لذ المــطــاف بــجــنــة المــصـطـاف
الشاعر: عباس محمود العقاد · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عباس محمود العقاد، من العصر الحديث، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الفاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لذ المــطــاف بــجــنــة المــصـطـاف — وصفا اللقاء على النمير الصافي
وحـدا الخـريـر بـنـا فـكان حداؤه — نـعـم الغـنـاء لنـا عـن المـجـذاف
لبـس الظـلام مـن الضـيـاء غـلالة — فـــكـــأنـــه خـــاف وليـــس بـــخــاف
والبــدر مــنـفـرد الجـلالة سـادر — مـــتـــنــقــل كــالنــاعــس الطــواف
رطـب الجـبـيـن سـرت حـلاوة وجـهـه — فـي الروض بـيـن ربـي وبـيـن نطاف
أضــفـى عـلى تـلعـاتـهـا ووهـادهـا — حــللاً تــكــاد تــخــف بــالأعـطـاف
والنور في الدنيا وإن لم يبدها — حــســب النــواظــر مـن شـهـود كـاف
راق الأوان فــهــل لطــالع سـعـده — نـجـمٌ فـيـلمـح فـي الضياء الضافي
لا أســأل الفــلكــى عـنـه إبـانـة — إن الســــعـــود تـــجـــمـــع الألاف
وإذا المـراد مـن الزمان أطاعني — أمـسـيـت لا يـسـع الزمـان خـلافـي
مــا للمــحــب ســوى قــضــاء واحــد — ثـغـر الحـبـيـب له المـقر النافي
أتــراك تــحــفـل كـل شـارق غـيـهـب — هــبــط القـضـاء بـه إلى الأسـداف
أم يــســتـخـفـك مـن جـهـلت بـأمـره — فــي واســع الفــلوات والأكــنــاف
إن القــضــاء لمــا يــهـمـك وقـعـه — فــيـمـن تـحـب مـن الورى وتـجـافـي
وأنـا المـعـانـق للقـضـاء بـأسـره — فــي جــســم أغـيـد كـالنـدى شـفـاف
أمــســيــت أنــظـر لا أرى أمـنـيـة — كـبـرت ومـا خـلقـي بـالاسـتـخـفـاف
إن قــيــل يـوشـع رد شـمـس نـهـاره — قـــلت النـــهـــار لكـــل يــوم واف
أو رد عـيـسـى المـيـت قـلت أماته — مــوتـيـن فـهـو مـضـاعـف الإتـلاف
أو قـيـل قـيـصـر نـال مـلك زمـانه — ومــشـى عـلى الهـامـات والاكـتـاف
قـلت ارحـمـوه فـكـم أنـال مـقـاده — ليــنــال عــطـف السـوقـة الأجـلاف
حسبي بأن أجد السعادة في الثرى — آيــاً ســمــوت بــهــا عـن الإرجـاف
إيـهـاً أبـا الأنـهـار فـوقك شادن — يـشـفـي الغـليـل وأنـت لسـت بـشاف
فـرعـون لم يـحـمـل عـليـك نـظـيـره — والبـحـر لم يـحـرزه فـي الأصـداف
أوفــى عـليـنـا مـن سـمـاء جـمـاله — فــاحــلم بــطــلعــتــه ومـاؤك غـاف
واحـفـظ لديـك وديـعـة مـن صـفـونا — مــأنــوســة الذكــرات والأطــيــاف
ســيــطــول أيـام الصـدود وسـؤلنـا — لك عـــن مـــواقــع هــذه الألطــاف
ونــود لو تــغـنـي الودادة آسـفـاً — رجــعــى الزمــان ولا رجـوع لعـاف
أيـهـاً أبـا الأنـهـار ليـس بنافع — خــوف التــفــرق والحــبــيـب مـواف
