ما لِي أَراكَ حَلِيفَ الوَجْدِ وَالاََلَمِ
الشاعر: النحوي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر النحوي، من العصر الحديث، وتقع في 400 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ما لِي أَراكَ حَلِيفَ الوَجْدِ وَالاََلَمِ ... أَوْدَى بِجِسْمِكَ ما أَوْدَى مِن السَقَم
ذا مَدْمَعٍ بِالدَّمِ المُنْهَلِّ مُنْسَجِمِ ... أَمِــــنْ تَــــذَكُّرِ جِــــيــــرانٍ بذي سَلَمِ
مَزَجْتَ دَمعاً جَرَى مِن مُقْلَةٍ بِدَمِ ... أَصْبحْتَ ذا حَسْرَةٍ في القَلْبِ دائِمَةٍ
وَمُهْجَةٍ إِثْرَهُمْ في البِيدِ هائِمَةٍ ... شَجاكَ في الدَّوْحِ تَغْرِيدٌ لحائِمَة
أَمْ هَبَّتِ الرِيحُ مِن تِلقاءِ كاظِمَةٍ ... وأَوْمَضَ البَرْقُ في الظَلْماءِ من إِضَمِ
نَضَا لك البَيْنُ عَضْبَاً مِنْهُ مُنصَلِتا ... فلَسْتَ من قيْدِهِ ما عِشْتَ مُنفَلِتا
إِنْ كُنْتَ تُنْكِرُ ما بِالوَجْدِ عَنْكَ أَتَى ... فَما لِعَيْنَيْكَ إِن قلتَ اكْفُفا هَمَتا
وما لِقَلْبِكَ إِن قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ ... وَاهَاً لِصَبٍّ بَراهُ في الِهَوَى سَقَمُ
يُخْفِي هَواهُ وَدَمْعُ العَيْنِ مِنْه دَمُ ... فَكَيْفَ يَخْفَى وَمِنْهُ القَلْبُ مُحْتَدِمُ
أَيَحْسَِبُ الِصَِبُّ أَنّ الحُبَّ مُنْكَتِمُ ... ما بَيْنَ مُنْسَجِمٍ منْهُ ومُضْطَرِمِ
تُخْفِي الِهَوَى وَتَِبِِيتُ اِلِلَّيْلَ في وَجَلِ ... حَيْرانَ طَِرْفٍ بِعَدِّ الِنَِجْمِ مُِِشْتَغِلِ
تَِبْكِي بِِِدَمْعٍ عَلِِى الاََطْلالِ مُنْهَمِلِ ... لَولا الِهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمِْعَاً عِلى طَلَلِ
وَلا أَرِقِْتــــَ لِذِكْــــرِ البانِ والعَلَمِ ... نَمَّتْ بِِسِرِّكَ عَيْنٌ في الدُّجَى سَهِدَتْ
وَأَدْمُـــــعٌ فِـــــي مَِجــــارِي خَِدِّكَ اطَِّــــرَدَتْ ... وَبَيِّناتُ الضَنَى فِي الجِسْمِ مِنْكَ بَِدَتْ
فَكَيْفَ تُنْكِرُ حُبَّاً بَِعِْدَ مِا شَِهِِدَتْ ... بِهِ عــــليكَ عُدُولُ الِدَمِعِ والسَِقَِمِ
قَدْ صِِارَ سِِرُّكَ في أَهْل الهَوَى عَلَنا ... وَأَنْتَ تُخْفِي الِّذِي أَخْفاكَ مِنْه عَنِا
وَكَمْ نَفَى عَنْكَ عُذْرِيُّ الِهَوَى وَسَنِِا ... وَأَثْبَتَ الِِوَجِْدُ خَطَّيْ عَبْرَةٍ وَضَنا
مِثلَ الِبهارِ عِلِى خَدَّيكَ والعَنَِمِ ... فَكَمْ تَِنُوحُ عَلى الاََطْلالِ وَالدِّمَنِ
