ألكونُ أصبحَ ناشراً لظلامِ
الشاعر: عبد الله الفاسي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عبد الله الفاسي، من العصر الحديث، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ألكونُ أصبحَ ناشراً لظلامِ ... والدهرُ آذنَ بانقِضا وتَمامِ
والعيشُ نغصٌ والنجومُ تناثرت ... نجماً فنجما من نُشوبِ زُؤام
والعينُ لازمَها السُّهادُ منَ الأسى ... والعقلُ مِن ولهٍ ضجيعُ سُقام
والعلمُ قد لبِسَ الحدادَ إشارةً ... لإصابةٍ في الدينِ والإسلام
والبِشرُ ولَّى واستقرَّ بربعِه ... خُزنٌ وصدعٌ من جيوشِ حِمام
لازالَ ينتخبُ الجيادَ مُبادِراً ... يَصبوا إلى الأشرافِ والأعلام
يختارُ كلَّ يتيمةٍ في عِقدِها ... ويُبذُّ كلَّ غضَنفرٍ مِقدام
لا غروَ أن كانت جيوشُ هجومِه ... قد هاجمت شيخَ النُّهى بسِهام
قد هاجمت حصنَ الشريعةِ مَن به ... كانت تُقامُ نوازلُ الأحكام
قد هاجمت طوداً تكاملَ نعتُه ... علَمَ الهُداةِ وقُدوةَ الحُكَّام
صدَر الصدورِ زعيمَ كلِّ كريمةٍ ... ورئيسَ علمٍ بالمفاخرِ سام
عجباً لمن كان الجميع ببابِه ... والموتِ ما هاب العُلا بحُسام
أعني أبا العباسِ أحمدَ مَن بدا ... فجراً يزيلُ غياهبَ الأوهام
شيخَ الجاعة عمدةَ الإسلامِ مَن ... أضحى له فضلٌ على الأقوامِ
هــــو عُــــدَّة للسالكين وحُجَّةٌ ... هو مَرهَمٌ يَشفي منَ الآلام
حبرٌ أزاحَ بعِلمه وبفهمِه ... عن مشكلٍ تُلفيه كلَّ لِثام
بحرٌ خِضمِّ بالمعارفِ والنُّهى ... تَـــــــروي جـــــــداولُه لكــــــلِّ أوام
نظمَ الجمانَ على صدورِ صحائفٍ ... أسلاكُه تُنسيكَ حسنَ قَوام
رَتقَ المفتَّقَ من ثيابِ مَفاخرٍ ... بتأنُّقٍ قد خطها لأِنام
ورِثَ المــــــنــــــاقــــــبَ كـــــابـــــرٍ ... والهمَّةَ العلياءَ فوق عِصام
ما شئتَ سُؤلاً عنه فهو أميرُه ... وجُـــــذيـــــلُه وعُــــذيــــقُه بــــدَوام
لو جــــــئتَه وســــــألتَه لَوجــــــدتَه ... يُسدى الجواهرَ ساعةَ الإحجام
قد كان صدراً في الحديثِ مُعظَّماً ... عندَ الملوكِ بغايةِ الإعظام
لا ينثني التحقيقُ عن أبوابِه ... سهلَ البيانِ مُسدَّدَ الأفهام
لايختشي هَدرَ الحَسود وشرَّهُ ... فالقولُ حقّاً ما تقولُ حَذام
قطعت جهيزةُ قولَ كلِّ مُكابرٍ ... ملأ الفضا بتنازُعٍ وخِصام
لايعرفُ اللحنَ البذيَّ خطابُه ... أبداً ولا حشواً بطولِ كلام
كم من علومٍ ساسَها بتدبُّرٍ ... وتـــــدرُّبٍ وتـــــحــــقُّقــــٍ ونِــــظــــامِ
كــــم مــــن تــــآليفٍ له وفرائدٍ ... وفوائدٍ في غايةِ الإحكام
آدابُه أنسَت تصوُّفَ من مضى ... فغدا الجنيدُ له خديمَ مقام
لا يَرتئي غيرَ الكتابِ وسُنَّةٍ ... قد قام بالأعمالِ خيرَ قيام
لا يدَّعي دعوى بغيرِ أدلةٍ ... مثلُ الذي يغترُّ بالأحلام
من كاذبٍ مُتصنِّعٍ متشيعٍ ... متشبعٍ في بطنِه بحُطام
قد باع ديناً كي يُصيبَ دنيَّةً ... يصطادُ للبسطاء صُنعَ لِئام
يُبدي المقالاتِ السخيفةِ لا يَرى ... عُقبى ولا يَخشى من العلاّم