لو كــان يــدفــع بـالتـوقـع حـادث — لرأيـــت فـــيّ تـــنـــبّـــؤ العـــراف
قــال الزمـان لنـا مـقـالة نـاصـح — والنـصـح يـبـذله الزمـان الجـافي
حــسـب السـعـادة أن تـزورك سـاعـة — لا أن تــحــوط خــطـاك بـالأسـيـاف
فــاشــهــد عـلي وأنـت أقـدم ضـائف — يــا نــيــل إنــي أسـعـد الأضـيـاف
إنـي سـعـدت بـقدر ما استرجعت لي — يــا نــيــل مــن حـقـب ومـن أسـلاف
دهــر قــد انـبـسـطـت عـليـه سـاعـة — فــاســتــأنـفـتـه أحـسـن اسـتـئنـاف
وصــلت حــديـث زمـانـنـا بـقـديـمـه — وصــل الصــحــيـفـة نـائي الأطـراف
وبـدت لنـا صـور العـصـور كـأنـهـا — رســم عــلى النــيـل المـقـدس طـاف
ومـنـاظـر القـمـراء أشـبـه بـالذي — أحــيــيــت مــن ذكـر مـضـيـن ضـعـاف
فـالذكـر والنـظـر العيان كلاهما — حــلم بــهــا مــتــشــابـه الأفـواف
هـذي الليـالي الدنـيـويـة نـفـحـة — مــن عــالم المــلكــوت والأعــراف
لولا النـعـيم بها لما خطرت لنا — مُــثُــل النــعــيــم بــجــنـة ألفـاف
هـي حـجة القدر العزيز على امرئ — يــرمــيـه حـيـن يـثـور بـالإجـحـاف
بـتـنـا عـلى شـرف الحـياة يشوقنا — قــــرب الخــــلود ولذة الإشــــراف
غـنـى الصـحـاب وكـان حـسبي مسمعا — تــغــريـد قـلبـي الخـافـق الرفـاف
ودنــا يــعــلمــنــي وأكــثــر فـنـه — حــســن يــفــوت صــنــاعــة العــزاف
ويــروح يـعـذلنـي عـلى أنـي امـرؤ — عـــن درســـه وغـــنـــائه مــتــجــاف
عــذراً مــعــلمــنــا فــإنــك واصــف — يــلهـي المـصـيـخ له عـن الأوصـاف
أتــراك تـذهـلنـا وتـنـكـر عـذرنـا — هــذا لعــمــرك ليــس بــالإنــصــاف
فــي حـسـن وجـهـك للضـمـائر شـاغـل — عــن أحــرف تــشــدو بــهــا وقــواف
لو لم تـكـن عـيـنـي تـراك لأثبتت — أذنـي جـمـالك فـي صـمـيـم شـغـافـي
فــبــكــل جــارحــة لحــسـنـك مـسـلك — يــعـطـي النـفـوس عـطـيـة الإسـراف
نـاظـر بـواضـحـك الطـبـيـعة ينكشف — مــا كــان مــنـطـويـاً عـن الكـشـاف
مـا اسـتـقـبـلتـك بوجهها إلا جلت — أضــعــاف زيــنــتــهـا عـلى أضـعـاف
انـظـر فـهـل تـجـد المروج كعهدها — مــن قـبـل فـي الحـدقـات والآنـاف
وهـي السـمـاء أم ارتـقت أجوازها — فـــي النـــور آلافـــا عـــلى آلاف
يـا سـاحـرا فـاتـتـه فـتـنـة سـحره — وتــنــقــبــت عــن لحــظــة العـسـاف
نـجـنـي الثـمـار مـن القفار بفنه — ونـصـيـبـه مـنـهـا التـراب السافي
نــرثــي لســحــرك أم نـجـل فـعـاله — مــا أجــدر المـحـروم بـالتـعـطـاف
ســحــر خــصــصـت بـه وأنـت حـرمـتـه — حـــرمـــان لا حـــرج ولا مـــتــلاف
لو كــان حـظـك مـن جـمـالك حـظـنـا — أوجــفـت تـطـلب صـحـبـتـي إيـجـافـي
أو كـانـت الدنـيـا تروقك بعض ما — راقــت بـحـسـنـك كـنـت خـيـر مـصـاف
