أضاقَ الفضا الموهومُ تلقاءَ مقلتي

الشاعر: حنا الأسعد · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر حنا الأسعد، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أضاقَ الفضا الموهومُ تلقاءَ مقلتي ... أم الطالع المشؤومُ أعمى بصيرتي

أم الفــــلكُ الغــــدّار أرخــــى سُــــدولهُ ... فحجَّبــ نور الشمس عند الظهيرة

أراني كما العشواءِ في حومة الضحى ... أخابط بالدهياءِ في جوف ظلمتي

أطوف مفازات الدواهي مشتَّتاً ... وقد بتُّ جوّاباً بأوعار حيرتي

وقد صال ذو الكَيسان بالضرّ والاسا ... عليَّ بجيش الغدر كرّار صولةِ

دعاني وقوداً للسعير مُقَلِّباً ... بقلبي لظى الإحراق في كل حرقةِ

رماني بأوصابٍ صريعاً إلى البلا ... وقد دكَّ بالأشجان أطواد رفعتي

تلقَّفــ مني العينَ والقلبَ بغتةً ... وما زال في جدٍّ إلى خطف مهجتي

دعاني وحيداً فاقد الرشد والهدى ... وقد بتُّ في الرزاءِ أبكى بوحدتي

أمات البها واللطف والظرف والزُهى ... وصيَّر ماس الحسن تُرباً بتربةِ

لفيف الولا المقرون أمسى مُفَرَّقا ... وبتُّ قرين البؤس بعد القرينةِ

أذلك مــــن دهرٍ ظلومٍ على الملا ... يُفاخر في ظلمٍ بوقع البليَّةِ

أم القَدَر المدرج في الفَرق ساق لي ... دروجاً بتدريج الصِبا والصبيَّةِ

أ هذي فعالٌ بالمنون لقد نمت ... وقد ضيَّعت مني المنى بالمنيَّةِ

بَوارٌ أراش القلب في سهم غدرهِ ... فشقَّ بهِ خِلبي بمخلاب نبلَةِ

أدار رحى الكُيسان والجور والرَدى ... وفتَّتَ أعظامي بفقد العظيمةِ

دُروجٌ دعى ماسي تراباً ببغيهِ ... وأخمد نور الحسن من صبح طلعةِ

أيا غاشما أغشى الغزالة في الضحى ... غياهب برد أغربتها بِغُربةِ

أيا ظالماً بثُّ المظالم دأبهُ ... على البغي مفطورٌ بأقبح فطرةِ

أيا باغياً يبغي ملاشاة عالمٍ ... لعلَّكَ مجبولٌ بطين الضغينةِ

أما لك فكرٌ يختشى دور غائلٍ ... ولا قلب مخلوقٍ بأنس الطبيعةِ

أيا قاسياً قلباً فهل جاز أن ترى ... حلالاً بقتل العمد من دون زلَّةِ

فألماستي كانت على الطُهر والتُقى ... تتابع أمر اللَه باري البريَّةِ

طهورٌ حكَت شمس النهار نعوتُها ... تُــــجَــــلُّ بــــأنوارٍ إذا ما تجلَّتِ

محاسنها الغراءُ يبهر نورها ... بصائر مَن خُصّوا بحسن البصيرةِ

بديعة أوصافٍ تسامت بوصفها ... بريعة أللطافٍ سبت كل مقلةِ

لطلعتها الحسناء ترنو كواكبٌ ... كما سجدت للفَرق شمسُ المجرَّةِ

ومقلتها الوسناءُ لم تبقِ واسناً ... وهل شيمَ نعسانٌ يجود بيقظةِ

وكم أخجل الجوريَّ زهواً خدودها ... وقد بات مخفوراً وأيَّةَ خجلةِ

وكم بات عقد الدرّ يبغي تستراً ... بأسفارها تلك الدراري بضحكةِ

سما جيدها صافي اللجين ضياءُهُ ... فباتت ظبا الأوجار في غار وَجرَةِ

ومذ ضارع الخطيَّ ليناً قوامها ... غصون النقا خرَّت سجوداً بحشمةِ

