طأطِئِ القلبَ للرَدى والهوانِ

الشاعر: سميح القاسم · البحر: الخفيف

هذه القصيدة من شعر سميح القاسم، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

طأطِئِ القلبَ للرَدى والهوانِ ... يا شفيع الحياة والعنفوان

طأطِئ القلبَ يا وريث المآسي ... ومغيثَ الرمادِ بالنيرانِ

طأطئ القلبَ بين موتٍ وموتٍ ... وتقلَّبْ على لظى الفُقدانِ

لم تكفكفْ على ابن نَهْيَانَ حُزناً ... يومَ نادى بياسرٍ نعيانِ

نعي شعبٍ غَالتْ عليه شعوبٌ ... وبلادٍ غابتْ عن الأوطان

فارسْ القدسِ كفنته المراثي ... بالمراثي للفارس النَّهْياني

يا الإماراتُ في فلسطين دوتْ ... فجأة النَّعي بين قاص ودانِ

النــــواقــــيــــسُ رنَّمــــتْ بــــوداع ... وتــــنــــادتْ أوجاعُه بالأذانِ

وإمامُ الجِراحِ في القدسِ صَلَّى ... للغياب المقيم في الوجدانِ

زايد الوقت بُرهةً من أمام ... في عهود النكوص والنقصانِ

زايد الحكم حكمةً ووقاراً ... في ارتطام الجنونِ بالطغيانِ

ومحيل الصحراء بستان وعدٍ ... وبــــهــــاءٍ ونــــهــــضة وأمانِ

طأطئ القلبَ والعروبة تنعى ... شيخَها الشهم شمعة الديوانِ

عابدَ الله والمجالُ طغاةٌ ... فَتَنَتْهم عبادةُ الأوثانِ

راعي الناسِ إخوة لا قطيعاً ... مستغيثاً من قسوة الرعيانِ

بــــدويُّ الخــــصالِ بَسَّاط كفّ ... ليجيرَ الإنسانَ بالإنسانِ

ويقيلَ القريبَ من عَثَراتٍ ... ويُعيلُ الغريبَ من حرمانِ

عُمَريُّ الصفاتِ عزماً وعدلاً ... يعربيُّ الفِعالِ والإيمانِ

في خليجِ التاريخ شادَ صروحاً ... وبيوتاً على ضفافِ الزمانِ

شادَ في مصرَ والشامِ مُعيناً ... مستعيناً برحمة الرحمنِ

مغدقاً للعطاء في غير مَنٍّ ... مستجيبا للواحدِ المنّانِ

طأطئ القلبَ يا شموخَ القوافي ... وتجمَّلْ بالصبرِ قَبْلَ البيانِ

وتحمَّلْ ما لا تطيق احتمالاً ... وتأمل من محنتي ما دهاني

بين أيدي الأحزانِ أودعت تاجي ... والمآسي منحتها صولجاني

مَن تُراني حتى أطيقَ رثاء ... ورثاء لا ينتهيـ. من تراني؟

من شهيد يزفه شهدائي ... لشهيد من ناره غَلَياني

والأحباءُ يرحلونَ تباعاً ... وسراعاً.. تَسهّلوا إخوانيـ!