فـاسـمـح بـتـبـرك نـتـخـذ مـن صوغه — وشــيــاً عــليــهـا سـابـغ الأطـراف
واجـعـل رداء صـبـاك شـعـراً خالداً — تــصــبــح له الآبــاد يــوم زفــاف
مـا الشـعـر مـرآة تـصـور مـا تـرى — وتــعــيــد صــفـحـتـهـا طـلاء غـلاف
الشــعــر صــورة كــل مــعـنـى دائم — عــال عــلى التــبـديـل والإعـصـاف
وهـو الحـيـاة تـظـل حـبـة غـرسـهـا — شــتــى الغــروس غــزيـرة الأخـلاف
مــن نــظــرة لك لا تــزال نـواظـر — فـي النـاس تـقـطـف مـنـك أي قـطاف
فـاربـأ بـحـسـنـك أن يـكـون كـحـبة — خـــضـــراء مــلقــاة ليــوم جــفــاف
يـا مـن عـرفـت الجـود كـيف وجدته — بـعـد اشـتـبـاه الجـود بـالإسـفاف
لا تـخـش إلحـافـاً عـليـك فما نرى — ضــوء النــهــار يـزيـد بـالإلحـاف
فــامـنـح قـليـلك كـل حـيـن مـنـحـة — يـبـق الكـثـيـر وراء الاسـتـنـزاف
وأعـجـب لقـصـدٍ فـي الغـرام يـسـنهُ — قــلب يــبـيـع العـمـر بـالسـفـسـاف
لا تــبــذلن لنـا جـمـيـع رجـائنـا — فــتــذودنــا عــن غــيــثـك الوكـاف
مـن يـمـنـح الشـيـء الذي ما بعده — مــنــح يــكــن كــالمــانـع الصـداف
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخرير: الخَرِيرُ : ما يُحدثه الماء أو غيره من صوت. -: غطيط النائم؛ أرّقني خرير النائم في السّرير المجاور لسريري. -: المنخفض بين ربوتين ج أَخِرَّةٌ.
- الصافي: الصَّافِي [صفو]: فا.-النَّقِيُّ؛ شَرِبَ الماءَ صافياً.- من الأيّام: الذي لا غيمَ فيه؛ كان الجوّ صافياً.- من العيش: الذي لا كَدرَ فيه.- من الرّبحِ: الباقي منه بعد حسم الكلفة؛ كان صافي أرباحه هزيلاً.
- الطواف: الطَّوَافُ : مصـ. ـ: في الشرع، الدوران حول الكعبة، وهو من مناسك الحجّ/ طَواف الإِفَاضَة، هو طوافُ يومِ النحر إذ ينصرفُ الحاجُّ من مِنى إلى مكة فيطوفُ ويعود.
- المجذاف: المِجْذَافُ : المِجدافُ، وهو خشبة في رأسها لوحٌ عريضٌ تُدفع به السفينة؛ الأحمق كالمَرْكَبِ لا مِجذافَ له ج مَحاذِيفٌ.
- المصطاف: جمع: ـون، ـات. [ص ي ف]. "يَقْضِي الْمُصْطَافُونَ نَهَارَهُمْ فِي رَاحَةٍ كَامِلَةٍ" : الَّذِينَ يَقْضُونَ فَصْلَ الصَّيْفِ فِي مَكَانِ الاسْتِجْمامِ الصَّيْفِيِّ، الْمَصِيفُ.
- المطاف: المَطَافُ [طوف]: مصـ. ـ: الطَّوافُ؛ أمضى الرَّحالةُ زمناً طويلاً في مَطَافه حول الكرة الأرضية. ـ: موضع الطّواف حول الكعبة/ وصل إلى نتيجة حسنة في خاتمة المطاف، أي في النهاية/ في نهاية المطاف، أي في آخر الأمر.
- النمير: النَّمِيرُ :- من الماء: الطَّيِّبُ الناجع في الرّيّ/ حَسَبٌ نمير، أي زاكٍ .
- النواظر: النواظِرُ : مفـ ناظرة، وهي العين، وقف الأطفال محدِّقين بنواظرهم إلى المنظر العجبب.-: عروق في الرْأس تتصل بالعينين فيها ماء البصر.