فَطرُقلُ عِندَ أُريفيلٍ بِخَيمتِهِ

الشاعر: سليمان البستاني · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر سليمان البستاني، من العصر الحديث، وتقع في 256 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

فَطرُقلُ عِندَ أُريفيلٍ بِخَيمتِهِ ... يُعنى بِهِ ويُداويهِ بِحِكمَتِهِ

وَالحَربُ في مَأزِقٍ ضاقَت مسالِكُهُ ... عَلى الفَريقَينِ أَلقى ثِقلَ وَطأَتِهِ

أَمّا الأَغارِقُ فَالحُصنَ المَتينَ بَنَوا ... وَالخَندَقَ اِحتَفَروا مِن حَولِ خِطَّتِهِ

لِيَدفَعوا عَن خَلاياهُم وَمَحمَلِها ... مِنَ الغَنائِمِ ما يَغلو بِقيمتِهِ

لَكِنَّهُم حينَ شاذوا سورَهُم غَفَلوا ... عَنِ الضَحايا مئاتٍ بِئسَ ما فَعَلوا

فَما إِذا هُوَ واقيهِم بِمَنعَتِه ... مِنَ الأَعدي إِذا كَرّوا وَإِن حَمَلوا

فَلا يَقومُ بِناءٌ لا تُحيطُ بِهِ ... عَينُ العِنايَةِ إِلّا شابَهُ الخَلَلُ

قَد دامَ ما دامَ هَكطورٌ وَما بَقِيَت ... إِليونُ وَاِشتَدَّ آخيلٌ بِنَفرَتِهِ

وَعِندَما فُتِحَت إِليونُ وَاِندَثَرَت ... مِن بَعدِ عَشرَةِ أَعوامٍ بِها حُصِرَت

وَالأُرغُسِيّونَ هاتيكَ السَفائِنِ في ... مَن عاشَ مِنهُم إِلى أَوطانِهِم مَخَرَت

فوسيذُ فَوراً وَآفُلّونٌ اِنحَدَرا ... وَكُلُّ أَنهارِ إيذا فَوقَهُ اِنحَدَرَت

ريسوسُ رودِيُّسٌ قاريسُ إيسِفُسٌ ... وَالهَفتَفورُ بِضافي سَيلِ ضَفَّتِهِ

والإِسكَندَرُ إِغرانيقُ يَتبَعُهُ ... وَسيمويسُ اِنجَلى يَهوي تَدَفُّعُهُ

عَن جُنَّةٍ سَطَعَت أَو بَيضَةٍ لَمَعَت ... أَوقِــــرنِ رَبٍّ بــــذاكَ الجُــــدِّ مَصرَعُهُ

وَفيبُسٌ حَوَّلَ الأَنهارَ قاطِبَةً ... عَلَيهِ تِسعَةَ أَيّامٍ تِسعَةَ أَيّامٍ تُزَعزِعُهُ

وَزَفــــسُ أَمــــطَــــرَ شُــــؤبــــوبــــاً يَُوِّضُهُ ... لِلبَحرِ يَقذِفُهُ في قَعرِ لُجَّتِهِ

وفوسِذٌ وَعَصا الأَنواءِ في يَدِهِ ... يُطغي السُيولَ عَلَيهِ في تَوَقُّدِهِ

يَــــدُكُّ أَركــــانَهُ مِــــن أُسِّهــــا وَبِهــــا ... لِليَمِّ يَقذِفُ مُعتَزّاً بِسُؤدُدِهِ

يَستَأصِلُ الصَخرَ مِنها وَالجُذوعَ إِلى ... أَن ساوَتِ الجُرفَ في مَألوفِ مَعهَدِهِ

ذاكَ الَّذي سَوفَ يُبديهِ لَنا القَدَرُ ... وَالآَنَ مِن حَولِهِ الطُروادَةُ اِستَعَروا

تَرتَجُّ أَبراجُهُ مِن عُنفِ كَرِّهِم ... وَالأَرغُسِيّونَ في الأُسطولِ قَد حُصِروا

يَروعُهُم سُخطُ زَفسٍ مُذ أَصابَهُمُ ... وَهَــــكطُرٌ ذاكَ أُسُّ الرَوعِ وَالخَطَرُ

لازالَ يَعصِفُ فيهِم مِثلَ عاصِفَةٍ ... وَقَــــومُ طُــــروادَةَ اِشــــتَدّوا لِشِدَّتِهِ

كَأَنَّ خِرنَوصَ بِرٍّ صالَ أَو أَسداً ... لَم يَعبَأَنَّ بِجَمعٍ حَولَهُ اِحتَشَدا

بِهِ تُحيطُ السَرايا وَالكِلابُ وَقَد ... أَهمَت حَوالَيهِ مِن أَسهامِها بَرَدا

فَيَستَجيشُ بِقَلبٍ لا يُرَوذِعُهُ ... بَأسٌ فَلا يَلتَوي لِلخطبِ مُرتَعِدا

بَل يَنثَني وَهوَ حَيثُ اِنقَضَّ مُنقَبِضاً ... أَو صالَ شُقَّتــ سراياهُم لِصَولتِهِ

كَذاكَ هاجَ بِهِم هَكطورُ يَندَفِقُ يَصي ... حُ في القَومِ هَيّوا الخَندَقَ اِختَرِقوا

لَكِنَّما خَيلُهُ في الجُرفِ جازِعَةً ... تَرَدَّدَت مُذ تَراءى دونَها العُمُقُ

وَأَطرَقَت صاهِلاتٍ لا تُطيقُ بِهِ ... وَثباً فَتَجتازُ أَوعَدواً فَتَنطَلِقُ

وَكَيفَ تَعدو وَحَولَ السُورِ هاوِيَةٌ ... يَحوطُها السَدُّ إِحكاماً لِمَنعَتِهِ

هَيهاتَ تَحتَ العِجالِ الخَيلُ نقَطَعُها ... لَكِنَّما لِمُشاةِ الجَيشِ مَرجِعُها

