قالَ الفَقيرُ المُذنِبُ الجاني الأَقَلّْ
الشاعر: عبد الجليل الطباطبائي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر عبد الجليل الطباطبائي، من العصر الحديث، وتقع في 181 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قالَ الفَقيرُ المُذنِبُ الجاني الأَقَلّْ ... عَبدَ الجَليلِ ذو الخَطايا وَالزلَل
هُوَ اِبنُ ياسينَ سَليلَ الهادي ... مُستَمنِحا مَواهِبَ الجَوادِ
الحَمدُ لِلّهِ الكَريمِ المُنعِم ... مِن ذِكرِهِ أَنس الحَنيفَ المُسلِم
ثُــــمَّ الصَــــلاةُ مَــــع سَــــلامٍ دائِم ... عَلى النَبِيِّ المُصطَفى مِن هاشِم
وَالآلُ وَالأَصــــحــــابُ وَالأَتباعُ ... ما لَذَّت النُزهَةُ في الطِباع
وَبَعدَهُ فَخَيرٌ لِذاتِ الدِنا ... طَيِّبُ اِجتِماعٍ بِالكِرامِ الفَطنا
لا سيما في مُنتَزَهٍ رَضي ... يُفصِحُ كُلٌّ فيهِ ما قَد يَقتَضي
مِن كُلِّ مَعنى في الحَديثِ مُبتَكَر ... كَأَنَّهُ زَهرُ الرِياضِ في البكر
تَجني ثِمارُ الجِدِّ في فُنونِ ... طــــوراً وَطــــوراً مِــــلح المَجون
فَذاكَ لا رَيبَ أَهنى مُكتَسَب ... لا يَرتَوي مِنهُ الظَريفُ ذو الأَدَب
كَذا أَبو الوَليدُ عَبدِ المَلِك ... قَد صَحَّ عَنهُ أَن ذا عَنهُ حَكي
مِن قَولِهِ شَبِعَتُ مِمّا أَشتَهي ... إِلّا أَحاديثُ الرِجالِ النبه
وَكانَ مِمّا يَسُرُّ الرَبُّ الحَفى ... أَنّا خَرَجنا نَقصِدُ النُزهَةَ في
صُبحِ الخَميسِ النِصفِ مِن شَهرِ رَجَب ... في خامِسِ الحوتِ وَذا فَصل يُحِب
مِن سنة في ضَبطِها أَرخنا ... عَني لِلنُزهَةِ قُل خَرَجنا
في رِفقَة غر الوُجوهِ كَمل ... ما مِنهُم إِلّا فَصيحَ المَقول
قَومٌ كِرامُ مِن كِرامٍ تُنمى ... مِمَّنـــ زَكى خالاً وَطابَ عَمّا
قَد مَلَكوا مَحاسِنَ الأَخلاقِ ... مِــــن كُــــلِّ قُرم لِلعَلى سَبّاق
باعوا الخِلافَ وَاِشتَروا وِفاقا ... فَالكُلُّ في حُسنِ الطِباعِ فاقا
قَد أَوثَقوا العَهدَ عَلى صِدقِ الإِخا ... في حالَةِ الشِدَّةِ أَو حالِ الرَخا
مِن طَبعِهِم إِيثارُ ما تَشاءُ ... لَهُم بِذلِكَ اليَد البَيضاء
أَنعَم بِهِم مِن مَعشِرَ أَكارِم ... قَد اِرتَقوا إِلى ذَرى المَكارِم
جَزاهُم اللّهُ بِخَير ما جَزى ... لِصالِحِ الإِخوانِ في يَومِ الجَزا
وَقَد أَزاحَ اللّهُ عَنّا الثِقَلا ... فَلا تَرى إِلّا ظِرافا نُبَلا
غِلمانُنا كُل خَفيف الروحِ لا ... يَنفَكُّ في بَشر وَطبع سَهلا
لا يَعبِسونَ في صُعوبات الخَدم ... يَخشونَ أَن يُقالَ فيهِم ما يُذَم
مِن كُلِّ سِباقٍ إِلى المُرادِ بِهِ ... كُلٌّ أَبى سِبقاً يَرى لِصاحِبِهِ