مُجاوِباً كُلَّ وَرْقاءٍ عَلَى فَنَنِ ... هَلْ طَيْفُ مَيَّةَ وَلَّى عَنكَ بالوَسَنِ
نَعَمْ سَرَى طيْفُ مَنْ أَهْوَى فَأَرَّقني ... والحُــــبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذّاتِ بالاََلمِ
فَدَعْ مَلامِي فَلَيسَ النَفْسُ مُقْصِرَةً ... عَن حُبِّ مَيٍّ وَلا لِلصبْرِ مُؤْثِرَةً
لَم يُبْقِ لي الشَّوْقُ لِلسُّلْوانِ مَقْدِرَةً ... يا لائِمي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً
مِنّي إِلَيكَ ولو أَنْصَفْتَ لم تَلُمِ ... سَلِمْتَ مِن دَنَفٍ عِنْدِي وَمِن سَهَرٍ
وَمِن وُشاةٍ أُدارِيهِمْ وَمِن فِكَرٍ ... شَتّانَ ما بَيْنَ حَالَينا لِذِي بَصَرٍ
عَدَتْكَ حالِيَ لا سِرّي بِمُسْتَتِرٍ ... عن الوُشاةِ ولا دائي بِمُنْحَسِمِ
عَذَلْتَ مَن صُمَّ عِنْدَ العَذْلِ مَسْمَعُهُ ... فَخَلِّ عَنْهُ فَلَيسَ العَذْلُ يَنْفَعُهُ
قَد قُدْتَنِي لِلهُدَى لَو كُنْتُ أَتْبَعُهُ ... مَحَضْتَنِي النُصْحَ لكنْ لَستُ أَسْمَعُهُ
إِنّ المُحِبَّ عن العُذّالِ في صَمَم ... فَــــكَــــم طَلائِعِ إِنْذارٍ وَكَم رُسُلِ
بَدَتْ بِفَوْدِي فَما أَقْصَرْنَ مِن أَمَلي ... فَكَيفَ تَطْمَعُ في رُشْدِي بِعَذْلِكَ لِي
إِنّي اتَّهَمْتُ نَصِيحَ الشَّيبِ في عَذَلي ... والشَّيبُ أبْعَدُ في نُصْحٍ عَن التُّهَمِ
أَيْقَظْتُ نَفْسِي لاَُِخْراها فَما يَقِظَتْ ... وَواعِظُ المَوْتِ وافاها فَما وُعِظَتْ
فَدَعْ زَواجِرَ لَوْمٍ مِنْكَ قَد غَلُظَتْ ... فَإِنَّ أَمّارَتي بِالسُوءِ ما اتَّعَظَتْ
مِن جَهلِها بِنَذِيرِ الشَّيْبِ والهَرَمِ ... واهَاً لَها بِالتَّصابِي قَضَّتِ العُمُرا
وَما أَصاخَتْ لِمَولاها بِما أَمَرا ... ولا اسْتَعَدَّتْ لزادٍ إِذْ نَوَتْ سَفرا
ولا أَعَدَّتْ مِن الفِعْلِ الجَميلِ قِرَى ... ضَيْفٍ أَلَمَّ بِرَأْسِي غَيرَ مُحْتَشِمِ
يُبَشِّرُ المَرْءَ لَو أَصْغَى وَيُنْذِرُهُ ... فِي ما يُرَجِّيهِ في العُقْبَى وَيَحْذَرُهُ
فَساءَ عِنْدِي لِسُوءِ الفِعْلِ مَنْظرُهُ ... لَو كُــــنْــــتُ أَعْــــلَمُ أَنّي ما أُوَقِّرُهُ
كَتَمْتُ سِرّاً بَدا لي مِنهُ بِالكَتَمِ ... فَيا لَنَفْسٍ تَمادَتْ في عَمايَتِها
واسْتَبْدَلَتْ بِضَلالٍ مِن هِدايَتِها ... فَما احْتِيالي وَقَدْ نَدَّتْ لِغايَتها
مَن لِي بِرَدِّ جِماحٍ مِن غَوايَتِها ... كَما يُرَدُّ جِماحُ الخَيْلِ بِاللُّجُمِ