لِذاكَ فوليدَماسٌ جاءَ هَكطُرَ وال ... فُرسانَ نادى بِقُربِ الفَوزِ يُطمِعُها

يا هَكطُرٌ يا سراةَ الجُندِ كَيفَ تُرى ... فَوقَ الحَفيرِ جِيادَ الخَيلِ نَدفَعُها

وَراءَهُ السورُ وَالأَركانُ قَد رُفِعَت ... أَوتادُها غَضَّةً من ضِمنِ سُدَّتِهِ

فَكَيفَ تَنزِلُ في هذي العِجالِ إِلى ... هَذا الشَفيرِ وَلا نَلقى بِهِ فَشَلا

لَئِن نَنَل مِن لَدى زَفسٍ إِبادَتَهُم ... وَنَشرَ خَزيِهِم فَليَهلِكوا عَجَلا

فَإِن عَبَرنا وَصَدّونا لِوَهدَتِهِ ... فَــــأَيُّ رُزءٍ يــــوافينا وَأَيُّ بَلا

وَالحَقَّ أَصدِقُكُم لَن يَنجوَنَّ بِنا ... ناجٍ لإِليونَ يُنمي شَرَّ مِحنَتِهِ

فالرأيُ عِنديَ أَن نُبقي الجِيادَ لدى ... سُيّاسِها عِندَ هذا الحَدِّ حَيثُ بَدا

وَنَحنُ تَتبَعُ هُكطوراً بِجُملَتِنا ... مُكَثِّفينَ عَلى أَكتافِنا العُددا

فالأَرغُسِيّونَ إِمّا حانَ مَصرَعُهُم ... لَن يَستَطيعوا سَبيلاً لِلِّقا أَبدا

فَلَم يَكَد يَنتَهي وَالقَولُ راقَهُمُ ... حَتّى تَرَجَّلَ هَكطورٌ لِساعَتِهِ

وَكُلُّ فُرسانِهِم أَلقوى عِجالَهُمُ ... لِساسَةِ الخَيلِ تُستَبقى حِيالَهُمُ

تُقامُ في الجُرفِ صَفّاً واحداً وَهُمُ ... فَيالِقاً خَمسَةً صَفّوا رِجالَهُمُ

فَــــقادَ أَوَّلَها هَكطورُ أَوَّلُهُم ... كَذاكَ فوليدَماسٌ مَن أَمالَهُمُ

وَقبرِيونَ وَقد أَبقى الجِيادَ لَدى ... فَتىً لِهَكطورَ مِن أَعراضِ فِتيَتِهِ

كَتيبَةٌ تِلكَ ضَمَّتــ جُلَّهُم عَدَدا ... جُنداً تَمُدُّ إِلى كَيدِ العُداةِ يَدا

وَقادَ ثانيها فاريسُ يَصحَبُهُ ... أَلقاثُ ثُم أَغينورُ الَّذي اِتَّقَدا

وَحازَ ثالِثَها مِن وُلدِ مَلكِهِمِ ... فِريامَ قَرمانِ مِقدامَينِ قَد عُهِدا

هيلينسٌ ثُم ذيفوبُ الذي طَلَعَت ... سيماءُ آلِ العُلى تَزهو بِطَلعَتِهِ

كَذا اِبنُ هِرطاقسٍ آسيُّسُ البَطَلُ ... مَن ثَقَّفَ الجُردَ لِلهَيجاءِ يَشتَعِلُ

مِن بَرِّ آرِسبَةٍ مِن جُدِّ سيلِسَ قَد ... جَرى عَلَيها إِلى إِليونَ يَنتَقِلُ

وَاِنضَمَّ رابِعُها جَيشاً عَلى حِدَةٍ ... لِأَمرِ أَنياسَ رَبِّ البَأُسِ يَمتَثِلُ

وَآكَماسُ اِبنُ أَنطينورَ يَصحَبُهُ ... أَخوهُ أَرخيلُخٌ كانا بِصُحبَتِهِ

وَخامِسُ الفِرَقِ الغَرّاءِ قَد جَمَعَت ... أَحلاقَهُم وَلِسَرفيدونَ قَد خَضَعَت

وَعَسطَروفَ بَني عَوناً لَهُ وَكَذا ... غُلوكُساً تِلكَ صيدُ الحَملَةِ اِندَفَعَت

كُماةُ بَأسٍ بَلا هَكطورُ وَقعَهُمُ ... في الحَربِ أَيّانَ أَطرافُ القَنا وَقَعَت

قَد قَصَّرَ الكُلُّ عَن إِدراكِ شَأوِهِم ... وَقَصَّروا جُملَةً عَن شَأوِ سَطوَتِهِ

وَعِندَما التَأموا تَزهو يَلامِقُهُم ... تَقَدَّموا وَمَرامُ النَفسِ سائِقُهُم

وَأَيقَنوا أَنَّ أَعداهُم وَقَد وَهَنوا ... تُبيدُهُم في خَلاياهُم مَخافِقُهُم

بِصِدقِ فوليدَماسٍ كُلُّهُم وَثِقوا ... عَلى اِختِلافِ سُراهُم وَهوَ صادِقُهُم

سِوى اِبنِ هِرطاقُسٍ مازالَ مُعتَلِياً ... يَــــليهِ حوذِيُّهُ مِ نفَوقِ سُدَّتِهِ

أَمَّ السَفائِنَ مُغتَرّاً عَلى حُمُقِ ... بِخَيلِهِ وَبِشَرِّ الحَتفِ لَم يَثِقِ

فَلَن يَرى بَعدَ إِليوناً وَيَفخَرَ بَل ... بِرُمحِ إيذومِنِ حُكمَ القَضاءِ لَقي

يُسرى السَفينَ مَضى حَيثُ الأَغارِقُ قضد ... آبوا بِخَيلِهِم مِن أَفسَحِ الطُرُقِ