لهَفي على من كان ناشرَ سُنَّةٍ ... يَحمي الحِمى ببواترِ الأقلام
لهَفي أبا العباسِ ليس يُزيلُه ... ما إن بقيتُ تكرُّرُ الأعوام
فُجعَ الجميعُ بما جرى ودهاى الورى ... خَطبٌ أصاب لِصَيِّبِ الأحلام
فالجفنُ يَروى عن فؤادٍ واجدٍ ... بمسلسَلٍ يبدو ودمعٍ هام
مَن لِلحوادثِ والخطوبِ إذا عَرت ... مَــــن للدَّواهــــي سُــــعِّرت بضِرام
أغصانُ روضِ العلمِ بانَ ذبولُها ... فتَساقطت مصفرَّةَ الأكمام
تبكي الفرائضُ عولُها وصحيحُها ... إذا كان يُبدي سرعةً لِسهام
والصدقُ في الإنتاج فارقَ سُلَّماً ... جمعُ الجوامعِ قد كُسي بقَتام
والسعدُ خَان لراغبٍ وتبدَّلت ... أبراجُه نحساً لفَقدِ إمام
يبكي خليلٌ للخليلِ بلوعةٍ ... وتـــــأسُّفـــــٍ وتــــحــــسُّرٍ وهُــــيــــام
تَبكي الكراسي والمحابرُ والدفا ... ترُ والمعابدُ مِن فراقِ هُمام
يبكي التَّفننُ والتَّلطقُ والذَّكا ... يبكي الوقارُ له بكاءَ غمامِ
مَن للبوادي والحواضرِ والقُرى ... طُــــلاَّبُ عــــلمٍ نــــحــــوَه بزِحام
يروي الحديثَ مع الفروعِ وأصلِها ... وعلومَ تفسيرٍ وعلمَ كلام
يروي الجميعَ عنِ الدهاةِ بوَقتِه ... رضَعَ المعاليَ لم يرُم لِفطام
لا تسألن عن فضلِه وكمالِه ... فالشمسُ غيرُ خفيَّةِ الأَعلام
لو أنني أطنبتُ كنتُ مقصِّراً ... هيهاتِ ما وفَّى بذاكَ نِظامي
مَن كان مِن بيتِ النُبوةِ مَجدُه ... عَظُمَ المديحُ له بدون مَلام
حلَفَ الزَّمانُ لَيأتِينَّ بمثلِه ... جُنَّ الزمتنُ بقوةِ الأسقام
غَرَّ الزمانَ عمائمٌ وبَرانسٌ ... وقلانسٌ وتمايُلُ الأجسام
وتهاتُرٌ وتجاسرٌ وتعاظمٌ ... مثلُ البعيرِ بذرِوَةٍ وسَنام
أما الخيامُ فإنها كخِيامهم ... والميزُ بالأوصافِ لا بِخِيام
ماقلتُ إلا الحقَّ فيه وإنه ... فذُّ المحاسنِ مالِكٌ لِزِمام
سئِمَ الحياةَ لِبدعةٍ ومَناكرٍ ... لَبَّى النــــداءَ برغبة وغَرام
والدُّر لِلأصدافِ بانَ حنينُه ... مِن قِلَّةِ الرغَبات والأسوام
جاءت جماهيرُ المَلا لِشهودِه ... طلبَ الرِّضى تَمشي على الأقدام
وتسابقت وتسارعت جثمانَه ... حملاً على أعناقِها والهامِ
وتنازعَ التَّقبيلَ كلُّ مُودِّعٍ ... لِعواملِ الإجلالِ شأنَ كِرام
رجعّ الغبيُّ بغيظِه مُتعثِّراً ... في ذيلِه مُتشبِّثاً برُغام
نبكي بُكا الخنسا وما صخرٌ كمَن ... بعِظاته يُسلي عنِ الأجرام
جـــــاورتُ حُـــــســــادي وجــــاوَر ربَّه ... نِعمَ الجوارُ له بدارِ مُقامِ
مَن سرَّهُ موتُ الفقيدِ يسوءُه ... عدَمُ الوصولِ إلى عزيزِ مَرام
يانفسُ صبراً فارعَوي وترحَّمي ... فالموتُ دوماً لا يَفي بذِمام
خفِّفــ مُصابَكَ بالذين تَقدَّموا ... فالعيشُ في الدنيا شبيهُ مَقام
إسأل إلاهَكَ أن يبُلَّ ضريحَه ... بسحائبِ الرضوانِ والإنعام
ويُقِرَّ عيناً بالبنين تفضُّلاً ... ويُمِدَّهُم بملابِس الإكرام
ويُنيلَنا أجراً ويحفظَ باقياً ... فـــــي وحـــــدةٍ وتــــعــــطًّفــــٍ ووئام
ويديمَ عِزّاً بالأمير على الورى ... بأبي المحاسن بهجةِ الأيام
وابنِ الرسولِ حليفِ كلِّ فضيلةٍ ... فَردِ المكارمِ نُخبةٍ لِهِشام
ومُحبِّ أهلِ العِلم جابرِ كَسرِهم ... ومُجيرِهم مِن جَلمدٍ وطَغام
مِنِّيــ الصلاةُ على النبيِّ وآلِه ... وصحابةٍ مشفوعةٍ بِسلام
يَقوى الرجاءُ بها لنيلِ تَصبُّرٍ ... ومَــــطــــالبٍ جَلَّت ورفعِ مَقام
إن رُمتَ تاريخَ الوفاةِ مُحبِّراً ... في النَّظمِ بعدَ التِّسعِ ضِف لِتَمام
قولي أبو العباسِ نحبَه قد قَضى ... سُكنى الجِنانِ له حُبِي بدَوام
يومَ القضاءِ وثاني عشرٍ قد حَكى ... لِوفاةِ خيرِ الخلقِ نورِ ظلام
لكنها بربيعِ شهرٍ ثُم ذا ... كان الرحيلُ له بِشهرِ صِيامِ
أعظِم به وفقاً أتى وكرامةً ... وبِشارةً عُظمى بحُسن خِتام
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الحداد: حدد: الحَدُّ: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحدهما بِالْآخَرِ أَو لِئَلَّا يَتَعَدَّى أَحدهما عَلَى الْآخَرِ، وَجَمْعُهُ حُدود. وَفَصْلُ مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ: حَدٌّ بَيْنَهُمَا. وَمُنْتَهَى ك … (لسان العرب)
- بربعه: ربع: الأَربعة والأَربعون مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ. والأَربعة فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ والأَربع فِي عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، والأَربعون بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَربعينَ أَربعينُ كَمَا جَازَ فِي فِلَسْطِينَ وَب … (لسان العرب)
- بسهام: سهم: السَّهْمُ: واحد السِّهام. والسَّهْمُ: النصيب. المحكم: السَّهْم الحظُّ، والجمع سُهْمان وسُهْمة؛ الأَخيرة كأُخْوة. وفي هذا الأَمر سُهْمة أَي نصيب وحظّ من أَثَر كان لي فيه. وفي الحديث: كان للنبي، صلى الله عليه وسلم، سَ … (لسان العرب)
- تناثرت: نثر: اللَّيْثُ: النَّثْرُ نَثْرُكَ الشيءَ بِيَدِكَ تَرْمي بِهِ مُتَفَرِّقًا مثلَ نَثْرِ الجَوْزِ واللَّوْزِ والسُّكَّرِ، وَكَذَلِكَ نَثْرُ الحَبِّ إِذا بُذرَ، وهو النِّثَارُ؛ وَقَدْ نَثَرَهُ يَنْثُرُهُ ويَنْثِرُهُ نَثراً … (لسان العرب)
- خزن: خزن: خَزَنَ الشَّيءَ يَخْزُنه خَزْناً واخْتَزَنه: أَحْرَزه وَجَعَلَهُ فِي خِزانة وَاخْتَزَنَهُ لِنَفْسِهِ. والخِزانةُ: اسْمُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُخْزَن فِيهِ الشَّيْءِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ … (لسان العرب)
- زؤام: زوم: ابْنُ الأَعرابي: زامَ الرجلُ إِذا مَاتَ. والزَّويمُ: الْمُجْتَمَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. (لسان العرب)
- سقام: سقم: السَّقامُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ: المَرَض، لُغَاتٌ مِثْلَ حُزْنٍ وحَزَنٍ، وَقَدْ سَقِمَ وسَقُمَ سُقْماً وسَقَماً وسَقاماً وسَقامَةً يَسْقُمُ، فَهُوَ سَقِم وسَقِيمٌ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَالْجَمْعُ سِقامٌ جاؤوا بِهِ عَ … (لسان العرب)