نَبَتْ فَضَيَّعَتِ الدُّنيا بِنَبْوَتِها ... وَمُذ كَبَتْ ضاعَتِ الاَُخْرَى بِكَبْوَتِها
فَإِنْ تُرِدْ رَدَّها عَن غيِّ صَبْوَتِها ... فَلا تَرُمْ بِالمَعاصِي كَسْرَ شَهْوَتِها
إنّ الطَّعــــامَ يُقَوِّي شَهْوَةَ النَّهِمِ ... فَلا تَذَرْها عَلى ما تَشْتَهِي هَمَلا
فَــــرُبَّ شَهْوَةِ نَفْسٍ قَرَّبَتْ أَجَلا ... فَالنَّفْسُ طَوْعُ الفَتَى إِنْ جارَ أَوْ عَدَلا
فَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلى ... حُبِّ الرَّضاعِ وإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
أَسْخَطْتَ رَبَّكَ في ما كُنْتَ مُقْصِيَهُ ... مِن صالِحٍ وَقَبِيحٍ رُحْتَ مُدْنِيَهُ
فَإِنْ تُرِدْ أَنْ يَراكَ اللهُ مُرْضِيَهُ ... فَاصْرِفْ هَواها وَحاذِرْ أَنْ تُوَلِّيَه
إِنّ الهَوَى ما تَوَلَّى يُصْمِ أَو يَصِم ... لا تَغْترِرْ بِهُداها فَهْيَ رائِمَةٌ
لِلْغَيِّ طَبْعَاً وَلِلاََْسْواءِ سائِمَة ... فَافْطُنْ لَها وَهْيَ بِالطَّاعاتِ قائِمَةٌ
وَراعِها وَهْيَ في الاََعْمالِ سائِمَة ... وإِنْ هِيَ اسْتَحْلَتِ المَرْعَى فلا تُسِمِ
كَم خاتَلَتْكَ وما زَالَتْ مُخاتِلَةًِ ... تُولِيْكَ قَطْعَاً تَراها فِيهِ واصِلَةِ
كَــــم زَيَّنــــَتْ عِزَّةً بِالذُّلِّ شامِلَةًِ ... كَــــم حَــــسَّنَتْ لَذَّةً لِلمَرْءِ قاتِلَةً
مِن حَيثُ لَم يَدْرِ أَنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ ... لا خَيْرَ في طَمَعٍ يُفْضِي إِلى طَبَعٍ
وَمَنْظَرٍ حَسَنٍ ذِي مَخْبَرٍ شَنِعٍ ... فَساوِ حَالَيْكَ مِن يَأْسٍ وَمِن طَمَع
واخْشَ الدَّسائِسَ من جُوعٍ ومن شِبَع ... فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ من التّخَمِ
بَرَتْكَ نَفْسٌ مِن الاََدْواءِ ما بَرِئَتْ ... وَلا انْبَرَتْ لِشِفاءٍ قَطُّ مُذ بُرِئَت
فَانْهَضْ إِلى بُرْئِها لَو أَنَّها بَرِئَت ... واسْتَفْرِغِ الدَمْعَ مِن عَيْنٍ قد امْتَلاَََت
مِن المَحارِمِ وَالْزَمْ حِمْيَةَ النَدَمِ ... رَمَتْكَ مِنْكَ عُداةٌ أَقْصَدَتْكَ فَما
أَبْقَتْ بِقَلْبِكَ بَعْدَ اليَوْمِ غَيْرَ ذَما ... فَكُنْ بِطاعَةِ مَن أَنْشاكَ مُعْتَصِما
وَخالِفِ النَّفْسَ والشَّيطانَ وَاعْصِهِما ... وإِنْ هُما مَحَضاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ
فَكَمْ أَبادَا بِكَيْدٍ مِنْهُما أُمَمَا ... وَنَكَّسَا مِن أَخِي عِلْمٍ بِهِ عَلَما
فَلا تَكُنْ لهُما في حَالَةٍ سَلَمَا ... وَلا تُطِعْ مِنْهُما خَصْمَاً ولا حَكَما
فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيدَ الخَصْمِ والحَكَمِ ... فَاعْجَبْ لآِمِرِ قَوْمٍ غَيْرِ مُمْتَثِلٍ
وَعاذِلٍ عن هَواهُ غَيْرِ مُنْعَذِلٍ ... كم قَد نَصَحْتُ وَكَم في القَلْبِ مِن دَغَلٍ
أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِن قَوْلٍ بِلا عَمَلٍ ... لَقَد نسَبْتُ بِه نَسْلاًَ لِذِي عُقُمِ
فَيا لَقَلْبٍ تَمادَى في تَقَلُّبِهِ ... يُــــؤَدِّبُ النَــــاسَ ســــاهٍ عَــــنْ تَــــأَدُّبِهِ
أَوْجَبْتُ أَمْرَاً وَلَم أَعْمَلْ بِمُوجِبِه ... أَمَرْتُكَ الخَيْرَ لكنْ ما اأْتَمَرْتُ بِهِ
وما اسْتَقَمْتُ فَما قَولي لكَ اسْتَقمِ ... أَفْنيْتُ أَيّامَ عُمْرِي الغَضِّ كامِلَةً
وَلا أَرَى النَّفْسَ عَمّا ساءَ عادِلَة ... لَم أَثْنِ نَفْسَاً إِلى الآثامِ مائِلَة
وَلا تَزَوَّدْتُ قَبْلَ المَوْتِ نافِلَةَ ... وَلَم أُصَـــــلِّ سِـــــوَى فَـــــرْضٍ وَلم أَصُـــــمِ
فَكَمْ سَهَرْتُ اللَّيالي في العُكُوفِ عَلى ... ما لَيْسَ يَنْفَعُ لا عِلْمَاً وَلا عَمَلاَ
أَمَتُّ لَيْلي بِما لَمْ يَعْنِ مُشْتَغِلاَ ... ظَلَمْتُ سُنَّةَ مَن أَحْيَى الظَّلامَ إِلى
أَنِ اشْتَكَتْ قَدَماهُ الضُّرَّ مِن وَرَمِ ... كَمْ قَدْ تَعَرَّضَتِ الدُّنيا لَهُ فَلَوَى
عَنْها العِنانَ وَما أَلْوَى لَها وَأَوَى ... وَكَمْ طَوَى كَشْحَهُ عَن لَذَّةٍ وَطَوَى
وَشَــــدَّ مِن سَغَبٍ أَحْشاءَهُ وطَوَى ... تَحْتَ الحِجارَةِ كَشْحَاً مُتْرَفَ الاََدَمِ
تَــــطَــــلَّبَــــتْهُ وَحاشاهُ بِلا طَلَبٍ ... بِكُلِّ ما في كُنُوزِ الاََرْضِ مِن نَشَبٍ
فَصَدَّ عَمّا بِها مِن زِبْرِجٍ كَذِبٍ ... وَراوَدَتْهُ الجِبالُ الشُّمُّ مِن ذَهَبٍ
عَن نَفْسِهِ فأَراها أَيَّما شَمَمِ ... جَفَتْهُ لِلزُّهْدِ في الدُّنيا عَشِيرَتُهُ
فَما عَدَتْ خِيْرَةَ الرَّحمنِ خِيْرَتُهُ ... قَد بَصَّرَتْهُ بِما فِيها بَصِيرَتُه
وَأَكَّدَتْ زُهْـــــدَهُ فِـــــيــــهــــا ضَــــرُورَتُهُ ... إِنَّ الضَّرُورَةَ لا تَعْدُو على العِصَمِ
كَم صَدَّ عَن زَهْرَةٍ في رَوْضَةٍ وَفَنَنْ ... عِلْمَاً بِتِلْكَ الرِّياضِ الخُضْرِ خُضْرَ دِمَنْ