أشتهي لي في العمر لحظة زَهوٍ ... أشتهي ليـ.. وبُرهة للتهاني

أرهقتني عواصفُ الموت روحاً ... وجموحاً وصدّعت أركاني

أيها الموت لو تريح قليلاً ... فكفاني يا مُرهقي ما كفاني

أيها الموتُ منك أنتَ أعاني ... وأعاني من الحياة أعاني

همُّ شعبي هَمّي وهمُّ بلادي ... وشجونُ الوجودِ من أشجاني

ذاكَ شأنيـ، كِبْري على كبريائي ... وصدودي عن مورْدِ الأقنان

ذاكَ شأنيـ، قصائدي وجموحي ... بلهيبِ الكفاحِ في الميدانِ

وثباتي في غابتي حَوْل أُسْدي ... واطّراحي النجاة للفئرانِ

واعتصامي بالله ما بين أهلٍ ... خَصَّبوا القحطَ من بني عدنانِ

أيها الموتُ فاتَّئدْ ليس فينا ... من يُداري ضراوة الحَدثَانِ

أيها الموتُ واتَّئِدْ ليس منّا ... مستكين لسطوة الطوفانِ

نحن أهل الجهاد كرَّاً وكرَّاً ... ورفــــاقُ الزلزالِ والبــــركــــانِ

ما لَوانا عن قيصر الروم جيش ... أو ثنانا كسرى أنوشروانِ

هكذا نحنُ لم نحدْ عن صراطٍ ... مستقيمٍ في عتمةِ الخذلانِ

كم كبَوْنا في عثرةٍ ونهضنا ... وَنَبَونا.. لكنْ لشوطٍ ثانِ

داهمتْنا الوحوشُ من كلّ فَجٍّ ... وتَــــوالت شــــراذمُ القــــرصــــانِ

وولاة الأمورِ فينا قُعودٌ ... وســــجودٌ للذئب والثعبانِ

وهُواة الأقلامِ عاثوا هواءً ... بمعانٍ سودٍ وحبرٍ قانِ

بين سُكْرٍ على الحروفِ وَصَحوٍ ... لصداها في محفلِ الشيطانِ

وحواة الكلام في سيرك لغوٍ ... عربيٍّ.ـــ. لكنه جِرْماني

في قميئ القميء لجوا وضجّوا ... فاشمأزتْ مثالثٌ ومَثانِ

واستطالوا وشنشنوا واشرأبوا ... بثغاءِ التخلُّفِ الجوّاني

مَسَخَتْهم ثقافة مَسَخوها ... وأشارتْ لحمقهم بالبَنانِ

ربطة العنقِ وحْدها ما استزادوا ... عن عصور الإبداع والإتقانِ

حقنونا بالسمِّ حبراً زعافاً ... باسم سرٍّ مقدّسٍ رَبّاني

واضطَربْنا على المذاهب عُمياً ... وَضَرَبْنا بالمسلم النّصراني

وانقلبنا عن جذرنا وعرانا ... واغتربْنا عن بيتنا القحطاني

محنة تلكـ، والحياة امتحانٌ ... ويميناً نبقى جوادَ الرّهانِ

ويميناً نَنْضو العواصفَ عنّا ... ويصيحُ الربّانـ: برُّ الأمانِ

ونحط الرِّحالَ شعباً وشمساً ... في أعالي الجبالِ والوديانِ

ونُظِلُّ الدروبَ بالبيلسانِ ... ونوشّي الساحاتِ بالأقحوانِ

سرُّنا الحيُّ كوكب أبدي ... عَلَّمَ الأرضَ مهنة الدّورانِ

وأتحْنا الزكاةَ للجسماني ... وَمَنَحْنَا المشكاة للروحاني

ووهبْنا التوراةَ أفقاً رحيباً ... وحَضَنَّاــ الإنجيلَ بالقرآنِ

وأضاءَتْ شموعَنا بالأماني ... وأنارتْ دموعنا بالأغاني

وعذابات أمنا أورثَتْنا ... حكمة القمحِ من حقولِ الزؤانِ

عربٌ نحنُــ، والعروبة رؤيا ... لا دماءٌ تسيلُ في شريانِ

عربٌ نحنُـ، والعروبة معنى ... نــــبــــويٌّ للحــــب والعــــرفــــانِ

عربٌ نحنــ، والعروبة حقٌّ ... وجــــمــــال ونــــازع نــــورانــــي

ليسَ منّا رَدْم وطاغ زنيم ... مُستبدٌّ يَعْتو بطبْع الجبانِ

ليسَ من يقهرُ اليتيمَ أبانا ... أو أخانا مُطففُ الميزانِ

وحَلَفْنا على الحياةِ يميناً ... نتبارى خيراً على عُمرانِ

