حــيــا الجــزيــرة هــطــالٌ مــن الســحــب

الشاعر: عبد الحق الأعظمي · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر عبد الحق الأعظمي، من العصر الحديث، وتقع في 215 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

حــيــا الجــزيــرة هــطــالٌ مــن الســحــب — جــزيــرة العــرب العــربـاء فـي النـسـب

ولا يــزال النــدى يــجــري بـهـا غـدقـاً — ولا يــزال الهــدى فــي أهـلهـا النـجـب

وأخــصــب اللَه بــالخــيــرات تــرتــبـهـا — مـــلء المـــرابــع والســاحــات والرحــب

وعــم بــالأمــن فــيــهــا كــل نــاحــيــةٍ — حـــمـــايــة مــنــه للأنــســال والنــشــب

وبـــصـــر اللَه أبــنــاء الجــزيــرة فــي — حــفــظ الجــزيــرة مــن عــاد ومــغــتـصـب

مــن كــل ذي طــمــع بــالشــر يــقــصـدهـا — أو كــــل ذي جــــشــــع أو كـــل ذي كـــلب

وأرشـــد الأمـــراءَ القــائمــيــن بــهــا — أهــل المــكــارم أهــل المـجـد والحـسـب

للاعـــتـــصــام بــحــبــل اللَه قــاطــبــة — ونــبــذ مــا بـيـنـهـم مـن تـلكـم الريـب

وألف الله بـــيـــن العــرب أجــمــعــهــم — تــأليــفــه بــيــنـهـم فـي سـالف الحـقـب

وكــفــهــم عــن دواعــي مــا يــفــرقــهــم — مــن التــنــازع بــيــن الويــل والحــرب

ورد مــــا كــــان مـــن عـــز ومـــن شـــرف — ومـــن مـــعـــال ومـــن أفــق ومــن شــهــب

وصـــان اقـــوامــهــم مــنــه كــل نــازلة — وصــان أوطــانــهــم صــونــاً مــن النــوب

ورد أخـــلاط ســـوء مــا تــكــفــكــف عــن — صــبــابــة الأم المــحــفــوظــة النــســب

مـا أمـة المـجـد فـي التـاريـخ أجـمـعـه — إن يـــذكـــر المــجــد إلا أمــه العــرب

يـــا أمـــة بـــزت الأقـــوام مـــن قـــدم — فــي الأصـل والنـبـل والأخـلاق والأدب

وبــالحــفــاظ عــلى الأعـراض قـد عـرفـت — وبـــالمـــكـــارم والأمـــجـــاد والرتـــب

وبـــالمـــروة والإنـــجـــاد قــد رفــعــت — وبــــالوفــــاء وبــــالأفـــعـــال والدأب

وبـــالإبـــاء وبـــالعـــزم القــوي عــلى — حــفــظ الجـوار ورعـي الجـار فـي اللزب

وبـــالبـــســالة والرأي الســديــد عــلت — ذرى المــعــالي بــلا عــجــب ولا عــجــب

حـــازت خـــصــائص جــلى أشــرقــت فــبــدت — مـنـهـا نـجـوم السـنا العالي من الحسب

يــا أمــة شــرفــت مــن يــوم مــا عـرفـت — بـــيـــن الأنــام بــلا مــيــنٍ ولا كــذب

فــي كــل أطــوارهـا بـيـن الورى عـظـمـت — للجـــد مـــا شـــئت أو مـــا شــئت للعــب

فــي جــاهــليــتـهـا الأولى وقـد عـكـفـت — عــلى التــمــاثـيـل والأصـنـام والنـضـب

كــانــت لديــهــا خــصــال جــمــة كــرمــت — فـي نـفـسـهـا دفـنـت كـالتـبـر في الترب

وفــي الهــدايــة والتــوحـيـد مـذ دخـلت — فـي الديـن واعـتـصـمـت فـي أوثـق السبب

قـــامـــت بــنــصــرة ديــن اللَه طــائعــةً — فـــأدركـــت أربـــاً نـــاهـــيـــك مــن أرب

وفــي البــداوة إذ كــانــت مــحــافــظــة — عــلى مــراس الرمــاح الســمــر والقـضـب

كــانــت كــســد حــديــدٍ ليــس يــحــطــمــه — حــطــم وكــانــت شــعـوبُ الأرض كـالخـشـب

وفــي الحــضــارة مــذ تــمـت مـحـاسـنـهـا — واسـتـأثـرت فـي الورى بـالاسـم واللقب

طــارت مــكــارمــهــا طـيـر الريـاح عـلى — أفـق المـمـالك تـزجـي الخـيـر كـالسـحـب

وفــي التــمــدن مــذ أرســت تــمــدنــهــا — عــلى قــواعــده مــن عـصـرهـا الذهـبـيـس

بــنــت عــلى الأرض أطــواداً رواسـخ مـن — مـــمـــالك العـــلم والعـــرفــان والأدب

فــإن تــرد عـلم مـا فـقـات ومـا سـبـقـت — بــــه الأنــــاســـي مـــن جـــد ومـــن دأب

فـاسـتـنـطـق الكـتـب عـنـهـا إنـهـا حفظت — فــي الخــالديــن مــن الآثــار والكـتـب

يـــا أمـــة ربـــهـــا للنـــاس أرســـلهــا — مــن بــعــض رحــمــتـه تـنـجـي مـن الكـرب

وبــثــهــا فــي جــمــيــع الأرض طــاهــرةً — تــطــهــر الخــلق بــالطــاعــات والقــرب

أعـــدهـــا لصــلاح الكــون فــانــدفــعــت — كــالســيــل مــنــحــدراً يـجـري إلى صـبـب

فـاسـتـخـلصـت أمـمـا طـاح الفـسـاد بـهـا — واســتــخــرجــت مـن تـرابٍ عـنـصـر الذهـب

أعــنـت سـواهـا وعـن ذاك السـوى غـنـيـت — فــالنــاس مــنــهــا كــأطــفـالٍ بـدار أب

إلى الســيــادة قــد هــمــت وقـد نـهـضـت — وللزعــــامــــة ثــــارت ثــــورة الهــــدب

ســـادت فـــســاد بــهــا عــدلٌ ومــعــرفــةٌ — عــــلى الأنـــام بـــلا ظـــلمٍ ولا رهـــب

ســـاســـتــهــم وتــولت رعــيــهــم وقــضــت — فــيــهــم فــسـاوت غـنـي القـوم بـالتـرب

ســادوا فــمــا ســاد أنــكــاسٌ ولا نـخـب — بــــل كـــل شـــهـــم لبـــيـــب مـــدره أرب

لا قــبــلهــم رأت الدنــيــا ولا عـرفـت — مـن بـعـدهـم مـثـل عدل الفاتحج العربي

يــا خــيـرة النـاس طـراً فـي صـنـائعـهـا — ومــن غــدت لرحــى الإصــلاح كــالقــطــب

ألســت أنـت التـي اسـتـعـلى بـنـوك عـلى — مــنــاكــب الأرض بــعـد السـبـق والغـلب

بــلى وقــد دوخـوا الدنـيـا بـأجـمـعـهـا — وطـــبـــقـــوهـــا بــظــل الأمــن والرغــب

تــغــلغــلوا فــي بــلاد الشـرق قـاطـبـةً — وجــاســت الغــرب مــنـهـم خـيـرةُ العـصـب

وأيــنــمــا انــدفــعــت مـنـهـم إلى غـرض — مــن الهــدى عــصــبــة أفــضـت بـلا نـكـب

كــانــت فــرائض أهــل الجـور تـرجـف مـن — ذكــر اســمــهــم هــلعـاً مـن شـدة الرجـب

صــالت عـلى الظـلم والظـلام عـصـبـتـهـم — بــقــاصــف مــن مــقــال الحــق ذي كــبــب

وأنـــزلت مـــن عـــروش الحـــيـــف آلهـــةً — مــن المــلوك غــدوا للنــاس كــالنــصــب

جــازت إليــهــم وقــد حــفــت مـظـالمـهـم — بـــهـــم وحـــولهـــم الأعــوان كــالأشــب

وعــلمــتــهــم بــحــســن القــول مــالهــم — ومـــا عـــليــهــم فــدالت دولة الشــغــب

وأرشـــــدت كـــــل ذي أمــــر لمــــعــــدلةٍ — مــن غــيــر مــا جــنـف فـيـهـا ولا جـنـب

وأوقـــفـــتـــهـــم إلى الحــد الذي لهــم — عــلى الشــعــوب بــحــد الصــارم الخــدب

وأرجـــعـــت للرعـــايـــا كـــل حـــقـــهـــم — عـــلى الرعـــاة وكــان الحــق فــي ســلب

واســتــنــقــذت كــل مــظــلوم ومــهــتـضـم — واســتــخــلصــت كــل مــحــروب ومــســتــلب

وأصـلحـت تـلكـم الفـوضـى التـي انـتشرت — بــيــن المــســوس وبــيـن السـائس الأرب

ســارت لنــفــع الورى لا أجــر تــطـلبـه — ولا جـــزاء فـــلم تـــفـــشــل ولم تــخــب

يـا أمـة العـز والمـاضـي الحـمـيـد ويا — ذات المـــفـــاخـــر يـــا ولادة النــجــب

أليــس أبــنــاؤك الأمــجـاد قـد رفـعـوا — فــي كــل مــصــر مــنــار العــلم والأدب

بـــلى وفـــي كـــل آفـــاق الورى بــزغــت — مــنــهــم شــمــوس فـلم تـكـسـف ولم تـغـب

وبــددوا ظــلمــات الجــهــل حــيـث سـروا — وأيـــقـــظـــوا كـــل ذي لُبٍّ مــن الغــهــب

وقـــد أنـــاروا عــقــول الخــلق كــلهــم — وطـــهـــروهـــا مـــن الأوضـــار والرســـب

داووا نـفـوس الورى بـالعـلم فـانـبعثت — للمــكــرمــات وكــانــت قــبــل فــي وصــب

وأطــلقــوا الفــكــر حــراً لا يــقــيــده — قــيــدٌ مــن الوهـم أو سـتـر مـن الحـجـب

وفــجــروا مــنــبـع الأرواح فـانـبـثـقـت — فــضــائل الروح كــالتــيــار ذي العـبـب

وهــذبــوا الخــلق بــالآداب فـارتـفـعـت — أخـــلاقـــهـــم لســـمـــاء الجـــد والدأب

وألقـحـوا مـن بـنـي الدنـيـا قـرائحـهـم — فــأنــتــجــوهــا وكــانــت قـبـل كـالسـلب

وروضــوهــم عــلى الأعــمـال فـانـبـجـسـت — طــبــاعــهــم بــالبـديـع الرائع العـجـب

وتـــلك آثـــارهــم تــنــبــيــك عــن كــرم — مــحــض وعــن هــمــم فـي السـبـق والغـلب

يــا أمــةً كــان مــنـك الآدبـون إلى ال — قـــرآن مـــأدبــة القــيــوم فــي العــرب

دعــوا إلى دعــوة الحــق التـي بـسـطـوا — ســـمـــاطــهــا لذوي الحــاجــات والتــرب

صــفــوا عــليــه صـحـافـاً مـن صـحـائفـهـم — مـــمـــلوءة حــكــمــاً أحــلى مــن الضــرب

فـيـهـا الغـذاء الذي تـهـنا الحياة به — ويــبــرأ العــقــل مــن ســقــمٍ ومـن وصـب

والروح تـسـمـو فـتـسـمـو ذي الطـباع به — والعــزم يــقــوى فــتـقـوى هـمـة النـخـب

وأوردوهــم حــيــاضــاً ســاغ مــشــربــهــا — مــــن المــــعــــارف أروت كـــل ذي شـــرب

ســقــوهــم عــللاً مــن بــعـد مـا نـهـلوا — مـنـهـا فـصـار العـطـاش الهـيـم فـي سأب

دعـوا إلى الديـن فـالمـسـتـمـسـكـون بـه — مــســتــمــســكــون بــحـبـلٍ غـيـر مـنـقـضـب

دعــوا إلى وحــي ربِّ النــاس يــرشــدهــم — إلى النــجــاةِ ويــحــمـيـهـم مـن التـبـب

دعـــوا إلى ســـنــن الخــلاق يــعــصــهــم — فـــي كـــل أمــر مــع الإذعــان والرغــب

للربـح والنـجـح فـي هـذي الحـياة دعوا — كــل الورى وليــلِ الخــيــر فــي العـقـب

إلى الســعــادة فــي الداريـن دعـوتـهـم — كــانــت لهــم وبـنـي الأنـسـال والعـقـب

إلى الهــدايــة فــي تــوحــيــد بـارئهـم — دعـــوهـــم وإلى الإيـــمـــان بــالكــتــب

إلى تــعــاليــم رب العــالمــيــن دعــوا — فـي هـدي خـاتـم كـل الأنـبـيـا العـربـي

يــا أمــةً ذاك مــاضــيــهــا الذي عـرفـت — مــنــه بــمــجــد صــريــح غــيــر مــؤتـشـب

مــاذا دهــاك فــقــد أصــبــحــت هــاويــة — مـــهـــاوي الذل مـــن حـــيــنٍ إلى عــطــب

بــم ابــتــليــت ومــاذا قــد مـنـيـت بـه — فـصـرت مـن بـعـد خـفـض العـيـش فـي نـصـب

مــا الســحــر أسـوأ مـسـاً لو سـحـرت بـه — مــمــا دهــاك فــســاوى الرأس بــالذنــب

والســـحـــر ليـــس له فـــعــلٌ ولا عــمــلٌ — يــحــكــي انــقــلابـك مـن رأسٍ إلى عـقـب

قـذفـت بـالمـجـد فـي مـهـوى لو انـحـدرت — فــيــه النــجــوم غـدت فـحـمـاً بـلا لهـب

مــهــوى مـن الذل نـائي الغـور مـمـتـلئ — مــــن المـــصـــائب بـــالأرزاء والنـــوب

قــد انــســحــبــت عــليــه شــر مــنــسـحـب — بــمــا اكــتــســبــت إليــه شــر مـكـتـسـب

واللَه ليـــــس بـــــظـــــلامٍ لأعـــــبــــده — فـــلا يـــغـــيـــر فــي حــال بــلا ســبــب

مــاذا اعــتـراك أعـيـن قـد أصـبـت بـهـا — أحـــالت الحـــال مــن خــصــب إلى عــشــب

والعــيــن حــق وحــق أن تــصــيــب فــكــم — فــي النــاس مـن دنـف بـالعـيـن مـسـتـلب

مــاذا أصــابــك هــل داء الفــنـاء جـرى — فـي جـسـم شـعـبـك مـجـرى السم في العصب

فــالجــســم فــي شــلل والعـقـل فـي خـلل — والقـــلب فـــي نــصــب والروح فــي وصــب

أم مــا أصــابــك مــن سـوء التـصـرف فـي — تـــراث أســـلافـــك الصـــوابــة النــخــب

الحــارســي الديــن لا يــلهـو نـهـارهـم — عــنــه ولا ليــلهــم بــالنــائم الرقــب

الحــافــظــي المـلك والحـامـيـن حـوزتـه — مــن الأعــادي ذوي الأضــغــان والكــلب

ورثـــت مـــن غـــرر الاحـــســاب شــادخــة — تــضــيـء ضـوء فـرنـد السـيـف ذي الشـطـب

وخــــلفــــوا لك أمــــجــــاداً مــــؤثــــلة — وخــلفــوا ســيــرة كــالأفــق ذي الشـهـب

وخـــلفـــوا لك مــلكــاً غــيــر مــنــصــدع — وخـــلفـــوا لك أمــراً غــيــر مــنــشــعــب

وخـلفـوا الديـن والنـور المـبـيـن وفـي — كـــليـــهـــمـــا كــل عــز حــاضــر الأهــب

فــحــدت عــن مــنــهــج مــا كــان أوضـحـه — وســـرت مـــن بــعــده فــي كــل مــضــطــرب

فــرطــت فــي إرثــهــم تــفـريـط ذي سـفـه — لا يـــســـتـــقـــر له جـــد عـــلى اللعــب

وكـــل شـــعــبــة أصــل مــثــمــر عــقــمــت — فـــليـــس تـــمـــتـــد إلا أرذل الشـــعــب

كــذاك قــد حــدت عـن مـنـهـاج سـيـرتـهـم — إلى المــهــالك مــن أرجــائهــا الرغــب

وقــد تــنــكــبــت عــن آدارهــم ســفــهــا — وكــــان كــــل الهــــدى فــــي ذلك الأدب

تــركــت تــلك الســجــايـا الغـر راغـبـةً — عـــن الجـــواهــر والأعــلاق بــالســخــب

وعــفــت تــلك الخــصــال الطـهـر راضـيـة — بــالشــيـص والحـشـف البـالي مـن الرطـب

وقــد هــجــرت الفــعــال الكـبـر لاهـيـةً — بــالجــزع والودع الأدنــى عــن القـصـب

آلت أمـــورك مـــذ جـــردت نـــفــســك مــن — مــحــامــد القــوم للتــشــهـيـر والسـبـب

وأبـــت بـــعــد العــلا والعــز صــاغــرة — صــغــار كــل ذليــل الأنــف غــيــر أبــي

لا تـغـضـبـيـن ولا تـحـمـي الدمـاء فـهل — عــادت مــيــاهـا وقـد كـانـت مـن اللهـب

وهـل تـحـسـيـن بـالحـال التـي انـعـكـسـت — أم أنــت قــد صــرت حـقـاً أعـجـب العـجـب

يــا أمــة العــزة القــعـسـاء مـالك قـد — اصــبــحــت نــهــبــاً بــأدي كــل مـنـتـهـب

أصـــبـــحــت هــاويــةً مــن كــل مــرتــبــةٍ — فــرعــت ذروتــهــا العــليــا مـن الرتـب

أصـــبـــحـــت فـــائضـــة بـــالذل خــائضــةً — فــي مــنــقــع الســوء للأذقـان والركـب

أصــبــحــت فــي ضــعــةٍ مـا مـثـلهـا ضـعـةٌ — ومــا كــمــثــل الذي قــاســيـت مـن تـعـب

وبـــت فـــي نـــوب للظـــهـــر قـــاصـــمـــة — لم يــذكــروا مـثـلهـا فـي سـائر النـوب

وبـــت لا أنـــت فــي عــيــر إذا ذكــروا — عــيـراً ولا فـي نـفـيـر السـادة النـجـب

بــل فــي تــفــرق شــمــلٍ واخــتـلاف هـوى — وفــــي تـــخـــاذل ســـادات وفـــي عـــطـــب

ومــن يــحــد مــن ســبــيـل الجـد جـد بـه — صـــرف الزمـــان ولاقــى حــســرة اللعــب

أنــهــبــت مــلكــك لا تــدريـن مـن سـفـهٍ — أن البــــلاد غـــدت للأجـــنـــب الثـــلب

أضــحــت ديــارك غــنــمــاً للشــعـوب وقـد — حــرمــت مــمـا بـهـا مـن خـيـرهـا السـرب

هــدمــت أركــان مــجــدٍ قــد بــنـاه لنـا — أجـدادنـا الصـيـد مـن أسـلافـنـا العرب

قـــوضـــت أطــنــاب عــز شــامــخ فــمــضــى — وصـــرت لا فـــي عــلا مــنــه ولا عــتــب

ومــن يــضــيــع تــليــد المـجـد ضـاع بـه — وهــانَ فــي قــومــهِ الأدنــيــن والجـنـب

أفـرطـت فـي جـمـع مـا يـخـزي بـنـيك وقد — صــيــرتــهــم هــدفــاً للأســهــم الصــيــب

نــصــبــتــهــم غــرضــاً للدهــر يـرشـقـهـم — بـــأنـــصـــلٍ أكـــلتـــهـــم أكــل ذي كــلب

مــفــوقــاتٍ إليــهــم مــن هــنــا وهــنــا — بــالإثــم والعــار مــن بــعـدٍ ومـقـتـرب

فـــأصـــبـــح العـــز فـــي ذل وفـــي ضــرع — وأصــبــحــت الأمــن فــي ويــلٍ وفـي حـرب

وآلت النــعــمــة العــظــمــى إلى نــقــمٍ — وحــالت الحــال فــي فــقــرٍ وفــي ســغــب

وأصـــبـــح العــرب الأمــجــاد قــاطــبــةً — عــن مــجــدهــم وعــن الأوطــان كـالغـرب

بــالأمــس هــم دولةٌ يُــروى لهــا خــبــرٌ — واليــوم هــم خــبــرٌ يــروى لذي العـجـب

بـالأمـس هـم سـادة التـاريـخ إن ذكروا — واليــوم هــم جــزء تــاريـخٍ مـن النـسـب

بــالأمــس هــم ســادةٌ صــيــد غــطــارفــة — واليــوم هــم أعــبــد الحـضـار والغـيـب

بـالأمـس هـم سـاسـة الدنـيـا بـأجـمـعها — واليــوم هــم ســوقــةً بـالرحـل والقـتـب

بــالأمــس أوطــانــهــم بــالعــز عـامـرةٌ — واليــوم أوطــانــهـم كـالمـقـفـر الخـرب

بــالأمــس تــمــتــلك الأقــطـار أمـتـهـم — واليـــوم أمـــتــهــم مــمــلوكــة الرقــب

كــم بــيـن أمـسٍ وبـيـن اليـوم مـن عـبـرٍ — ومـــن تـــجـــاريـــب للســاهــي ومــن درب

أفــعـالك العـور قـد أردت بـنـيـك فـمـن — مــســتــعــبــديــن ومــن حـيـرى ومـن حـوب

أأنــت فــي ســوء مــا تــأتــيــن عـارفـةٌ — أم أنــت مــن ظــلمـات الجـهـل فـي حـجـب

يــا خــيــر مـن أخـرجـت للنـاس مـن أمـمٍ — نـــعـــت نــعــت بــه فــي أصــدق الكــتــب

قــد كــنـت رأسـاً لأجـيـال الورى عـصـراً — فـصـرت مـن جـيـل هـذا العـصـر في الذنب

وكــنــت تــاجــاً عـلى رأس الأعـاظـم مـن — مــلوكــهــا فــغــدوت اليـوم فـي العـقـب

وكــنـت بـيـت قـصـيـد الشـعـر إن مـدحـوا — وكــنــت إن خــطــبــوا مــمـدوحـة الخـطـب

وكـــنـــت مـــحـــبـــوبـــةً للنــاس كــلهــم — والنـــاس نـــحــوك مــن هــاوٍ ومــنــجــذب

فــصــرت مــذمــومــةً فــي كــل مــجــمــعــةٍ — مــعــصـوبـة الذم فـي الأقـوام والعـصـب

وكـــنـــت هــذبــت أخــلاق الورى زمــنــاً — واليــوم مــنــك سـوى الأخـلاق لم يـعـب

وكـــنـــت حــررت مــن رق الطــغــاة ومــن — أغـــلالهـــم أمـــمـــا عــدت مــن الســلب

وكــنــت أنــقــذت مــن ظــلمٍ ومــن عــنــت — قــومــاً مــن الظــلم والظـلام فـي نـصـب

فــاليــوم تـظـلمـك الدنـيـا بـأجـمـعـهـا — ولا يـــهـــيـــجـــك هــيــاجٌ إلى الغــضــب

وكــنــت أنــقــذت مــن جــهــلٍ ومــن عـمـه — بــنــي جـهـالتـهـا الهـاويـن فـي الريـب

واليـــوم أنـــت أبـــو جـــهــلٍ وزدت بــه — زيــادة الحــمــق فــي حــمــالة الحــطــب

وكــــنـــت آمـــرةَ المـــعـــروفِ قـــائمـــةً — بــالنـهـي عـن مـنـكـرات السـوء فـي دأب

فــصــرت أنــت عــن المــعــروف مــعــرضــةً — وصــرت للمــنــكــر المــذمــوم فــي طــلب

وكـــنـــت مــوفــورة الخــيــرات صــاعــدةً — بـــــالديـــــن ذروة عـــــزمـــــضـــــطـــــرب

فــصــرت أسـفـل سـفـلاهـا كـمـا انـقـلبـت — بـــالخـــســـف ذروة طـــود شــر مــنــقــلب

يــا عــرب كــل الذي قــد كــان مـن مـدحٍ — فــي مــجــدكــم عــاد للراثـيـن مـن نـدب

يــا أمــة الرشــد والإرشــاد إنــك عــن — تــلك المــراشــد قــد أصـبـحـت فـي نـكـب

نـــســـيــت ربــك نــســيــانــاً دعــاه لأن — أنــســاك نــفـسـك فـي الطـاعـات والقـرب

اعــرضــت عــن أمــره مــن غـيـر مـا وجـل — وســرت فــي نــهــيــه مــن غـيـر مـا رهـب

تـــركـــت طـــاعـــتـــه والعـــز طــاعــتــه — ثــم ارتــكــبــت النــواهــي كـل مـرتـكـب

فـــقـــد رمـــاك بـــريـــبٍ لا شـــفــاء له — إلا النــصــوح التــي تـرضـى مـن التـوب

ومــن يــطــع ربــه اســتــكـفـى بـطـاعـتـه — ريـــب الزمـــان فــلم يــرتــب ولم يــرب

عـــطـــلت أحـــكـــام ديــنٍ كــنــت فــائزةً — بـــــه مـــــن اللَه بــــالآمــــال والإرب

نــلت المــعــالي دهــراً مــن هــدايــتــه — ومـــذ تـــركـــت هـــداه رحــت فــي صــبــب

وعــدت يــضــرب بــعــض مــنــك وا أســفــي — رقــــاب بــــعـــضٍ بـــلا داعٍ ولا ســـبـــب

سـوى التـفـانـي وإشـمـات العـدى سـفـهـاً — بـــأمـــة المــصــطــفــى طــراً وبــالعــرب

حــاربــت ربــك بــالعــصــيــان مــعــرضــةً — عـــن الوعـــيــد لســخــط الرب والغــضــب

فــســلط الله فــيــنــا مــن عــقــوبــتــه — مــا لم تــزالي بــه فـي الهـم والتـعـب

مــن كــل مــلتــهــبٍ حــقــداً ومــنــتــهــب — مــلكــاً ومــعــتــصــب ديــنــاً ومــغــتـصـب

فــاسـتـغـفـري مـن فـعـال السـوء تـائبـةً — واســتــمــسـكـي بـحـبـال اللَه وارتـقـبـي

لئن رجــعــت إلى الطــاعــات مــن كــثــبٍ — لتـــظـــفـــرن بـــحـــول اللَه مـــن كــثــب

وإن بــقــيــت عــلى مــا أنـت فـيـه فـلا — مــفــر مــن نــقــمــة الجــبــار والتـبـب

شـــر بـــشــر ومــن يــعــمــله يــلق ومــن — يـزرع مـن الشـوك لا يـحـصـد مـن العـنب

يـا ولد قـحـطـان يـا أبـنـاء يـعـرب يـا — نـسـل النـدى والهـدى يـا زيـنـة النـسب

ويـــا ســـلالة أبـــطـــال الحــروب ويــا — أشــبــال أسـد الوغـى الخـطـارة الصـعـب

ويــا بــقــيــة مــن أبــقــوا لنــســلهــم — مـــالا تـــزال له الألبــاب فــي عــجــب

لقــد غــفــلتــم وطــالت بـعـد غـفـلتـكـم — عــن هــدي طـه خـتـام الرسـل خـيـر نـبـي

عــن ديــنــكــم عـن مـعـاليـكـم وعـزتـكـم — عــن اتــبــاع الهـدى عـن أطـهـر الكـتـب

عــن هــدي أســلافــكــم قــولاً إلى عـمـل — عــــن المــــعــــارف والأخــــلاق والأدب

عــن المــآثــر عــن تــلك المـفـاخـر عـن — تــلك الذخــائر عــن هــاتــيــكـم الأهـب

عــن قــومــكــم وعـن الأوطـان أجـمـعـهـا — عــن مــجــدكــم وعــن الاحـسـاب والنـشـب

عــن الديــار التــي كــانــت مـواكـبـكـم — بــهــا وأجـنـادكـم كـالبـحـر ذي العـبـب

حــتــام تــســتــمــرئون النــوم دهــركــم — مـــمـــزق لم تـــطـــيـــبـــوه ولم يـــطـــب

حــتــام عــن ديــنـكـم تـلهـون وهـو لكـم — عـن الحـيـاتـيـن فـي الدنيا وفي العقب

حــتــام قــرآنــكــم يــشـكـو انـصـرافـكـم — عـــنـــه إلى بــاطــل الأوهــام واللعــب

حـــتـــام حــتــام والدنــيــا مــزاحــمــة — لا تـشـبـهـون الورى فـي السـعي والدأب

هـبـوا بـنـي الماجدين اليوم وانتبهوا — مــن نــومــكــم إنــكــم للجــد والتــعــب

هـبـوا إلى صـالح الأعـمـال واعـتـصـموا — بــصــدقــهــا إنــكــم للصــدق لا الكــذب

هــبــوا لنــصــرة ديــن اللَه تـنـتـصـروا — بــالديــن فــي كــل مــأمــولٍ ومــرتــقــب

هبوا إلى السعي في الساعين وانتشلوا — أوطــانــكــم مــن حــضــيـض الذل والريـب

هــبــوا إلى الذود عــن أعـراض أمـتـكـم — وعــن حــقــيــقــتــكــم والنـسـل والعـصـب

هــبــوا جــمــيــعــاً إلى إصــلاح امـركـم — وأقـدمـوا أقـدمـوا فـالمـوت فـي الهـرب

هــبــوا إلى الجــد جــد الأســد واثـبـةً — فــــالوقـــت للجـــد لا للهـــو والطـــرب

هــبــوا إلى العــمــل المــرضــي لربـكـم — إن الرضـــى لدواء المـــقـــت والغـــضــب

كــفــى مــنـامـاً وتـفـريـطـاً كـفـى وكـفـى — عـيـبـاً سـواكـم بـه فـي النـاس لم يـعـب

كـفـى افـتـراقـاً كـفـى جـهـلاً كـفى عنتاً — كــفــى شــتــاتــاً كــفـى يـا أمـة العـرب

يــا مـالك المـلك يـا مـن لا شـريـك له — يـا مـنـعـمـاً بـالرضـى يـا كـاشـف الكرب

الطـف بـنـا واهـدنـا وافـتـح بـصـائرهـا — وعـــافـــنــا واعــف عــن أوزارنــا وتــب

وامــنــن عــليــنــا وألف بــيـن أمـتـنـا — فـــإن أمـــتـــنـــا جـــســـم بـــلا عـــصــب

واعـطـف فـريـقـاً مـن السـادات مـجـتـنباً — عــلى فــريــقٍ مــن الســادات مــجــتــنــب

واجــعـلهـم إخـوةً فـي الديـن تـجـمـعـهـم — أواصــر الديــن فــي الحــضــار والغـيـب

رحــمــاك رحــمـاك أنـقـذ قـومـنـا وقـنـا — ذل الحــــيــــاة وأرجـــع عـــزنـــا وهـــب

ووفـــق العـــرب البـــاقـــيــن واهــدهــم — إلى ســـبـــيـــل ســـوى غـــيـــر ذي نــكــب

وارزق قــبــائلهــم إقــبــال أنــفــسـهـم — واجــعــل عــصـائبـهـم مـن خـيـرة العـصـب

أنــزل عــليــهـم غـيـوث العـفـو هـامـيـة — مــن كــل مــنــســكــب فــي إثــر مـنـسـكـب

ونــجــهــم واهــدهـم والطـف بـهـم وقـهـم — مــن الضــلال وأنــقــذهــم مــن العــطــب

لو لم يــك العــرب أقـوام النـبـي لمـا — بـقـوا عـلى مـا لقوا في الدهر من نوب

عــاشــوا كــمـا عـاش إبـراهـيـم مـعـجـزةً — فـي حـيـن تـرمـيـهـم الأقـدار في اللهب

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الريب: ريب: الرَّيْبُ: صَرْفُ الدَّهْرِ. والرَّيْبُ والرِّيبةُ: الشَّكُّ، والظِّنَّةُ، والتُّهمَةُ. والرِّيبةُ، بِالْكَسْرِ، وَالْجَمْعُ رِيَبٌ. والرَّيْبُ: مَا رابَك مِنْ أَمْرٍ. وَقَدْ رابَنِي الأَمْر، وأَرابَنِي. وأَرَبْتُ ا …
  • العرباء: العَرْبَاءُ :- من العرب: الصُّرَحاءُ الخُلَّص؛ كانت القبائل قديماً تفخر أنها من العرب العَرْباء.
  • النجب: نجب: فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ كلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَباءَ رُفَقاءَ. ابْنُ الأَثير: النَّجيبُ الفاضلُ مِنْ كلِّ حيوانٍ؛ وَقَدْ نَجُبَ يَنْجُبُ نَجَابَةً إِذا كَانَ فَاضِلًا نَفيساً فِي نَوْعِهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِي …
  • بالخيرات: [خ ي ر]. "خَيْرَاتُ الأَرْضِ لاَ حَصْرَ لَهَا" : مَوَارِدُهَا، مَنَافِعُهَا، نِعَمُهَا.
  • ترتبها: ترتب: أَبو عُبَيْدٍ: التُّرْتُب: الأَمر الثَّابِتُ. ابْنُ الأَعرابي: التُّرْتُب: التُّراب، والتُّرْتُب: العَبْدُ السُّوءُ.

قصائد ذات صلة

  • حيا الجزيرة هطال من السحب
  • حيا الجزيرة هطالٌ من السحب
  • العبد عبدك يا من أنت سيده
  • لا العيد من بعد سكان الحمى عيد
  • الناس أنت وما بالغت في الكلم
  • آلى الزمان عليه أن يواليكا
  • يا من إذا وهب الدنيا فيحسبها
  • يوم أتى الدهر فيما حزته الخبر