مخدو ... ع آبـــــــاء وإخـــــــوانِ
وأزواج وأصـــــــهـــــــار ... وخـــــــلان وأخـــــــدانِ
لوَ انِّى قلت ما أدري ... لهدوا كل أركاني
فنعم الصمت والحكم ... ة يا صخرى وصوانى
وكم صاحبتُ من أصحا ... ب آداب وأديــــــــــــــانِ
تجافوا وصمة العاصى ... وعافوا شهوة الزانى
وباتوا بين قربان ... وتــــرتــــيــــل لقــــرآنِ
ولم يأسوا من الدنيا ... على غَبْن وحرمانِ
إذا ما شرفَتْني زم ... رة منهم بصحبانِ
حسبت الأرض تجفوني ... فأنساها وتنساني
وقالوا الجان لا تقر ... ب من مجلس فرقانِ
فقد ألفيتُ بعض الإن ... ـس في العنصر كالجانِ
ولكــــن شــــر مــــا آوي ... ت في لؤم وعصيانِ
رياء الخائن العادي ... عــــلى أهــــل وأوطــــانِ
تَلَقَّاهم بتمويه ... ولاقوه بإيمانِ
وفي حجرة أسراري ... وفي ظلمة أركاني
يبيع الحوزة الكبرى ... بربع أو ببستانِ
ويعطي الحق والذم ... ة والفُتيا بأثمانِ
ويُفني أمة تحيي ... ه وهو الزائل الفانى
و يمشى بين قتلاه ... رفيع الذكر والشانِ
ولم أحمد من الضيفا ... ن ضيفًا مثل فنَّانِ
تــــولانــــى بإبداع ... من الفن وإتقانِ
وغطى كل جدرانى ... بمنظور ومُزْدَانِ
وأوحى الحسن واستوحا ... ه من جنات رضوانِ
فحينًا حسن مكسوًّ ... وحينًا حسن عريانِ
بريئًا في سماء الفن ... ن مــــن عبث وأَدْرَانِ
وفَتَّانًا على الحالي ... ن لكـــــن أي فَـــــتَّاــــنِ
كما تفتنك الزهر ... ة في أعطاف أغصانِ
جموعٌ لست أُحْصِيهَا ... ولو دونتُ ديواني
ومثلي كل جاراتي ... ومثلي كل جيراني
عرفتُ الناس أشتاتًا ... بلا عدٍّ وحسبانِ
فلم أعرف أأعداء ... همُ أم جمع أقرانِ
إذا ما اختلفوا في سي ... مة تبدو وشغلانِ
فهم في الموت أشباهٌ ... وفي سقم وأشجانِ
وما منهم فتى إلا ... بكى حينًا وأبكاني
مساكين فلا تحفل ... من الناس بإنسانِ
ولا تحسد فتى منهم ... على بأس وإمكانِ
فأعلاهم وأدناهم ... أمام الغيب صِنْوَانِ
نزيل المنزل الخالى ... ألا تعرف عنوانى
إذا ما طفتَ حوليه ... فثق أنك تلقاني
فما من منزل إلا ... وفيه بعض ألواني
تأمل في نواحيه ... وراقبه بإمعانِ
ولا يخدعك صمت فيـ ... ـه أو تفتيح بيبانِ
ولا تحسبه خِلْوًا من ... مغاليق وأكنانِ
إذا ما كانت مستحض ... ـر أراوح وحـــــدثـــــانِ
فقف في المنزل الخالي ... وأَرْهِفْ سَمْعَ يقظانِ
وأغمض فيه أجفانـ ... ـك وانظر غير وَسْنَانِ
ترَ الأطياف أفواجًا ... وتسمع موج طوفانِ
وتجمع كل ما يُجمـ ... ـع من ربح وخسرانِ
ولا يخطئك تاريخ ... ولا دارس أزمــــــــــــانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الهزج. بحر مجزوء خفيف راقص، يكثر في الغناء والموشّحات لرشاقة إيقاعه.
تفعيلاته: مفاعيلن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بعرفاني: عرف: العِرفَانُ: الْعَلَمِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: ويَنْفَصِلانِ بتَحْديد لَا يَليق بِهَذَا الْمَكَانِ، عَرَفَه يَعْرِفُه عِرْفَة وعِرْفَاناً وعِرِفَّاناً ومَعْرِفةً واعْتَرَفَه؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ سَحاباً: مَرَتْه … (لسان العرب)
- تدرون: درن: الدَّرَنُ: الوسَخ، وَقِيلَ: تَلَطُّخُ الْوَسَخِ. وَفِي الْمَثَلِ: مَا كَانَ إِلا كَدَرَنٍ بكَفِّي، يَعْنِي دَرَناً كَانَ بإِحدى يَدَيْهِ فَمَسْحَهَا بالأُخرى، يُضْرَبُ ذَلِكَ لِلشَّيْءِ العَجِل. وَقَدْ دَرِنَ الثوبُ … (لسان العرب)
- جان: جأن: الجُؤنة: سَلَّة مُسْتَديرة مُغَشَّاة أَدَماً يُجْعَلُ فِيهَا الطِّيبُ والثِّياب. (لسان العرب)
- حديثي: حدث: الحَدِيثُ: نقيضُ الْقَدِيمِ. والحُدُوث: نقيضُ القُدْمةِ. حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً، وأَحْدَثه هُوَ، فَهُوَ مُحْدَثٌ وحَديث، وَكَذَلِكَ اسْتَحدثه. وأَخذني مِنْ ذَلِكَ مَا قَدُمَ وحَدُث؛ وَلَا يُقَالُ ح … (لسان العرب)
- حيطاني: (حَيَطَ) الْحَاءُ وَالْيَاءُ وَالطَّاءُ لَيْسَ أَصْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَهُ فِي الْحِيَاطَةِ وَالْحِيطَةِ وَالْحَائِطِ كُلَّهُ الْوَاوُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي بَابِهِ. (مقاييس اللغة)
- سكاني: سكن: السُّكُونُ: ضِدُّ الْحَرَكَةِ. سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إِذَا ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غَيْرُهُ تَسْكيناً. وَكُلُّ مَا هَدَأَ فَقَدْ سَكَن كَالرِّيحِ والحَرّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وسَك … (لسان العرب)