أيها الموتُ فاحتشم أو فداهِم ... مُهلة العُمرِ في يدِ الديّانِ

لم تؤخِّر ولم تُقدّم منايا ... حكمة اللهِ سَوْرَة الأحزانِ

وعزاءُ الشعوبِ في راحليها ... ما أدامتْ مآثر الإحسانِ

وعــــزائي بــــزايــــد وأخــــيــــه ... ياسرِ القدسِ نخوةُ الفرسانِ

وعــــزائي فــــي إخوةٍ ورفاقٍ ... من سرايا الأحرارِ والشجعانِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الفقدان: فقد: فَقَدَ الشيءَ يَفْقِدُه فَقْداً وفِقْداناً وفقُوداً، فَهُوَ مَفْقُودٌ وفَقِيدٌ: عَدِمَه؛ وأَفْقَدَه اللَّهُ إِياه. والفاقِدُ مِنَ النساءِ: الَّتِي يموتُ زَوْجُها أَو ولدُها أَو حَمِيمُهَا. أَبو عُبَيْدٍ: امرأَة فاقِ … (لسان العرب)
  • المراثي: (رَثَى) الرَّاءُ وَالثَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصَيْلٌ عَلَى رِقَّةٍ وَإِشْفَاقٍ. يُقَالُ رَثَيْتُ لِفُلَانٍ: رَقَقْتُ. وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُهُمْ رَثَى الْمَيِّتَ بِشِعْرٍ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: رَثَأْتُ … (مقاييس اللغة)
  • النعي: (نَعَى) النُّونُ وَالْعَيْنُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ: أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى إِشَاعَةِ شَيْءٍ. مِنْهُ النَّعِيُّ: خَبَرُ الْمَوْتِ، وَكَذَا الْآتِي بِخَبَرِ الْمَوْتِ يُقَالُ لَهُ نَعِيٌّ أَيْضًا. وَيُقَالُ: نَعَا … (مقاييس اللغة)
  • النهياني: نهي: النَّهْيُ: خِلَافَ الأَمر. نَهاه يَنْهاه نَهْياً فانْتَهى وتَنَاهَى: كَفَّ؛ أَنشد سِيبَوَيْهِ لزياد بن زَيْدٍ الْعُذْرِيِّ: إِذَا مَا انْتَهَى عِلْمي تَنَاهَيْتُ عندَه، ... أَطالَ فأَمْلى، أَو تَنَاهَى فأَقْصَرا وَق … (لسان العرب)
  • بالمراثي: (رَثَى) الرَّاءُ وَالثَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصَيْلٌ عَلَى رِقَّةٍ وَإِشْفَاقٍ. يُقَالُ رَثَيْتُ لِفُلَانٍ: رَقَقْتُ. وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُهُمْ رَثَى الْمَيِّتَ بِشِعْرٍ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: رَثَأْتُ … (مقاييس اللغة)
  • بالنيران: نير: النِّيرُ: القَصَبُ وَالْخُيُوطُ إِذا اجْتَمَعَتْ. والنِّيرُ: العَلَمُ، وَفِي الصِّحَاحِ: عَلَمُ الثَّوْبِ ولُحْمته أَيضاً. ابْنُ سِيدَهْ: نِيرُ الثَّوْبِ عَلَمُهُ، وَالْجَمْعُ أَنْيارٌ. ونِرْتُ الثَّوْبَ أَنِيرُه نَ … (لسان العرب)
  • بوداع: ودع: الوَدْعُ والوَدَعُ والوَدَعاتُ: مناقِيفُ صِغارٌ تُخْرَجُ مِنَ الْبَحْرِ تُزَيَّنُ بِهَا العَثاكِيلُ، وَهِيَ خَرَزٌ بيضٌ جُوفٌ فِي بُطُونِهَا شَقٌّ كَشَقِّ النواةِ تَتَفَاوَتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَقِيلَ: هِيَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • أشد من الماء حزنا
  • أشد من الماء حزنا
  • مَا مِن حوارٍ مَعك بعدَ الآن..
  • رسالة الى بُغاة لا يفقهون !
  • قصيدة
  • البيان قبل الأخير ..
  • ألا تشعرين؟
  • موعظةٌ لجُمعةِ الخلاص