أَغارَ تَتبَعُهُ الأَجنادُ لا غِبَةً ... وَأَيقَنَت في العِدى فَوزاً بِغارَتِهِ

لِلباب كَرّوا وَمِصراعاهُ ما زُلِجا ... بَل فيهِ قَومٌ يُباري مَن عَدا وَنَجا

وَدونَهُ مِن بَني اللافيثِ يَحرُسُهُ ... قَرما نَكالٍ عَلى هَزِّ القَنا دَرَجا

لِيُــــنــــطُــــسٌ عِــــدُّ آريــــسٍ وَفولِفِتٌ ... لِصَدِّهِ وَقَفا فيه وَما اِختَلَجا

قاما كَأَنَّهُما مَلّولتانِ عَلى ... طَودٍ وَقَد قامَتا من فَوقِ قُمَّتِهِ

فَإِنَّ أَصلَهُما في الأَرضِ يَنتَشِرُ ... وَلا يَــــروعُهُــــما ريحٌ وَلا مَطَرُ

تَــــرَبَّصــــا لِلِقــــاهُ لا يَهــــولُهُما ... أَنصارُهُ وَإِنِ اِشتَدّوا وَإِن كَثُروا

فَكَرَّ يَتلوهُ يا مينق وَآدَمَسٌ ... كَذا ثَوونٌ وَآورَستُ الأولى اِشتَهَروا

وَإينُماوُسُ تَعلوهُم يَلامِقُهُم ... وَجَيشُهُم لَغَباً داوٍ بِصَيحَتِهِ

وَالأَرغُسِيّانِ لا يَلويهِما الجَزَعُ ... صاحا بِمَن ضِمنَ ذاكَ المَعقِلِ اِمتَنَعوا

فَما أَجابَ مُجيبٌ وَالتَوَوا قَلَقاً ... وَكادَ جَيشُ العِدى لِلسورِ يَندَفِعُ

فَبَرَّزا خارِجَ الأَبوابِ وَاِنفَرَدا ... مُكافِحَينِ وَأَسهامُ العِدى تَقَعُ

وَفَوقَ صَدرَيهِما الفولاذُ مُتَّقِدٌ ... يَصِلُّ لِلوَبلِ يَهمي فَوقَ صَفحَتِهِ

كَأَنَّ في الشُمِّ خِرنَوصَينِ قَد ذُعِرا ... بَينَ الخَياطِلِ وَالقُنّاصِ مُذ حُصِرا

فَيَسحَقانِ بِبَطنِ الغابِ ما لَقِيا ... كَيداً وَيَستضأصِلانِ الفَرعَ وَالشَجَرا

وَيُعلِيانِ صَريفَ النابش ما بَقِيا ... حَيَّينِ لَم يَلقَيا في المَعرَكِ القَدَرا

فَهَكَذا اِشتَدَّ ذانِ الباسِلانِ وَما ... ريعا لِكُلِّ قُوى جَيشٍ وَكَثرَتِهِ

كانا عَلى ثِقَةٍ مِن بَأسِ ذَرعِهِما ... وَبَأسِ مَن قامَ فَوقَ السورِ خَلفَهُما

جُندٌ مُدافِعَةٌ بِالعُنفِ دافِعَةٌ ... وَبلاً مِنَ الصَخرِ مِن فَوقِ العُداةِ هَمى

وَمِن كِلا الجَحفَلَينِ الرَميُ مُنطَلِقٌ ... عَلى الرُؤوسِ بِغَيثٍ بِالنبالِ طَما

كَصَيِّبِ الثَلجِ تَنهالُ الغُيومُ بِهِ ... والنَوءُ هَبَّ فَتَهمي تَحتَ هَبَّتِهِ

وَالبَيضُ تُرجِعُ عَن وَقعِ الحشجارِ صَدى ... لِلجَوِّ عَنها وَعَن أَجوابِهِم صَعِدا

فَــــفاتَ آسِيُّساً ما كانَ أَمَّلَهُ ... فَصاحَ يَلطِمُ يُضويهِ العَنا كَمَدا

أَكُنتَ يا زَفسُ خَدّاعاً وَكَيفَ أَرى ... قَومَينِ فَذَّينِ لَم نَبلُغهُما أَمَدا

مِثلَ الزَنابيرِ ذَبَّتـ عَن خَشارِمِها ... وَالنَحلُ لا يَتَخَلّى عَن خَلِيَّتِهِ

فَلَن يَكُفّا تُرى إِلّا إِذا صُرِعا ... أَو بَينَ فَتّاكِ أَيدينا إِذا وَقَعا

لَكِنَّ زَفسَ وَهَكطوراً بِنُصرَتِهِ ... مِن دونِهِم خَصَّ ذاكَ الصضوتَ ما سَمِعا

وَسائِرُ الجَيشِ لَم يَنفَكَّ مُضطَرِماً ... بَأساً عَلى سائِرِ الأَبوابِ مُندَفِعا

مَن لي بِإِلهامِ ذي عِلمٍ فَيُنبِئَني ... كَم هامَةس وَقعَت في حَرِّ وَقعَتِهِ

مِن كُلّش فَجٍّ لَدى السورِ الأُوارُ عَلا ... وَاِرتاعَ لِلخَطبِ أَهلوهُ وَقَد ثَقُلا

فَلَم يَروا غَيرَ حُسنِ الذودِ مِن مَدَدٍ ... وَرَهطُ أَنصارِهِم في الخُلدِ قَد وَجَلا

لَكِنَّما وَلَدا اللافيثِ حَولَهُما ... قَد أَعمَلا في الأَعادي السَيفَ وَالأَسَلا

وَاِجتاحَ فولِفِتٌ داماسَ مُبتَدِراً ... بِطَعنَةٍ نَفَذَت في بَطنِ خوذَتِهِ

ما صَدَّها ذَلِكَ الفولاذُ بَل خَرَقَت ... حَتّى الدِماغِ وَأُمَّ الرأسِ قَد سَحَقَت