سِلاحَنا الأَسيافُ وَالبَنادِقُ ... وَبِالرِمايَةِ الجَميعُ حاذِق
وَقَد صَحِبنا مَعَنا أَسفارا ... نَقطِفُ مِن أَسطارِها أَزهارا
مِــــن نُكتَةٍ نادِرَةٍ لَطيفَه ... تَختارُ لِلسَّمعِ بِها تَشنيفَه
أَو بَيتِ شِعرٍ ذي مَعانٍ حالِيَه ... أَو قِصَّةٍ عَنِ القُرونِ الخالِيَه
كَذلِكَ الفِقهُ لَدَينا مِنهُ ... ما لَم يَكُن لَنا غِناءً عَنهُ
كَذا مِنَ الحَديثِ سِفر كافي ... وَهُوَ لِداءِ الجَهلِ خَيرُ شافي
قَد اِمتَطَينا قارِبَينِ حَفا ... بِحُسنِ تَيسيرِ الإِلهِ لُطفا
قَد أَحكَما صِناعَةَ وَعِدَّه ... أَسرَعُ مِن طَرف تَطيلُ مَدَّه
أَرفَه مَركوب وَفي خَير مَقَر ... تَضَمنا ضَم الصَناديقِ البَدر
لا كَالجَوارِ المُنشَآتِ في العَظمِ ... إِذا رَأَيتَها حَسِبتَها عَلم
بَل إِنَّما هُما لَطيفاً جَرم ... لَيَجرِيا في البَحرِ إِذ لَم يَطُم
لَمّا رَكِبنا كانَتِ الريحُ لَها ... تَحَرُّكَ مُطابِق لِلمُشتَهى
سِرنا عَلى اِسمِ اللّهِ في مَجراهُما ... كَذاكَ بِاِسمِهِ لَدى مَرساهُما
حَتّى قَدَّمنا بِاِعتِجالُ سَترِهِ ... وَاللّهِ مُسبِل عَلَينا سَترَهُ
تَرى بِها النَخيلُ باسِقاتٍ ... مِـــــن كُـــــلِّ نَــــوعٍ لَذَّ لِلجِــــنــــات
فيها يَنابيعُ المِياهِ قَد جَرَت ... في بَرِّها وَبَحرِها تَفَجَّرَت
فَمَد نَزلناها ضَحى النَهارُ ... في دارِ بَخاخ بِلا اِستِقرار
أَقبَلَ دَعبَل بِما نَحتاجُ لَهُ ... مِن حَطَب النَخلِ وَذاكَ ناقِلَه
مِن ذلِكَ الأَكّارُ أَكارِ السَري ... مُبارك الاِسمُ كَريمُ العُنصُر
نَجلُ الهِمامِ الباسِلِ المِغوارِ ... إِذا عَــــلَت غَــــياهِبُ الغُبار
وَخَــــفَّ قَــــلبُ البَــــطَــــلِ الكــــرار ... تَلقاهُ عِندَ الرَوعِ مِثلُ الضاري
يَخضِبُ مِتنَ الصارِمِ البَتار ... مِن هامَّةِ القَرم الجَرِيِّ الواري
عَنَيتُ عَبدَ اللّهِ نَجلُ أَحمَد ... سامي الذَرى رَبُّ العُلى وَالسودد
الماجِدُ النَدبُ الجَوابُ العَبقَرِي ... كَهفُ العُفاةِ غَيثُ مَحل مَغبَر
أَمَّ الوَفــــودُ نَــــحــــوَهُ أَفواجا ... لِرَفدِهِ قَد قَطَعوا الفِجاجا
يُــــعــــرَفُ كُــــلُّ بــــاغِــــض حَسود ... بِـــــأَنَّهـــــُ الوَفِـــــيُّ بِـــــالعُهــــود
عــــاشَ بِهِ الجــــارُ عَلى الوِقار ... فــــي مَــــنــــعَــــة وَعِزَّة الجِوار
مِن مَعشَرٍ شَمَّ تَعاقَدوا عَلى ... حُسنِ السَجايا وَاِكتِسابٍ لِلعُلى
آلَ خَليفَة عِظامُ المَفخَرِ ... مِن كُلِّ قَرم ماجِد غَضَنفَر