وكم قد سمت درّاً جواهر ثغرها ... أُصيغَت من الألماس في صنع قدرةِ

مكمَّلة الألطاف بالحسن والبها ... مجمَّلة الأوصاف من كل لهجةِ

فريدة خَلق أحكم اللَهُ خَلقَها ... حميدة خُلقٍ فاق حمد الخليقةِ

أنارت سما لبنانَ من نور بدرها ... وقد شهد الآفاق في ذا وقرَّتِ

وحازت ثناءً فاق وصفي سناؤُهُ ... عفافاً سما طُهراً وكل فضيلةِ

ولهجتها مدح الأنام تَعَشَّقَت ... ولم تأتِ في هجو ولفظ النميمةِ

وضيعة قلبٍ والسموُّ مقامُها ... كريمة قنسٍ ساد سمك البسيطة

ولو فاخرت كل العباد بحسنها ... لقرّوا وكلٌّ قال أنتِ مليكتي

فويحكَ يا هذا البوار فهل يُرى ... جوازاً تجازي الخير شرّاً بنقمةِ

أقلُبك جلمودٌ ولست بباصر ... أم الطبع مطبوعٌ بصدر المضرَّةِ

ألا الكفر أن تُلقى الظريفة في الثرى ... وهل جاز دفنُ الماس دهراً بحفرةِ

أما رقَّ منك القلب حين نظرتها ... بــــرقَّةــــ ألطــــاف حكَت حورَ جَنَّةِ

أما لانَ منك الطبع من لين طبعها ... ومن فرط إيناس وحب السكينةِ

أما خجلت عيناك حين تفرَّست ... برؤيا ملاكٍ فاق في حسن صورةِ

أما ارتعشت يمناك حين مددتها ... إلى قبض هتيك اليمين الطريَّةِ

وهلّا أبى نطقاً لسانك حينما ... تلوت اتركي صحباً تعالي بصحبتي

تلقَّفتها يا ذا البغيُّ ببغتةٍ ... فليتك لم تظفر لدينا ببغيةِ

وصيَّرتَ ربعاً كان بالأنس زاهياً ... بثوب سوادٍ من دياجي الدِجنَّةِ

وبتنا حيارى بالشجون بلا هدىً ... نــــجــــوب مفازاتٍ بغمٍّ ولهفةٍ

فيا لهفي ما البدرُ قد غاب وانثنى ... ومــــا لي إلى بدري رجاءٌ بعودةِ

فيا لهفي ما الشمسُ ذرَّت بشرقها ... ويفعمني نوحي غصيصاً بشرقةِ

فيا حزني ما الورد قد لاحَ زاهياً ... كأوراد هتيك الخدود النضيرةِ

فيا شجني ما الماس ضاءَت عقودهُ ... تضارع ثغراً من درارٍ نفيسةِ

فأنّى ولا أبكي دموماً على التي ... تجلَّت بذي الدنيا بذاتٍ فريدةِ

فأنّى ولا أبكي على من تسربلت ... من الحسن والتقوى بأبهج حلَّةِ

فأنّى ولا أبكي على من تجلت ... جمالاً بأخلاق سمت كل خِلقَةِ

تجمَّعَ حسن الكون طرّاً بوجهها ... وحازت كمالاً مدهشاً كل فكرةِ

أيا حرَّ قلبي زد سعيراً حشاشتي ... ولا تتَّإِد من هتن أمطار عبرتي

أيا لهجتي زيدي حنيناً وأنشدي ... رثاءً على طول المدا للحبيبةِ

أيا آل بيتي بالحداد ألا البسوا ... سواداً على مرِّ السنين المديدةِ

أيا أين هتيك المليكة لن تُرى ... أغــــادَرَتِ الأوطــــان عنا برحلة

ألا أين من كانت إلى القلبِ سلوةً ... تزيل كروبي من هموم وغصَّةِ

وأين التي كان الصروحَ مقرُّها ... وتخطر في أسمى خدورٍ سنيَّةِ

فهل جاز أن تثوي الرموس ضجيعةً ... بجوف الثرى من بعد نوم الاسرَّةِ

أيا لائمي خلِّ الملامَ فهل ترى ... حلالاً سُلوّي انحلال الحليلةِ

فحاشا فما السلوان بالحُرّ لائقٌ ... وهل يبتغي السلوان صافي السريرة