مِن ثَمَّ أَتبَعَهُ فيلونَ يَلحَقُهُ ... أُرمينُ عَن طَعنةٍ في جَوفِهِ مَرَقَت

كَذا لِيُنطُسُ في لَدنِ القَناةِ مَشى ... رَمى وَفي خَصرِ هيفوما خُسٍ فَهَقَت

فَاِستَلَّ مِن عَمدِهِ السَيفَ الحَديدَ وَفي ... قَلبِ العِدى كَرَّ يُلقي رَوعَ كَرَّتِهِ

فَأَنطِفاتَ فَرى يُلقيهِ مُنقَلِبا ... مِن ثُمَّ كَرَّ وَمِنيونَ الفَتى اِقتَضَبا

وَاِجناحَ أورِستَ تُسقى الأَرضُ مِن دَمِهِ ... وَالقَرمَ يا مينَ ثُمَّ اِستَقبَلَ السَلبا

وَهَكطُرٌ إِثرَهُ الفِتيانُ لاغِبَةٌ ... وَإِثرَ فوليدَماسٍ تَحتَ إِمرَتِهِ

كَتيبَةٌ تِلكَ ضَمَّتــ جُلَّهُم عَدَدا ... جُنداً تَمُدُّ إِلى كَيدِ العُداةِ يَدا

كادَت حَفيرَهُمُ تَجتازُ عابِرَةً ... إِذا بِطَيرٍ لأَها تَحتَ السَماءِ بَدا

فَاِستُوقِفَت جَزعاً في الجُرفِ حائِرةً ... تَطَيُّراً وَهوَ عَن يُسرى السُرى وَرَدا

نَسرٌ مَخالِبُهُ في الجَوِّ قَد نَشِبَت ... بِأُفعُوانٍ خَضيبٍ تَحتَ قَبضَتِهِ

فَالأُفعُوانُ وَفيهِ لَم يَزَل رَمَقُ ... ما بَينَ أَظفارِهِ في الجَوِّ يَصطَفِقُ

حَتّى عَلَيهِ التَوى بِالعُنفِ يَلسَعُهُ ... في بارِزِ الصَدرِ حَيثُ التَفَّتِ العُنُقُ

فَـــــصـــــاحَ عَـــــن أَلَمٍ مُـــــرٍّ وَأَفــــلَتَهُ ... وَراحَ تَحتَ مَهَبِّ الريحِ يَنطَلِقُ

وَالأُفعُوانُ هَوى لِلأَرضِ مُختَضِباً ... حَيّا وَطُروادَةُ اِرتاعَت لِرؤيَتِهِ

فَتِلكَ مِن زَفسَ نَجوى رامَها عَلَنا ... وَنَحوَ قَرمِهِمِ فوليدَماسُ دَنا

وَقالَ عُوِّدتَ هَكطورٌ مُعارَضَتي ... إِذا اِقتَرَحتُ مَقالاً بَينَنا حَسُنا

لا يَجدُرَنَّ بِنا أَن نَستَطيلَ إِلى ... مَداكَ أَو نَر تاءي ما لا يَلوحُ لَنا

لَكِنَّني كيفَما دارَت مَباحِثُنا ... مَهما أَقُل فَمَقالي ثِق بِصِحَّتِهِ

لا خَيرَ بِالفَتكِ في الإِغريقِ بِالسُفُنِ ... إِن صَحَّ حدسي فَفيهِ فادِحُ المِحَنِ

أَلَم نَرَ النَسرَ يُسرى الجَيشِ مُرتَفِعاً ... بِحَيَّةٍ حَيَّةٍ مُشتَدَّةِ الإِحَنِ

أَما رَأَيناهُ أَلقاها مُخَضَّبَةً ... فَريسَةً تِلكَ فاتَتهُ وَلَم تَهُنِ

وَلَم تَكُن لِفِراخٍ قَد خَلَونَ بِها ... بِوَكرِهِ فَاِنثَنى يَخلو بِخَيبَتِهِ

وَهَكَذا فَلَئِن نَظفَر بِسورِهِمِ ... وَخَرقِ أَبوابِهِ خَرقاً بِرَغمِهِمِ

وَلَو هَزَمناهُمُ لَن يَرجِعَنَّ بِنا ال ... أَجنادُ مِن حَيثُ كَرّوا بِاِنتِظامِهِمِ

بَل سَوفَ نُلوى شَتاتاً تاركينَ لَهُم ... جُنداً تُمَزِّقُها نيرانُ كَيدِهِمِ

فَذاكَ تَفسيرُ هَذا النَجوِ يَخبُرُهُ ... أَخو الهُدى تَهتدي الدُنيا بِخُبرَتِهِ

فَمال هكطورُ شَزراً وَهوَ يَلتَهِبُ ... غَيظاً وَقالَ أَلِلإِحجامِ تَنتَدِبُ

فَإِن تَكُن قُلتَ ما قَد قُلتَ عَن ثِقَةٍ ... لا شَكَّ رُشدَكَ أَبناءُ العُلى سَلَبوا

لَأَنــــتَ أَولى بِــــرايٍ أَصــــوَبٍ فَعَلا ... مَ رُمتَ أَنّي قَضايا زَفسَ أَجتَنِبُ

تِلكَ القَضايا التي بُلِّغتُها سَلَفاً ... مُذ مالَ بالراسِ إِعلاناً لِنُصرَتِهِ

أَرُمتَ أَنّي أُطيعُ الطَيرَ إِن رَمَحَت ... سِيذانِ تَعلَمُ عِندي كَيفَما سَرَحَت

لِمَطلَعِ الشَمسِ عَن يُمنايَ إِن سَنَحَت ... لو يَسرَتي لِدياجي الغَربِ إِن بَرَحَت

فَلا نُطيعَنَّ إِلّا مَن أَطاعَ جَميعُ ال ... جِنِّ وَالإِنسِ وَالدُنيا بِهِ اِنتَصَحَت

وَلَيسَ لِلمَرءِ مِن فَألٍ يَدينُ لَهُ ... خَيرٍ مِنَ الذَودِ عَن أَوطانِ نَشأَتِهِ

عَلامَ تَخشى الوضغى جُبناً وَتَضطَرِبُ ... وَأَنتَ في الأَمنِ لَن يَنتابَكَ العَطَبُ

فَلَستُ بِالقَرمِ يَأتي مَوقِفاً حَرِجا ... حَتّى وَلو جُملَةً أَجنادُنا نُكِبوا

لَكِن إِذا ما اِعتَزَلتَ الحَربَ مُجتَنِباً ... أَو ما بِنُصحِكَ رُمتَ الجُندَ تَجتَنِبُ

وَاِغتَرَّ مِن قَومِنا فَردٌ لِقَولِكَ ذا ... فَاِعلَم فَروحُكَ في رُمحي وَطَعنَتِهِ

وَكَرَّ وَالجَيشُ طُرّاً إِثرَهُ حَمَلا ... وَزَفسُ مِن طَورِ إيذا ريحَهُ حَملا

هَبَّتــ بِعَثيرِها مِن فَوقِهِم وَمَضَت ... تَذروهُ فَوقَ العِدى توليهِمِ الوَجَلا

فَتِلكَ مِن فَضلِ زفسٍ نُصرَةٌ وَثِقوا ... بِها وَفي بَأسِهِم وَاِستَقبَلوا القُللا

فَهَدَّموا وَأَطرافَ الوَشيعِ رَمَوا ... وَالمَعقِلَ اِبتَدَروا ثَغراً لِثُغرَتِهِ

وَزَعزَعوا صَخرَ أَركانٍ بَدَت عَمَدا ... مِن تَحتِ أَبارجِهِ قامَت لَها سَنَدا

وَشَدَّدوا وَالعَزمَ في اِستِئصالِها أَمَلاً ... بِمَنفِذٍ مِنهُ يُؤتونَ العِدى الشِددا

لَكِنَّما عَسكَرُ الإِغريقِ ظَلَّ عَلى ... أَبارجِهِ مُستَجيشَ العَزمِ مُجتَهِدا

مُدَّت يَلامِقُهُم حُصناً يَذودُ بِهِ ... يَرمي العُداةَ الأُولى آلَوا بِجَذلَتِهِ

آياسُ يَجري وآياسٌ عَلى القُلَلِ ... يَستَنهِضانِ السُرى بِالقَولِ وَالعَمَلِ

طَوراً بِلينِ حَديثٍ لِلأولى اِعتَزَلوا ... وَتــــارَةً بِــــمَــــلامِ الفارِسِ الوَجِلِ

يا أَوَّلَ الصَيدِ أَبطالاً وَثانِيَهُم ... بَأساً وَمَن لَم يُخَوَّل قُوَّةَ البَطلِ

لَم يُمنَحِ الكُلُّ بَأساً واحِداً وَلَكُم ... في يَومِنا الذَودُ كُلٌّ جُهدَ طاقَتِهِ

عَرَفتُمُ ضيقَ هذا المَوقِفِ الحَرِجِ ... لا تَلتَوُنَّ بِقَلبٍ هُدَّ مُحتَلِجِ

لا يَصدَعَنَّكُمُ قَرمٌ يَسوقَكُمُ ... إِلى سَفينِكُمُ في خائِرِ المُهَجِ

بَل شَدِّدوا بَعضُكُم بَعضاً وَلا تَهِنوا ... لَعَلَّ زَفسَ مُنيلُ النَصرِ وَوالفَرَجِ

بِهِ نُـــــذِلُّ عَـــــدُوّاً قَــــد أَلَمَّ بِــــنــــا ... يُصمى وَيُذبَحُ حَتّى بابِ بَلدَتِهِ

فَهاجَ قَولُهُما الأَجنادَ فَاِعتَصَبوا ... وَماجَ مِن فَوقِ ذاكَ المَعقِلِ اللَجَبُ

حِجارَةٌ مِن كِلا الصَويَينِ طائِرَةٌ ... في الجَوِّ في مَوقِفِ الجَيشَينِ تَنسَكِبُ

كَــــأَنَّ يَــــومَ شِتاءٍ زَفسُ كانَ لَهُ ... بِالقُرِّ فيهِ عَلى كَيدِ الوَرى أَرَبُ

فَتَسكُنُ الريحُ وَالثَلجُ الكَثيفُ عَلى ... وَجهِ الثَرى صَبَباً هامٍ بِوَفرَتِهِ

يَهمي فَيستُرُ وَجهَ السَهلِ وَالجَبلا ... وَالمَرجِ وَالزَرعَ وَالأَريافَ وَالسُبُلا

وَالثَغرَ حَيثُ زُعابُ المَوجِ يَمحَقُهُ ... وَسائِرُ الأَرضِ مِنهُ أُلبِسَت حُلَلا

لَكِنَّ هَكطورَ وَالطُروادَ ما ظَفِروا ... بِالسورِ وَالبابُ بِالمِزلاجِ قَد قُفِلا

إِلّا بِهِــــمَّةــــِ سَــــرفيدونَ هَيَّجَهُ ... أَبوهُ زَفسُ بِبادي بَأسِ هِمَّتِهِ

جَرى كَلَيثٍ عَلى سِربِ الثِيارِ جَرى ... أَمـــــامَهُ مِـــــجــــوَبٌ فــــولاذُهُ بَهَــــرا

مُــــؤَلَّقٌ مُــــســــتَــــديــــرٌ دَقَّ صانِعُهُ ... قَتيرَهُ دَقَّ حِذقٍ يُدهِشُ البَصَرا

مُبَطَّنٌ بِجلودِ الثَورِ دارَ عَلى ... أَطرافِهِ قُضُبٌ مِن عَسجَدٍ نُشِرا

بِهِ مَشى بِيَدَيهِ عامِلانِ مَضى ... عُجباً يَهِزُّهُما أَثناءَ مِشيَتِهِ

كَضَيغَمٍ بَينَ شُمِّ الراسياتِ رَبّي ... وَبَرَّحَت بِحَشاهُ آفَةُ السَغَبِ

يَنقَضَّ حَتّى مَباني الناسِ مُبتَغِياً ... فَريسَةً بِفؤادٍ غَيرِ مَضطَرِبِ

لا يَنثَني لِكِلابِ الحَيِّ إِن نَبَحَت ... أَم بادَرَتهُ رُاةُ القَومِ بِالقُضُبِ