وَمُذ غَنِمنا نُزهَةَ الجَزيرَه ... سِرنا إِلى جَوٍّ بِحُسنِ سيرَه
المَــــنــــزِلُ الَّذي عِــــفتُ رُسومَهُ ... مُذ أَفلَتَ مِن أُفُقِهِ نُجومَه
مِن بَعدِ ما كانَ مَحَطَّ الرحل ... يَلقى بِه االطارِقُ خَيرَ أَهل
وَمَــــعــــقَلُ الوُفودِ وَالضُيوفِ ... وَمَــــأمَــــنُ الطَريدِ وَالمَخوف
يُــــــزَيِّنــــــُهُ غُــــــرٌّ بِهِ ســـــكـــــان ... هُم الحُماة الصَيدِ وَالشُجعانُ
مِن كُلِّ فاضِل نَقِيِّ العَرضِ ... أَشَــــم غَطريف جَواد مَرضي
دار لِرَبّــــاتِ الحِــــجــــالِ الخُــــرَّد ... مِن كُلِّ هَيفاءَ بِقَد أَميد
ذاتُ اللُمى المَعسولِ وَالثَغرِ الشَنَب ... وَعَقرَبُ الصَدغِ إِضناها تَدب
تُرسِلُ مِن شُعورِها أَفاعِيا ... تَنهَشُ قَلبَ الصَب وَهيَ ماهِيا
فَأَصبَحَت أَطلالُها تُسائِلُ ... أَينَ الدُمى وَهاتِكَ الخَلاخِل
قَضى عَلَيها الدَهرُ بِالخَرابِ ... حَتّى غَدَت مَساكِنُ الضَباب
وَذاكَ أَمرُ اللّهِ حَيثُ أَحكَمَهُ ... بَدا بِأَهلِها اِختِلافُ الكَلِمَة
وَاِحتَوشَت أَرجاءُ أَهلَيها العِدى ... جُندُ سُعود وَالَّذي بِهِ اِعتَدى
ظُلماً فَجاءَها بِكُلِّ مَصلَت ... وَقَــــد أَمَدَّهُم إِمامُ مَسكَت
وَبَعضُ أَهلَيها نَحى الخِيانَةِ ... بَغياً بِلا جُرمٍ وَلا اِمتِهانَه
بَــــل قــــادَهُــــم لِذلِكَ الرَجــــيــــمُ ... وَمَــــن يَــــخــــونُ غــــادِرَ ذَمــــيــــم
فَاِختارَت الأَشياخَ مِنها الرِحلَة ... مِن قَبلُ أَن تَلحَقَهُم مَذَلَّة
فَعادَت الدارُ طُلولا خاوِيَة ... فَلا يُجيبُ الرُبعُ مِنها داعِيَة
سَوى فَريقٌ حَلَّ مِنها ناحِيَة ... وَكُلُّهُم في الصَيدِ هادَ داهِيَة
مُــــمَــــيَّز الأَجــــناسُ وَالأَنواعُ ... في سَردٍ أَسماها طَيلَ الباع
لا يَجهَلُ الحيتانُ فَرداً فَرداً ... يُعرَفُ بدء صَيدُها وَالحدا
مَن حاذق في صَيدِها مَنعوت ... شِــــــبــــــاكُهُ آفَــــــةٌ كُـــــل حـــــوت
يَقولُ هذا النَوعُ فَصلُهُ دَخل ... يَرى غَداً وُسطَ الشِباكِ قَد حَصَل
وَفَصلُ ذا قَد اِنتَهى مِن أَمسِ ... فَلَم يَرُد بَعدَ غَد في حَدسي
فَبادَرونا مِنهُ بِالغَضِّ الطَري ... مِن خَيرٍ مَوجودٍ بِزُعمِ المَخبَر
وَكُل جَرجور طَويلِ السَيفِ ... فَأَكثِروا مِنهُ بَغَيرِ حَيفِ
وَقَد وَرَدنا مَنهَلا مُستَصفى ... فيها مَريئاً سُكَّرِيّاً أَصفى
بِتنا ثَلاثاً فيهِ بِالتَوالي ... لِعِــــــبــــــرَةٍ بِهـــــالِكِ الأَطـــــلالِ
ثُمَّ اِرتَحَلنا الصُبحَ لَلجَنوبِ ... فَزادَ فينا الريحُ بِالهُبوبِ