فإني لأبكيها مدا الدهر نائحاً ... وأهمي دموماً من عيونٍ قريحةِ

وهل أنثني عن حفظ عهدٍ لمهجتي ... وحفظ الولا والعهد دأبي وشيمتي

فإني على حفظ العهود لثابتٌ ... ولم اتصف عمري بنقص المروءةِ

وإذ قلتُ يا مولايَ بالرُحم حفَّها ... دهاراً باخدار النعيم بنعمةِ

وناديتُ يا بكراً طهوراً كرامةً ... لها من كريم باذلٍ كل رحمةِ

فــــقــــالت لقلبٍ بات أرخ بوجدهِ ... لحنا حنين النوح في طول غيبتي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الدواهي: دَوَهَ: دَاهَ دَوْهاً: تَحَيَّرَ. (لسان العرب)
  • الطالع: طلع: طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْفَجْرُ وَالنُّجُومُ تَطْلُعُ طُلُوعاً ومَطْلَعاً ومَطْلِعاً، فَهِيَ طالِعةٌ، وَهُوَ أَحَد مَا جَاءَ مِنْ مَصادرِ فَعَلَ يَفْعُلُ عَلَى مَفْعِلٍ، ومَطْلَعاً، بِالْفَتْحِ، لُغَةٌ، و … (لسان العرب)
  • العشواء: عشا: العَشَا، مقصورٌ: سوءُ البَصَرِ بالليلِ والنهارِ، يكونُ فِي الناسِ والدَّوابِّ والإِبلِ والطَّيرِ، وَقِيلَ: هُوَ ذَهابُ البَصَرِ؛ حَكَاهُ ثَعْلَبٍ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا لَا يصحُّ إِذَا تأَمَّلته، وَقِيلَ: هُو … (لسان العرب)
  • الغدار: غدر: ابْنُ سِيدَهْ: الغَدْرُ ضدُّ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الغَدْرُ تَرْكُ الْوَفَاءِ؛ غدَرَهُ وغَدَر بِهِ يَغْدِرُ غَدْراً. تَقُولُ: غَدَرَ إِذا نَقَضَ الْعَهْدَ، وَرَجُلٌ غادِرٌ وغَدَّارٌ وغِدِّيرٌ وغَ … (لسان العرب)
  • الكيسان: كيس: الكَيْسُ: الخفَّة والتوقُّد، كَاسَ كَيْساً، وَهُوَ كَيْسٌ وكَيِّسٌ، وَالْجَمْعُ أَكْياس؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: واللَّه مَا مَعْشَرٌ لامُوا امْرأً جُنُباً، ... فِي آلِ لأْيِ بنِ شَمَّاسٍ، بأَكْياسِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: … (لسان العرب)
  • المشؤوم: شوم: بَنُو شُوَيْم: بَطْنٌ. (لسان العرب)
  • الموهوم: وَهَمَ: الوَهْمُ: مِنْ خَطَراتِ الْقَلْبِ، وَالْجَمْعُ أَوْهامٌ، وَلِلْقَلْبِ وَهْمٌ. وتَوَهَّمَ الشيءَ: تخيَّله وتمثَّلَه، كَانَ فِي الْوُجُودِ أَو لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ: تَوهَّمْتُ الشيءَ وتفَرَّسْتُه وتَوسَّمْتُه وتَبَ … (لسان العرب)
  • بالضر: (ضَرَّ) الضَّادُ وَالرَّاءُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: الْأَوَّلُ خِلَافَ النَّفْعِ، وَالثَّانِي: اجْتِمَاعُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ الْقُوَّةُ. فَالْأَوَّلُ الضَّرُّ: ضِدُ النَّفْعِ. وَيُقَالُ: ضَرَّهُ يَضُرُّهُ ضَرًّا. ثُمَّ ي … (مقاييس اللغة)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة