نَفَثَ الظلامُ ضَبابهُ
الشاعر: سالم بو جمهور القبيسي · البحر: شعر التفعيلة
هذه القصيدة من شعر سالم بو جمهور القبيسي ، من العصر الحديث، وتقع في 59 بيتًا. نُظمت على بحر شعر التفعيلة، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نَفَثَ الظلامُ ضَبابهُ ... كالرَّاهِبِ الزنجي بَثَّ بَخورَهُ
فَتماوَجتْ قِصَصُ الضبابةِ والظلام ... قِصَصاً على قِصَصٍ
كأنَّ الليلَ بينهما غريقْ ... وأنا أقولُ مُتيماً
أينَ الصحاري ؟ ... قالَ مُضطَجِعٌ على أحزانهِ
أينَ الهَبوبُ ؟ ... وقالَ مجذوبٌ
وأينَ حَبيبتي الجوزاءُ ؟ ... قالت صَخرةٌ بِجِوَارِنا
أينَ الهلال ؟ ... فَتمازَحَت أقوالُنا وتَمازَحَتْ
وتَمازَحتْ ... وتنطَّطَت أصواتُنا
مِثلَ الأرانبِ بَيننا ... الخوفُ عَلَّمنا طُقوسَ الخوفِ
عَلَّمنا المِزاحَ على الجِراحِ ... وكُلِّ آدابِ الرقيق
الخوفُ أمسى مِثلَنا ... في الليل يَبحثُ عن أنيسْ
فنظنهُ أحدَ المساكينِ ... ونأوي ظِلَّهُ
لله أحياناً ... وأحيانا نُسميهِ الرفيقْ
للخوفِ رَائِحَةٌ ... تُحَرِّضُنا على كُرهِ النهار
للخوفِ ليلٌ ... تَعشقُ النيرانُ فِيهِ ظِلالَنا
وتُمارِسُ الجَمراتُ ... لَهجَتَها المضيئةَ بِيننا
كَمْ لَهجَةٍ للنارِ تَخترِعُ الكلام ... كُنّا نُحَاذِرُ شيخَنا الصوفيَّ
نَعتَنِقُ الحذَر ... الصمتُ كان مُقدساً
الخوفُ كان مؤالَّهاً ... للشيخِ سُبْحَتُهُ
و للصبيانِ آلِهَةُ الهواء ! ... هذا إلهٌ مِن غُبار
هذا إلهٌ من دُخان ... هذا إلهٌ من خَيال
هذا إلهٌ نامَ تحتَ الظنِّ ... لا يبدو إلَهاً مُنتظَر
للشيخِ سُبْحَتُهُ ... و للصبيانِ آلِهَةُ الهواء !
كُنّا نُحاذِرُ شَيخَنا الصوفيَّ ... نخشى سِحرَهُ
و نخافُ يَمسخُنا قُروداً كالقرود ... فلا نَعودُ مِنَ البشَر
فجنودهُ جِنٌّ عَفاريتٌ ... و أشباحٌ طِوَال
و عُيونُهُ حَولَ العُصاةِ ... تُمارِسُ المَوتَ المُحِيق
المُعجِزَاتْ ، المُعجِزَاتْ ... كَمْ حَوَّلَ الآسادَ فِئراناً
وكم جُرثُومَةٍ ... سَجَدَتْ على يَدِهِ
فَصارَتْ نَجمَةً ... المُعجِزاتْ ، المُعجِزاتْ
يا إِخوَةَ الخَلَوَاتِ ... مُنذُ وِلادَتي
الشيخُ يُرضِعُني حَليبَ الجِنِّ ... يُلبِسُني جَلابِيبَ الخَفاء
و يَهِزُّ في قلبي تَرانيمَ البريق ... يا إِخوَةَ الخلواتِ
كَمْ سَامَرتُ شَيخِي و الرُّؤى ... في رَوضةِ المريخِ مَرَّاتٍ
و مَرَّاتٍ بِكُوخِ الشمسِ ... كَمْ طابَ المساء
كَمْ شاء شَيخِي ما يَشاء ... فَغَطَستُ أعبثُ بالهوى و غرائزي
و عَرائِسَ البحرِ العَميق ... كَمْ لَيلةٍ طابَ الهوى
و رَكَضتُ في عَدْنٍ ... قَفَزتُ لِجَنةِ الفِردَوسِ
ضَمَّ الشيخُ أشواقي ... و بَعثرَها على ظَبيٍ رَشيق
طالَ الوفاء ... لَكِنَّ شَيخِي شَاخَ و ارتَجَفَ الوفاء
ما عادَ شَيخِي عاشِقاً ... ما عاد شَيخِي وَاثِقاً
فَكأنني سأُذِيعُ بالسرِّ العظيم ... و كأنني
سأقودُ مَشْيَخَةَ الطلاسِمِ للحريق ... الشيخُ شَعوذَ
و استَبَدَّ بِهِ السُعَال ... فَتلاطَمَتْ في بحر عَينيهِ الشُكوك
و تَناثرتْ مِن أنفهِ لُغَةُ الملوك ... قال استمعْ و اسجُدْ
تَرى رَبَّ السماء بِجُبَّتي ... مُتَعَمِّماً بِعِمامَتي
اسجُدْ فإنَّ الرَّبَ شَيخُكَ ... لا تُجَادِلُهُ فهذا لا يَليق
لأُوَلِّيَنَّك قِبلَةً ... ما كُنتَ تَرضاها
فَيَمِّمْ نَحوَها ... هِيَ قِبلَةٌ
سَتَكونُ ثَالِثَةً على نَسَقٍ أنيق ... هِيَ قِبلةٌ
عُنوانُها للناسِ عِجلٌ أبيضٌ ... لا مَعبدٌ أقصى
و لا رُكنٌ عَتيق ... يا إِخوَةَ الخَلَواتِ
لا كانَ الفِراقْ ... أنا لَمْ أُبِعْ صُوفِيَّتي
لَكِنَّنِي في حَضرَةِ الطُغيانِ ... حَتماً لا أُطَاقُ و لا أُطِيق
الشيخُ شَعوَذَ ... و الطريقةُ لا تَدِلُّ على الطريق
و أنا المريدُ العَاشِقُ الهيمانُ ... لَكِنّي تَعِبتُ مِنَ الكراماتِ السخيفةِ
و السخافاتِ الكريمةِ ... و الهدوءِ
و حَضرةِ الصمتِ العَرِيق ... رَبَّاهُ ما ضَلَّ المُريدُ العَاشِقُ
لَكِنَّهُ شَقَّ الغِطاءَ لِيَسْتَفِيقْ
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الزنجي: زنج: الزِّنْجُ والزَّنْجُ، لُغَتَانِ: جِيلٌ مِنَ السُّودانِ وَهُمُ الزُّنُوجُ، وَاحِدُهُمْ زِنْجِيٌّ وزَنْجِيٌّ؛ حكاه ابن السكيت وأَبو عُبَيْدٍ مِثْلُ رُومِيٍّ ورُومٍ وفارِسِيٍّ وفُرْسٍ، لأَن يَاءَ النَّسب عَدِيلَةُ هَاء … (لسان العرب)
- الصحاري: صحر: الصَّحْراء مِنَ الأَرض: المُستوِيةُ فِي لِينٍ وغِلَظ دُونَ القُفِّ، وَقِيلَ: هِيَ الفَضاء الْوَاسِعُ؛ زَادَ ابْنُ سِيدَهْ: لَا نَبات فِيهِ. الْجَوْهَرِيُّ: الصَّحراء البَرِّيَّة؛ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ وإِن لَمْ تَكُنْ … (لسان العرب)
- الهبوب: هبب: ابْنُ سِيدَهْ: هَبَّتِ الريحُ تَهُبُّ هُبُوباً وهَبِيباً: ثارَتْ وهاجَتْ؛ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هَبَّتْ هَبّاً، وَلَيْسَ بِالْعَالِي فِي اللُّغَةِ، يَعْنِي أَن الْمَعْرُوفَ إِنما هُوَ الهُبُوبُ والهَبيبُ؛ وأَهَبَّ … (لسان العرب)
- بجوارنا: جور: الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ … (لسان العرب)
- بخوره: خور: اللَّيْثُ: الخُوَارُ صوتُ الثَّوْر وَمَا اشْتَدَّ مِنْ صَوْتِ الْبَقَرَةِ وَالْعِجْلِ. ابْنُ سِيدَهْ: الخُوار مِنْ أَصوات الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ وَالسِّهَامِ. وَقَدْ خارَ يَخُور خُواراً: صَاحَ؛ وَمِنْهُ … (لسان العرب)
- ضبابه: ضبب: الضَّبُّ: دُوَيْبَّة مِنَ الْحَشَرَاتِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ يُشْبِهُ الوَرَلَ؛ وَالْجَمْعُ أَضُبٌّ مِثْلُ كَفٍّ وأَكُفٍّ، وضِبابٌ وضُبَّانٌ، الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ. قَالَ: وَذَلِكَ إِذا كَثُرَتْ جِدّاً؛ قَالَ اب … (لسان العرب)
- غريق: غرق: الغَرَقُ: الرُّسُوب فِي الْمَاءِ. وَيُشَبَّهُ الَّذِي رَكِبَهُ الدَّيْن وغمرَتْه البَلايا، يُقَالُ: رَجُلٌ غَرِق وغَريق، وَقَدْ غَرِقَ غَرَقاً وَهُوَ غارِقٌ؛ قَالَ أَبو النَّجْمِ: فأَصبحُوا فِي الْمَاءِ والخَنادِقِ، … (لسان العرب)
- فتمازحت: مزح: المَزْحُ: الدُّعابةُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: المَزْحُ نقيضُ الجِدِّ؛ مَزَحَ يَمْزَحُ مَزْحاً ومِزاحاً ومُزاحاً ومُزاحةً[[. قوله [ومزاحة] بضم الميم كما ضبطه المجد، وفتحها الفيومي. نقل شارح القاموس: أن المزاح المباسطة إلى … (لسان العرب)