حَتّى تَجاوَزنا ضُحى حَدِّ الجَمَل ... هُناكَ أَرسَينا بِمَنزِلٍ يُمَل
في قِفرَة لَيسَ بِها أَنيسُ ... إِلّا اليَعافيرُ وَإِلّا العيسُ
ثُمَّ قَطَعنا مُنتهَى البَحرَينِ ... صُبحاً وَجَريُ الريحِ بِالهَوينُ
حَتّى نَزَلنا الرَأسَ لِلعياشِ ... مِن غَيرِ إِزعاجٍ وَلا اِنكِماشِ
بِتنا بِأَرضِ خَيرٍ ما فيها الحَطبِ ... لكِنَّ مِنَ الشَمسِ أَتى بَعضُ التَعَبِ
ما شَأنُها إِلّا مخاض طالا ... لِبُعدِهِ قَد أَتعَبُ الرِجالا
وَأَصبَحَ الضَبابُ كَالنِساجِ ... بَــــرداً يَــــمُدُّهُ عَلى الفِجاجِ
وَقَد تَرَكنا ذلِكَ المَكانا ... وَغَيرِهِ نَحَتهُ قارِبانا
وَذلِكَ اليَومُ الهَوى عنا ركد ... بِقَدرِ ما يَنسِجُ في البَحرِ زَرَد
حَتّى تَجاوَزنا إِلى دوباس ... في رَبوَةِ بِتنا شَمالَ الراس
يا حَسنُهُ مِن بَندَر مَقارِب ... حَبلُ الخِباء عِندَ حَبلَ القارِب
أَرضٌ بِهــــا تَــــنــــشَــــرِحُ الصُــــدورِ ... عَنها تَقولُ الصحب لا نَسير
في رَملَةٍ كَأَنَّها الدَهناءُ ... طِـــــــيَّةـــــــ لَذَّ بِهــــــا الثَــــــواءُ
رِياضَها تَحَفُّها كِثبانُ ... يَنبِتُ فيها الشَيحُ وَالحوذانُ
كَــــذلِكَ الطُــــرَفــــاءُ وَالثِــــمــــام ... وَالمَــــرخ وَالأَرطــــاة وَالرِمــــرام
فيها كَثيبُ زانٍ بِاِرتِفاع ... تَنظُرُ مِنهُ غالِبُ البِقاع
يا طيبُ لَيلَتَينِ قَد بِتناها ... في هاتِكَ الرَبوَةُ ما أَهناها
فيها أَتانا اِبنُ هِلالٍ جُمعَه ... إِذ مازَجَ اللُؤمُ عِياناً طَبعَه
لا يُحسِنُ القَولَ وَلا اِستِماعَهُ ... يَحسَبُنا نَغصِبُهُ مَتاعَه
نَقولُ بِعنا بَعضَ ذي الحيتانِ ... بِها تَرى مِن أَحسَنَ الأَثمانِ
بِحُكمِكَ الجائِرُ نَحنُ نَرضى ... فَاِحكُم وَخُذ وَأَدِّ هذا البَعضا
وَهُوَ يَصيحُ إِنَّكُم نهابَة ... وَلَم يَــــزَل بِهــــذِهِ المَــــثــــابَــــة
قُـــــلتُ دَعـــــوَه وَدَعـــــوا جَـــــرابَه ... هذا مِنَ القُبحِ حَشا إِهابَه
لا خَيرَ في غالِبٍ جَلابي السمك ... طِباعَهُم لِلُّؤمِ تُغني عَن شِركِ
ثُمَّ اِرتَحَلنا الصُبحَ لَلشَمالِ ... نَطوي قُرى الساحِلِ بِالتَوالي
نَقولُ ذي الزَلاقِ قَلعَةٌ صَدَد ... نَنطُرُها مِن سبد وَمِن لَبَد
لَم يَكُن الساحِلُ ذا اِبتِعاد ... مَلاحِنا يُجيبُ نَجوى الحادي
وَذلِكَ النَهارُ قُلنا في العَقا ... رِيَة المُقيلِ فيها لَم يَطق
فيها البَعوضُ صائِلُ وَالساحِلُ ... في النُتنِ ذاكَ مُستَراحُ سائِل
تُظِلُّنا عَرشُ بِها وَخَيمَة ... يا قُبحِها منازِلا ذَميمَة