وَلَيــــسَ يَــــرجِــــعُ إِلّا نائِلاً وَطَراً ... أَو هالِكاً بِقَناهُم قَبلَ عَودَتِهِ

وَهَكَذا اِنقَضَّ سَرفيدونُ مُمتَحِنا ... خَرقَ المَراقِبِ وَالسورِ الذي حَصُنا

فَقالَ لِاِبنِ هُفولوخٍ عَلامُ تُرى ... في ليقِيا كانَ صَدرَ القَومِ مَجلِسُنا

وَالكَأسُ تَترَعُ وَاللَحمُ السَمينُ لَنا ... وَالناسُ مِثلَ بَني العَليا تُبَجِّلُنا

عَلامَ في ثَغرِ زَنثِ أَرضُنا اِتَّسَعَت ... وَالكَرمُ وَالزَرعُ يُسقى مِلءَ حاجَتِهِ

فَلا يَسوغُ لَنا إِلا التَرَبُّصُ في ... صَدرِ السُرى حَيثُ نُلنا مُنتَهى الشَرَفِ

حَتّى كتائِبُنا تَعتَزُّ قائِلَةً ... نِعمَ المُلوكُ عَلَوا عَن حِطَّةِ الضَعفِ

فَليَهنَأ وا بِسَمينِ اللَحمِ مَأكَلِهِم ... وَالراحِ إِذا وَقَفوا في مَوقِفِ التَلَفِ

وَهَل تُرى لَو أَبَينا الكَرَّ تُنقَذُ مِن ... وَخطِ المَشيبِ وَمَوتٍ بَعدَ وَخطتِهِ

لَو كانَ ذا عُفتُ شَرَّ الحَربِ وَالحَرَبِ ... وَما بَغَيتُكَ في ذا المَأقِطِ اللَجِبِ

لَكِنَّما المَوتُ مِنهُ لا مَناصَ وَقَد ... يَأتي بِأَيِّ سَبيلٍ كانَ أَو سَببِ

فَلتَقدِمَنَّ فَإِنَّ المَجدَ راقِبُنا ... أَوراقِبٌ مِن سَقانا غُصَّةَ النُوَبِ

لَبّى غُلوكُسُ لا يَرتاعُ مَطلَبَهُ ... وَكــــرَّ تَــــتــــبَــــعُهُ أَبــــطالُ أُمَّتِهِ

فَهالَ مَرآهُما مينِستِساً وَهُما ... هَمّاً إِلى بُرجِهِ بِالعَزمِ وَاِقتَحَما

فَسَرَّحَ الطَرفَ حَولَ السورِ مُبتَغِياً ... قَرماً يَرومُ بِهِ عَوناً يَصُدُّهُما

وَلَم يَكُن مِن سَبيلٍ لِلنِداءِ عَلى ... ما اِشتَدَّ مِن لَغَبٍ يُصمي بِضَجَّتِهِ

حَيثُ الطَراوِدُ قَد ثاروا بِمُعتَرَكِ ... يَــــبــــغونَ إِدراكَ دَكِّ السورِ لِلدَرَكِ

وَفي اليَلامِقِ وَالبَيضِ المُعَذَّبِ وَال ... أَبوابِ قَرعٌ دَوى في قُبَّةِ الفَلَكِ

فَصاحَ مينِستِسٌ بِالفَيجِ تُوُّطُسٍ ... وَقالَ طِر بِمَقالي غَيرَ مُرتَبِكِ

وَاِدعُ الأَياسينِ أَو مَهما بَدا لَهُم ... فَليَأتِ آياسُ يَرفِدني بِنجدَتِهِ

وَالرايُ هَذا فَعِندي مَوقِفُ الخَطَرِ ... وَقَومُ ليقية اِنقَضّوا عَلى أَثَري

وَإِن يَكُن جَلَّ وَقعُ الخَطبِ عِندَهُما ... فَليَأتِني اِبنُ تَلامونِ أَبو الظَفَرِ

وَليَأتِ طفقيرُ رَبُّ القَوسِ يَصحَبُهُ ... فَأَسرَعَ الفَيجُ يُنمي صِحَّةَ الخَبَرِ

قالَ اِبنُ فيتِيُّسٍ حيناً يَرومُكُما ... كِلَيكُما فَأَجيباهُ لِدَعوَتِهِ

وَالرَأيُ ذا فَلَدَيهِ مَوقِفُ الخَطَرِ ... إِذا قَومُ ليقِيَةَ اِنقَضّوا عَلى الأَثرِ

وَإِن يَكُن جَلَّ وَقعُ الخَطبِ عِندَهُما ... فَليَأتِهِ اِبنُ تِلامونٍ أَبو الظَفرِ

وَليَأتِ طفقيرُ رَبُّ القَوسِ يَصحَبُهُ ... لَبّى كَبيرُهُما يَجري بِلا حَذَرِ

وَمالَ نَحوَ اِبنِ ويلوسٍ يُشَدِّدُهُ ... لِيُحسِنُ الذَودَ فيهِم حينَ غَيبَتِهِ

قِف يا أَياسُ وَفوليميذُ لا تَهِنا ... وَحَرِّضا الجُندَ لا تَأبَ الوَغى جُبُنا

أَمضي فَأَبلو بَأَعداءٍ هُناكَ عَتَوا ... وَإِن دَفَعَتُهُمُ دَفعاً رَجَعتُ هُنا

وَسارَ يَصحَبُ طِفقيرَ الفَتى مَعَهُ ... أَخاهُ وَاِبنَ أَبيهِ النابِلَ الفَطِنا

كَــــذَلِكَ الشَهمُ فَندِيّونَ مُتَّبِعٌ ... وَراءَ طِفقيرَ يَجري في حَنِيَّتِهِ

مِن داخِلِ السورِ أَمّوهُ وَما بَرِحا ... في بُرجِهِ فَإِذا بِالأَمرِ قَد فَدَحا

وَقَومُ ليقِيَةٍ مِثلَ العَواصِفِ قَد ... تَسَلَّقوا بِوَحىً يَشتَدُّ أَيِّ وَحي

فَقُل آياسُ صَخراً هائِلاً وَعَلى ... أفِكلِسِ خِلٍّ سَرفيدونِهِم طَرَحا

جُلمودَةٌ مِن رِجالِ العَصرِ ما رَفَعَت ... يَدا فتىً رَبِّ بَأسِ في شَبيبَتِهِ

فَذَلِكَ الصَخرَ مِن ضِمنِ الوَشيعِ رَفَع ... رَحــــاهُ ثُمَّ عَلى رَأسِ العَدُوٍّ دَفَع

فَــــدَقَّ هامَتَهُ مِن تَحتِ خُوذَتِهِ ... فَغائِصاً مِن عَلى البُرجِ المَتينِ وَقَع

وَقَد بَدَت يَدُهُ البَيضاءُ عارِيَةً ... فَأَرسَلَ السَهمَ يَعروها بِرَميَتِهِ

فَشَبَّ لِلأَرضِ واهي العَزمِ يَستَتِرُ ... كَي لا يَرى الجُروحَ أَعداهُ وَيَفتَخِروا

فَأثقَلَ الغَمُّ سَرفيدونَ حينَ رَأى ... مَنآهُ لَكِنَّهُ ما نالَهُ الضَجَرُ

وَأَلقِماوونَ تَسطورٍ أَصابَ فَلَم ... يَقِف وَعاجَلَهُ بِالرُمحِ يَبتَدِرُ

وَاِجتَرَّ عامِلَهُ مِن صَدرِهِ فَهوى ... يَــــصِلُّ فُولاذُهُ مِن فَوقِ جُثَّتِهِ

مِن ثَمَّ بَينَ يَدَيهِ مُمسِكاً جَذَبا ... إِحدا داعائِمِ سَطحِ السورِ فاَضطَرَبا

وَاِسقِطَت مِن أَعالي الحُصنِ وَاِن ... كَشَفَت عَن مَنفَذٍ لِبَني طُروادَةٍ رَحُبا

فَاِنقَضَّ آياسُ يَبغيهِ وَبادَرَهُ ... طِفقيرُ يَرمي بِسَهمٍ فيهِ ما نَشِبا

حِزامَ جُنَّتِهِ الكُبرى أَصابَ فَلَم ... يَنفُذ وَزَفسُ تَلافاهُ بِقُدرَتِهِ

لَم يَرضَ مَوتَ اِبنِهِ قُربَ السَفينِ وَلا ... نَكالَهُ وَأَياسُ ثارَ مُشتَعِلا

وَكَرَّ يَكعَنُ وَالرُمحُ الحَديدُ مَضى ... في تُرسِهِ وَإِلى الأَعضاءِ ما وَصَلا

فَصَدَّ يَرجِعُ سَرفيدونُ بَعضَ خُطىً ... عَن خُطَّةِ السورِ لَكِن لَم يَهِن وَجَلا

بلَل ظَلَّ يَأمُلُ نَصراً وَاِنثَنى عَجَلا ... يَصيحُ في مَن تَلاهُ مِن عَشيرَتِهِ

يا قَومَ ليقِيَةٍ هَل خارَ عَزمُكُمُ ... فَقَد فَتَحتُ سَبيلاً في وُجوهِكُمُ

وَهَل تَيَسَّرَ لي ما صُلتُ مُنفَرِداً ... أُمَهِّدُ السُــــبــــلَ لِلأَشــــارعِ دونَكُمُ

هَيّوا اِتبَعوني فَخَيرُ الأَمرِ ما اِجتَمَعَت ... عَــــلى تَــــطَــــلُّبِهِ القُــــوّاتُ تَلتَئِمُ

فَجُملَةً وَجِلوا مِن عَذلِ مَلكِهِمِ ... وَفازَ فائِرُهُم مِن حَولِ فَورَتِهِ

وَالدانَوِيّونَ قَد ضَمّوا كَتائِبَهُم ... مِن داخِلِ السورِ لا يَلوونَ غارِبَهُم

فَما هُمُ دافِعوا أَعدائِهِم صَبَباً ... عَن ثُغرَةٍ جَعَلوا فيها مَضارِبَهُم

وَلا أولئِكَ مِـــــنـــــهُ نـــــائِلو وَطَـــــرٍ ... وَلا سَبيلٍ لِيَحتَلّوا مَراكِبَهُم

وَلَيسَ يَفصِلُهُم إِلّا الفَواصِلُ في السو ... رِ الَّذي اِشتَبَكوا مِن حَولِ فُرجَتِهِ

كَزارِعَينِ بِحَقلٍ بَعدُ ما قُسِما ... تَنازَعا كُلَّ شِبرٍ في حُدودِهُما

وَلا يَظَلّانِ في جُهدٍ وَفي عَمَلٍ ... حَتّى يُوازِنَهُ المِقياسُ بَينَهُما

كَذا تَعادَلَتِ القُوّاتُ يَسرُبُ مِن ... كِلا الفَريقَينِ سَيّالاً نَجيعُهُما

كَم جُنَّةٍ سُحِقَت في صَدرِ حامِلِها ... وَلَأُمَّةٍ خُرِقَت مِن تَحتِ جُنَّتِهِ

وَكَم فَتىً مُدبِرٍ قَد بانَ كاهِلُهُ ... فَالسَهمُ واصِلُهُ وَالرُمحُ قاتِنُهُ

وَما اِستطاعَ بَنو الطُروادِ صضدَّهُمُ ... بَلِ اِستَوى في مَجالِ الفَتكِ هائِلُهُ

كَمَرأَةٍ عالَتِ الأَطفالَ عادِلَةٍ ... عقَد أَمسَكَت عودَ ميزانٍ تُعادِلُهُ

لا تُخسِرُ الصوفَ مِثقالاً تَضِنُّ بِهِ ... عَنِ العِيارِ الَّذي أَلقَت بِكَفَّتِهِ

لَكِنَّ زَفسَ ذُرى المَجدِ الرَفيعِ ذَخَر ... لِهَكطُرٍ فَإِلى الحُصنِ المَنيعِ عَبَر

فَكَرَّ أَوَّلَهُم كَرّاً يَصيحُ بِهِم ... إيهٍ فَكُرّوا بَني الطُروادِ خَيرَ مَكَر

وَالسورَ فَاِختَرِقوا والنارَ مُضرَمَةً ... أَلقوا فَلا تُبقِ مِن أُسطولِهِم وتَذَر

فَهاجَتِ النَفسُ وَالسورَ المَنيعَ رَمَوا ... يَهِزُّ كُلُّ فَتىً رُمحاً بِراحَتِهِ

وَهَكطُرٌ في البابِ قَد ثَقُلا ... مُحَدَّدَ الرَأسِ ضَخمٌ قَعرُهُ حَمَلا

جُلمودُ صَخرٍ إِذا ما رامَ يَحمِلُهُ ... قَرمانِ مِن خَيرِ ما في عَصرِنا رَجلا

ما بُلِّغا رَفعَهُ إِلّا بِجُهدِهِما ... مِن صَفحَةِ الأَرضِ حَتّى يَبلُغَ العَجَلا

لَكِنَّ هَكطورَ يَرحوهُ بِغَيرِ عَناً ... إِذ زَفسُ أَذهَبَ عَنهُ كُلَّ ثِقلَتِهِ

نَظيرَ جِزَّةِ كَبشٍ خَفَّ مَحمَلُها ... هَيهاتِ في راحَةِ الراعي تُثقِلُها

كَذاكَ صَخرَتُهُ هَكطورُ مُحتَدِماً ... عُتفاً رَماها لِصِفقِ البابِ يُرسِلُها

قَد أَحكَموا قَفلَ مِصراعَيهِ إِذ رُتِجا ... حَتّى يَعِزَّ عَلى الأَعداءِ مَدخَلُها

وَقَد تَعارَضَ قُفلاهُ وَوَسطَهُما ... ثَقبٌ تَخَلَّلَ مِزلاجٌ بِفُرضَتِهِ

فَهَكطُرٌ مُذ أَتاهُ أَثبَتَ القَدَما ... مُفَرِّجاً بَينَ ساقيهِ رَحا وَرَمى

فَراحَ ما بَينَ صِفقَيهِ وَقَد سَحَقَ ال ... قُفلَينِ يَنفُذُ وَالصِفقانِ قَد حُطِما

وَالرَزَّتانِ اِستَطارَت قائِماتُهُما ... وَالبابُ يَصرُفُ مِن عُنفٍ بِهِ صُدِما

فَاِنقَضَّ هَكطورُ بِالفولاذِ مُتِّشِحاً ... كَاللَيلِ يَذعَرُ ذُعراً في دُجُنَّتِهِ

يَهِزُّ بَينَ يَدَيهِ عامِلَيهِ وَلا ... يَصُدُّهُ غَيرُ رَبٍّ عِندَما حَمَلا

وَاِجتازَ وَثباً وَعَيناهُ شِرارُهُما ... وارٍ وَأَلفَتَ يَدعو قَومَهُ عَجَلا

تَلَوهُ ما بَينَ عادٍ قَد تَسَلَّقَ أَو ... في البابِ جارٍ لِداوي الصَوتِ مُمتَثِلا

وَالأَرغُسِيّونَ لِلأُسطولِ قَد لَجَأوا ... في مَأزِقٍ ضاقَ مُشتَدِّ بِأَزمَتِهِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الخلل: خلل: الخَلُّ: مَعْرُوفٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الخَلُّ مَا حَمُض مِنْ عَصير الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نِعْمَ الإِدامُ الخَلُ، وَاحِدَتُهُ خَلَّة، يُذهب بِذَلِكَ … (لسان العرب)
  • الفريقين: فرق: الفَرْقُ: خِلَافُ الْجَمْعِ، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً وفَرَّقه، وَقِيلَ: فَرَقَ لِلصَّلَاحِ فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْريقاً، وانْفَرَقَ الشَّيْءُ وتَفَرَّق وافْتَرقَ. وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: لَا يُفَرَّقُ بَيْ … (لسان العرب)
  • المتين: تين: التِّينُ: الَّذِي يُؤكل، وَفِي الْمُحْكَمِ: والتينُ شَجَرُ البَلَس، وقيل: هو البَلَس نفْسُه، وَاحِدَتُهُ تِينة؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَجناسُه كَثِيرَةٌ بَرِّيّة وَرِيفِيَّةٌ وسُهْليّة وجبَلِيّة، وَهُوَ كَثِيرٌ بأَر … (لسان العرب)
  • بحكمته: حكم: اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَحْكَمُ الحاكمِينَ، وَهُوَ الحَكِيمُ لَهُ الحُكْمُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ اللَّيْثُ: الحَكَمُ اللَّهُ تَعَالَى. الأَزهري: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الحَكَمُ والحَكِيمُ والحاكِمُ، و … (لسان العرب)
  • بخيمته: خيم: الخَيْمَةُ: بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الأَعراب مُسْتَدِيرٌ يَبْنِيهِ الأَعراب مِنْ عيدانِ الشَّجَرِ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: أَو مَرْخَة خَيَّمَتْ«1» فَلَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ؛ قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وابن الأَعرابي أَعْر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قضيض الجيش مذ ذعرا
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • بذاك الغراب استطار الوحى
  • إلى الثغر هكطور زفس دفع
  • قصيدة
  • قصيدة