مَبيتُنا كانَ برمل سلس ... بِخَير مَوضِع لَطيفٌ سَلِس
أَنزه سبسب مِنَ الصَحاري ... فـــــي قُـــــربِ جَــــدوَلِ زَلالٍ جــــاري
فيها بَشير جاءَ بِالمَطعوم ... كُل لَذيذ ساغٍ في الحَلقوم
وَأَم نَعسان نَحوِها عِبرُنا ... وَمُذ رَأَينا وَضَعها اِعتَبَرنا
شاطِئُها غَرباً بِهِ كَهف جَبَل ... بِطولِهِ يَقطُرُ ماءً لِلنَهلِ
يَجري إِلى البَحرِ وَيَنبِتُ القَصب ... بَينَهُما وَذاكَ مِن أَوفى العَجَب
فَالمَوجُ يُرقى لا يُميتُ الوَجمَه ... وَكُلُّ صُنعُ اللّهِ جَل أَحكُمُه
في الكَهفِ حَوضٌ فيهِ صَبُّ البارِدا ... مِنهُ اِرتَواءُ مِن يَمُرُّ وارِدا
وَإِن في أَثنائِها أَوفى جَبَل ... دَكدَكَ بَعضُهُ وَباقيهِ قَلَل
وَفــــيــــهِ كَــــم مَغارَة مُظِلَّة ... لَيسَت عَلى الداخِلِ بِالمَضَلَّة
وَبَعضُها يُشبِهُ نَحتَ العَمَل ... وَمَوضِعُ البابِ مَعَ القِفل جَلي
حَــــوضٌ مَــــريــــع أَتى في ذَروَتِهِ ... مَجرى السُيولِ قاصِد لِوَجهَتِهِ
وَبَعضُ عِشبِ مَزهر في سَفحِهِ ... تَستَنشِقُ الطيبَ بِشم نَفحِهِ
فيها مَراعي شَمِلَت أَكنافَها ... تُغني وَلَو لَم تُبلِغَن أَطرافَها
وَقَد أَتانا العَصرُ إِبراهيمُ ... فيها هُوَ اِبنُ أَحمَد النَديم
يُغَنّيكَ عَن سُمَيِّهِ وَنَجلِهِ ... الموصَلِيَّينِ بِحُسنِ فَضلِهِ
فَن المويسيقى غَدا أُستادُهُ ... مَع حِفظِ ما نَطلُبُهُ إِنشادُه
مِن آلِ بَرمِكَ نَشا في البَصرَةِ ... لَهُ بِهــــــا قَـــــبـــــيـــــلَةٌ وَأُســـــرَ
وَقَد رَأى الصَحبُ بِها كَم حَية ... مَيِّتَة فيها وَكَم مِن حَيَّة
لِما تَرَكناها أَتى المَسيرُ ... بَــــيــــنَ جَزائِر بِها الطُيور
ما بَينَ واقِع بِها أَو طائِر ... قــــاطِــــنَــــة بِهــــاتِكَ الجَزائِر
تَرتاعُ مِن شِدَّةِ جَري الماءِ ... لِضيقِ مَجرى هاتِكَ الأَرجاءُ
حَتّى نَزَلنا في فَناءِ القَلعَه ... وَالنَخلِ حَولَها أَبان طَلعَه
فَجاءَنا ريحانُ فيها عازِما ... وَاِبنُ رَضِيٍّ عازِماً مُنادِماً
مُر بِنا في عامِر النَخيلِ ... راقَت وَلَو بِظِلِّها الظَليل
أَشجارُها تَنَوَّعَت أَزهارُها ... غَنى عَلى أَفانِها هَزارُها
كَأَنَّما الأَترَجُ في الأَوراقِ شَب ... في خَيمَةٍ خَضرا قَناديلُ ذَهَب
وَزَهرُهُ في قُمعِهِ كَأَنمَلَه ... مِــــن فِــــضَّةــــٍ زُمــــرداً مُــــكَــــلَّلَه
وَالوَردُ فيها قَد زَها اِحمِرارُهُ ... كَــــم سَكَرتَ بِظِلِّهِ أَطيارُه
وَخَــــوخها مُعَطَّر الأَفياء ... وَزَهــــرَهُ كَــــالقُبَّةـــ الحَمراءِ
وَالماءُ جارٍ قَد صَفَت جَداوِلُهُ ... وَاِستَعذَبَت لِوارِدِ مَناهِلُه
مَنظَرُ هذي القَلعَةِ العَظيمَةِ ... تَعرِفُ مِنها أَنَّها قَديمَة
أَركانُها مُحكَمَة البِناء ... بِــــطُــــرفِهــــا تُشيرُ لِلسَّماء
صُخورُها مَنحوتَة مُرَبَّعَة ... عَظيمَة السُمكِ بِطولِ وُسعَة
فَسيحَة بَديعَة التَفصيل ... يَقصُرُ عَنها الوَصفُ بِالتَطويل
حاطَ بِها سوران ثُمَّ الخَندَقُ ... يُــــعــــجَبُ راءٍ عَرضُهُ وَالعُمقُ
قُصورُها ناءَت عَنِ التَقصير ... وَقَد زَهَت بِزُخرُفِ التَعمير
تَرى بِها عَجائِبُ المَباني ... دَلَّت عَــــلى عُلُوٍّ شَأنٍ الباني
مَن شادَها مُرادَهُ التَخليدُ ... إِذا ما عَلى أَحكامِها مَزيدُ
وَقَد قَضى اللّهُ بِنَفي الخُلدِ ... وَطــــالِبُ الخِــــلافِ غَــــيرُ مَهدي
فَاِنكَشَفَتُ لِذاكَ خَيبَةُ الأَمَلِ ... إِذ رَجِعَت تِلكَ المَقاصيرُ طَلَل
بِها اِعتِبارٌ لِذَوي الأَبصارِ ... دَلَّ عَلى نَفاذِ حُكمِ الباري
فيها أَتانا ناصِر اِبنُ زين ... فَنِعمَ صاحِبٌ وَخَير خَدن
أَفــــادَنــــا بِسائِرِ الأَسعارِ ... وَما طَرا مِن حادِثِ الأَخبار
وَبَعدَما مِلنا إِلى الرُجوعِ ... لِلأَهلِ قَبلَ آخِرِ الأُسبوعِ
هَبَّ عَلَينا عاصِفُ الشَمالِ ... فَلَم نَجِد وَجهاً لِلاِرتِحالِ
ثُــــمَّ تَــــوَجَّهــــنــــا إِلى البِــــلادِ ... بِخَيرِ حالٍ مُقتَضى المُراد
في ضَحوَةِ الخَميسِ مُنتَهى رَجَب ... جِئنا إِلى المَكانِ إِذ نِلنا الأَرَب
بِهِ اِنتَهَت رِحلَتَنا المَيمونَة ... بِطالِعِ السَعدِ أَتَت مَقرونَة
سَمِّيتُها بِنُزهَةِ الجَليسِ ... حَيثُ بَدَت بَديعَة التَأسيس
وَبَعدَ ذا أَستَغفِرُ اللّهَ الَّذي ... لَم نَرَ غَيرِ عَفوِهِ مِن مُنقِذ
يــــا مالِكِ المُلكِ وَيا رَبّاهُ ... يا سامِعِ العَبدِ إِذا دَعاهُ
يــــا واجِــــبِ الوُجــــودِ يــــا أَللّه ... يا مَوئِلِ العاني وَمُلتَجاه
يا راحِماً لَيسَ لَنا سِواهُ ... اِدعوكَ يا غَوثاهُ يا غَوثاه
أَغث عُبَيداً خافَ ما جَناهُ ... إِذ لَم يُــــخــــالِفُ لَحــــظَة هَواه
فَاِرحَم مَقَرّاً بِالذُنوبِ تائِباً ... باكَ ذَليلاً ذا اِفقِتارِ شائِباً
وَاِمحِ إِلهي صُحُفَ الخَطايا ... فَضلاً فَأَنتَ مَوجِدُ العَطايا
وُجودُكَ الواسِعُ لَن يَضقِيا ... بِنا فَقُل يا عَبدُ كُن عَتيقا
مِنَ العَذابُ وَالحِساب المُتعَب ... إِذا جَثا الخَلقُ غَداً لِلرُكب
وَالطُف بِنا في كُلِّ ما تُقَدِّر ... وَعافِنا مِن كُلِّ أَمر يُحذر
وَاِعفُ عَنِ الآباءِ وَالجيرانِ ... وَعَم بِالعَفوِ ذَوي الإيمانِ
وَاِغــــفِــــر لِأَهلي وَكَذا أَولادي ... كَذاكَ أَصحابي مَعَ الأُستاذِ
وَاِبعَث إِلهي نَفحَة ذَكِيَّة ... مِن عاطِر الصَلاةِ وَالتَحِيَّة
عَلى الحَبيبِ الهاشِمِيِّ الهادي ... لِمَهــــيَــــع النَــــجــــاة وَالرَشــــاد
سَــــــــيِّدِنــــــــا مُـــــــحَـــــــمَّد وَآلِهِ ... وَصَــــحــــبِهِ وَمَن عَلى مِنوالِهِ
ما أَضحَكَ الرَوضُ بُكاء المَزن ... أَو كَشَّفَ البَدرُ خِمارَ الدجَن
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الحنيف: حنف: الحَنَفُ فِي القَدَمَينِ: إقْبالُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الأُخرى بإبْهامها، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْحَافِرِ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَقِيلَ: هُوَ مَيْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الإِبهامين عَلَى صَاحِبَتِهَا حَ … (لسان العرب)
- الطباع: طبع: الطبْعُ والطَّبِيعةُ: الخَلِيقةُ والسَّجيّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا الإِنسان. والطِّباعُ: كالطَّبِيعةِ، مُؤَنثة؛ وَقَالَ أَبو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ: الطِّباعُ واحدٌ مُذَكَّرٌ كالنِّحاسِ والنِّجارِ، قَالَ الأَز … (لسان العرب)
- الفطنا: طنأ: الطِّنْءُ: التُّهمَةُ. والطِّنْءُ: المنْزِل. والطِّنْءُ: الفُجور. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وضارِيةٌ مَا مَرَّ إلَّا اقْتَسَمْنَه، ... عَلَيْهِنَّ خَوّاضٌ، إِلَى الطِّنْءِ، مِخْشَفُ ابْنُ الأَعرابي: الطِّنْءُ: الرِّيبةُ. … (لسان العرب)
- المذنب: ذنب: الذَّنْبُ: الإِثْمُ والجُرْمُ وَالْمَعْصِيَةُ، والجمعُ ذُنوبٌ، وذُنُوباتٌ جمعُ الْجَمْعِ، وَقَدْ أَذْنَب الرَّجُل؛ وَقَوْلُهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي مناجاةِ مُوسَى، عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: … (لسان العرب)
- المسلم: سلم: السَّلامُ والسَّلامَةُ: الْبَرَاءَةُ. وتَسَلَّمَ مِنْهُ: تَبَرَّأَ. وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي: السَّلامة الْعَافِيَةُ، والسَّلامةُ شَجَرَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً، مَعْنَاه … (لسان العرب)
- المنعم: نعم: النَّعِيمُ والنُّعْمَى والنَّعْمَاء والنِّعْمَة، كُلُّهُ: الخَفْض والدَّعةُ والمالُ، وَهُوَ ضِدُّ البَأْساء والبُؤْسى. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ؛ يَعْنِي فِ … (لسان العرب)