لَم يَدْعُهُ نَحْوَها ضُرٌّ وَطُولُ شَجَن ... وَكَيْفَ تَدْعُو إِلى الدُّنيا ضَرُورَةُ مَنْ
لَولاهُ لم تَخْرُجِ الدُّنيا مِن العَدَمِ ... لَوَتْ بِمَنْسَبِهِ الاََنْسابَ آلُ لُؤَيْ
وَاسْتَقْصَتِ المَجْدَ وَالعَلْياءَ آلُ قُصَيْ ... وَكَم مَحا عَن صَرِيحِ الحَقِّ شُبْهَةَ غَي
مُحمَّدٌ سَيّدُ الكَوْنَيْنِ وَالثَقَلَيْ ... نِ والفَرِيقيْنِ مِن عُرْبٍ ومِن عَجَمِ
كَم في نَعَمْ قَد أُفِيضَتْ مِن يَدَيهِ يَدٌِ ... وَكَــــم تَــــنَزَّهَ في لا واحِدٌ أَحَدِ
أَتَى بِأَمْرَينِ كُلٌّ مِنْهُما رَشَدِ ... نَبِيُّنا الآمِرُ النَّاهِي فَلاَ أَحَدِ
أَبَرَّ في قَولِ لا مِنهُ ولا نَعَمِِ ... هُوَ الشَفِيعُ لِمَنْ قَلَّتْ بِضاعَتُهُ
في الصّالِحاتِ وَمَن طالَتْ إِضاعَتُهُ ... فَاعْدُدْهُ لِلْهَوْلِ إِنْ هَالَتْ فَظاعَتُهُ
هُوَ الحَبِيبُ الّذِي تُرْجَى شَفاعَتُه ... لكلِّ هَوْلٍ من الاََهوالِ مُقْتَحَمِ
دَعا فَجَلَّى العَمَى عَن وَجْهِ مَذْهَبِهِ ... كَما جَلاَ البَدْرُ لَيْلاًَ جُنْحَ غَيْهَبِهِ
دَعا فَفازَ مُلَبِّيهِ بِمَطْلَبِه ... دَعا إِلى اللهِ فَالمُسْتَمْسِكُونَ بِه
مُستَمْسِكُونَ بحَبْلٍ غيرِ مُنْفَصِمِ ... كَم مِن نَبِيٍّ مَع المُختارِ مُتَّفَقٍ
في البَعْثِ مُخْتَلِفٍ في الفَضْلِ مُفْتَرِقٍ ... فَيا نَبِيّاً بَفَضْلٍ فيه مُتَّسِقٍ
فاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وَفي خُلُق ... ولم يُــــدانُوه في عِلْمٍ ولا كَرَمِ
بِهِ أَضاءَ لِمُوسَى في الدُّجَى قَبَسٌ ... فَالبَحْرُ مُنْفَلِقٌ وَالماءُ مُنْبَجِسٌ
والكُلُّ مِن نُورِهِ لِلنُّورِ مُقْتَبِسٌ ... وَكُلُّهُمْ مِن رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ
غَرْفاً من البَحْرِ أَو رَشْفَاً مِن الدِّيَم ... هُوَ المَثابَةُ إِن طافُوا أَوِ الْتَزَمُوا
فَالبَعْضُ مُلْتَمِسٌ وَالبَعْضُ مُسْتَلِمُ ... فَهُمْ قإِعْلانُهُ وَفْقَ مَا تُخْفِي سَرِيرَتُهُ
وواقــــفــــون لديــــه عند حدهم ... من نقطة العلم او من شكله الحكم
إعلانه وفق ما تخفي سريرته ... وَسِيرَةُ اللهِ فِي ما شاءَ سِيرَتُهُ
فَهْــــوَ الصَّفــــِيُّ لِبارِيهِ وَخِيرَتُهُ ... وَهْوَ الّذِي تَمَّ مَعْناهُ وَصُورَتُهُ
ثُمّ اصْطَفاهُ حَبِيبَاً بارِىَُ النَّسَمِ ... إِنْ قالَ فَالدُّرُّ يَزْهُو في مَعادِنِهِ
أَو جالَ فَاللَّيْثُ يَسْطُو في بَراثِنِهِ ... مُــــبَــــرَّأٌ فــــي عُــــلاهُ عَن مَوازِنِهِ
مُنَزَّهٌ عَن شَرِيكٍ في مَحاسِنِهِ ... فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فيهِ غَيرُ مُنْقَسِمِ
كَم حارَ في كُنْهِ مَعْنَى ذاتِهِ أُمَمُ ... فَالبَعْضُ فِيه هُدُوا وَالبَعْضُ عَنْهُ عَمُوا
فَــــدَعْ مَقالَةَ مَن زَلَّتْ بِهِ القَدَم ... دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَصارَى في نَبِيِّهِمُ
وَاحْكُمْ بِما شِئْتَ مَدْحَاً فيهِ واحْتَكِمِ ... فَكَمْ نَوابِغَ آياتٍ وَكَم صُحُفٍ
تُرْوَى لَهُ خَلَفَاً في المَجْدِ عَن سَلَف ... فَانْسِجْ لاََِمْداحِهِ ما شِئْتَ مِن تُحَف
وانْسِبْ إِلى ذاتِهِ ما شِئْتَ مِن شَرَفٍ ... وانْسِبْ إِلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ مِن عِظَمِ
كَفاهُ ما مِن مَزِيدِ الفَضْلِ خَوَّلَهُ ... مَن لِلْوَرَى بِالهُدَى وَالحَقِّ أَرْسَلَهُ
فَما مَقالُ امْرِىٍَ بِالمَدْحِ بَجَّلَه ... فَــــإِنَّ فَــــضْــــلَ رَسُولِ اللهِ لَيْسَ لَهُ
حَدٌّ فَيُعْرِبَ عَنهُ ناطِقٌ بَفَمِ ... كَم آيَةٍ نَكَّسَتْ مِن جاحِدٍ عَلَما
قَد جَلَّ عَنْ قَدْرِها قَدْرَاً وَجَلَّ سُما ... كَي لا تَضِلَّ بِه لَو ناسَبَتْ أُمَمَا
لَو ناسَبَتْ قَدْرَهُ آياتُهُ عِظَمَا ... أَحْيَى اسْمُهُ حينَ يُدْعَى دارِسَ الرِّمَمِ
وَافَى بأَعْجَبِ بُرْهانٍ وَأَغْرَبِهِ ... يَــــرُدُّ فــــي صِــــدْقِهِ دَعْــــوَى مُكَذِّبِهِ
وَمُذْ دَعانا إِلى أَوْضاحِ مَذْهَبِه ... لَمْ يَمْتَحِنّا بِما تَعْيَى العُقُولُ بِه
حِرْصَاً عَلينا فَلَم نَرْتَبْ ولم نَهِم ... دَنا فَشَطَّ فَأَعْيَى كُنْهُهُ البَشَرَا
فَما أَحاطَ بِمَعْناهُ امْرُؤٌ وَدَرَى ... وَكُلَّما أَمْعَنُوا في ذاتِهِ نَظَرَا
أَعْيَى الوَرَى فَهْمُ مَعناهُ فَلَيْسَ يُرَى ... لِلقُرْبِ والبُعْدِ فيه غيرُ مُنْفَحِمِ
دَانِي التَّواضُعِ سامِي المَجْدِ ذُو حِيَدٍ ... فَالنَّفْسُ في صَبَبٍ والمَجْدُ في صَعَدٍ
فَاعْجَبْ لِمُقْتَرِبٍ لِلعَيْنِ مُتَعِدٍ ... كَالشَّمْسِ تَظْهَرُ لِلعَيْنَيْنِ مِن بُعُدٍ
صَغِيرَةً وَتُكِلُّ الطَرْفَ مِن أَمَمِ ... قَدْ هَذَّبَ اللهُ إِعظامَاً خَلِيفَتَهُ
وَلَم يُنَبِّهْ لِمَعْناهُ خَلِيقَتَهُ ِ ... فَكَيفَ يَبْلُغُ ذُو جُهْدٍ طَرِيقَتَهُِ
وَكَيفَ يُدْرِكُ في الدُّنْيا حَقِيقَتَهُِ ... قومٌ نِيامٌ تَسَلَّوْا عنه بِالحُلُمِِ
كَم قَدْ تَعمَّقَ في إِدْراكِهِ نَظَرٌ ... وَأُعْمِلتْ مِن ذَوِي فِكْرٍ بِهِ فِكَر
فما تَجَدَّدَ لا عِلْمٌ ولا خَبَر ... فَمَبْلَغُ العِلْمِ فِيهِ أَنَّهُ بَشَرٌ
وأَنَّهــــُ خَــــيــــرُ خَــــلْقِ اللهِ كُلِّهِمِ ... كَم جاءَتِ الرُّسُلُ الاَُولَى لِمَطْلَبِها
بِحُجَّةٍ شَعْشَعَتْ أَنوارَ مَذْهَبِها ... فَكانَ مِن نُورِهِ إِشْراقُ كَوْكَبِها
وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرامُ بِها ... فَــــإِنَّمــــا اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمِ
هُمُ النُّجُومُ بِهِمْ تُجْلَى غَياهِبُها ... ما حَجَّبَ الشَّمْسَ عَن عَيْنٍ مَغارِبُها
فَلا يُقاسُ بِنُورٍ مِنْهُ ثاقِبُها ... فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَواكِبُها
يُظْهِرْنَ أَنوارَها لِلناسِ في الظُلَمِ ... كَم شَقَّ جَيْبَ الدُّجَى مِن نُورِهِ فَلَقٌ
وَعَبَّقَ الكَوْنَ مِن أَخْلاقِهِ عَبقٌ ... فَالخَلْقُ وَالخُلْقُ كُلٌّ فِيهِ مُتَّسِقٌ
أَكْــــرِمْ بِــــخَــــلْقِ نَــــبِيٍّ زانَهُ خُلُق ... بِالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بِالبِشْرِ مُتَّسِمِ
خُـــــلْقٌ وَخَـــــلْقٌ وَكُـــــلٌّ أَيُّ مُـــــؤْتَــــلِفٍ ... جُودٌ وَبَأْسٌ وَكُلٌّ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ
فَيا لَمَوْلَى بِكُلِّ الفَضْلِ مُتَّصِفٍ ... كالزَّهْرِ في تَرَفٍ والبدْرِ في شَرَف
والبَحْرِ في كَرَمٍ والدَّهرِ في هِمَمِ ... عَلى أَسارِيرِهِ سِيما بَسالَتِه
تَلُوحُ كَالبَدْرِ يَزْهُو وَسْطَ هَالَتِه ... لَم يَبْدُ إِلاّ وَفَرُّوا مِن مَهابَتِهِ
كَــــأَنَّهــــُ وَهْــــوَ فَــــرْدٌ في جَلالَتِهِ ... في عَسْكَرٍ حِينَ تَلقاهُ وفي حَشَمِ
كَم بِالمَقالِ جَلاَ لِلرَّيْبِ مِن سُدَفٍ ... وَبِابْتِسامٍ مَحا لِلَّيْلِ مِن سُجُفٍ
فَاللَّفْظُ وَالثَّغْرُ دُرٌّ أَيُّ مُرْتَصِف ... كَأَنَّما اللُّؤْلُؤُ المَكْنُونُ في صَدَفٍ
مِن معْدِنَي مَنْطِقٍ مِنهُ ومُبْتَسَمِ ... فَلُذْ بِقَبْرٍ بِهِ الرَّحْمنُ أَكْرَمَهُ
وَمِثْلَ تَحْرِيمِهِ لِلْبَيْتِ حَرَّمَهُ ... وَالْثِمْ ثَرَى رَمْسِهِ إِنْ نِلْتَ مَلْثَمَهُ
لا طِيْبَ يَعْدِلُ تُرْبَاً ضَمَّ أَعْظُمَهُ ... طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنهُ ومُلْتَثِمِ
قَدْ شَقَّ مِيلادُهُ إِصْباحَ مَفْخَرِهِ ... عَن واضِحِ المَجْدِ سامِي الجَدِّ أَزْهَرِهِ
وَمُنْذُ بانَ الهُدَى مِن حِينِ مَظْهَرِهِ ... أَبانَ مَوْلِدُهُ عَن طِيبِ عُنْصُرِهِ
يا طِيبَ مُبْتَدَأٍ مِنهُ ومُخْتَتَمِ ... يَوْمٌ بِهِ نالَ أَهْلُ الحَقِّ أَمْنَهُمُ
مِــــن خَــــوْفِهِمْ وَأَحَقَّ اللهُ ظَنَّهُمُ ... يَوْمٌ تَبَيَّنَ فِيهِ الرُّومُ وَهْنَهُمُ
يَوْمٌ تَفَرَّسَ فِيهِ الفُرْسُ أَنَّهُمُ ... قَدْ أُنْذِرُوا بِحُلُولِ البُؤْسِ والنِّقَمِ
كَم ضاقَ فِيهِمْ مِن الاََقْطارِ مُتَّسِعٌ ... فَالكُلُّ مِنْهُمْ شَجٍ مِمّا عَرَى جَزِعٌ
فَظَلَّ كِسْرَى لَدَيْهِمْ وَهْوَ مُنْقَطِعٌ ... وباتَ إِيوانُ كِسْرَى وَهْوَ مُنْصَدِعٌ
كَشَمْلِ أَصْحابِ كِسْرَى غَيْرَ مُلْتَئِمِ ... فَكم هَوَتْ مِنهُ نَحْوَ الاََرْضِ مِن شُرَفٍ
هَوَتْ بِشامِخِ ما لِلفُرْسِ مِن شَرَفٍ ... فَالجَوُّ مُضْطَرِبُ الاََرْجاءِ مِن دَنَفٍ
والنّارُ خامِدَةُ الاََنْفاسِ مِن أَسَفٍ ... عَلَيهِ والنَّهْرُ ساهِي العَيْنِ من سَدَمِ
لَقَد تَمادَتْ عَلَى الكُفّارِ حَيْرَتُها ... إِذْ لَم تُفِدْها لِغَوْرِ الماءِ غَيْرَتُها
قَدْ غَمَّها أَنْ خَبَتْ عَنْها نُوَيْرَتُها ... وَساءَ سَاوَةَ أَنْ غَاضَتْ بُحَيْرَتُها
وَرُدَّ وارِدُها بِالغَيْظِ حِيْنَ ظَمِي ... فَالنّارُ وَالماءُ مِن خَوْفٍ وَمِن وَجَلٍ
قَدْ حالَ عَن طَبْعِهِ كُلٌّ إِلى بَدَلٍ ... فَالنارُ في صَرَدٍ والماءُ في غَلَلٍ
كَأَنَّ بِالنّارِ ما بِالماءِ مِن بَلَلٍ ... حُزْناً وبِالماءِ ما بِالنّارِ مِن ضَرَمِ
آياتُ حَقٍّ لاََِهْلِ الزَّيْغِ قامِعَةٌ ... مِنها بُرُوقُ الهُدَى في الكَوْنِ لامِعَةٌ
فَالاِِنْسُ تَلْهَجُ والاََمْلاكُ صادِعَةٌ ... والجِنُّ تَهْتِفُ وَالاََنْوارُ ساطِعَةٌ
والحَقُّ يَظْهَرُ مِن مَعْنىً وَمِن كَلِمِ ... كَم بُشِّرُوا لَو يُلَقَّوْنَ الهُدَى بِنِعَمْ
وَأُنْذِرُوا لَو يُوَقَّوْنَ الرَّدَى بِنِقَمْ ... لكِنَّهُمْ مِن عَمىً لَجُّوا بِهِ وَصَمَمْ
عَمُوا وَصَمُّوا فَإِعْلانُ البَشائِرِ لَمْ ... يُسْمَعْ وبارِقَةُ الاِِنْذارِ لَمْ تُشَمِ
أَبْدَى لَهُمْ نَبَأَ الاََصْنامِ سادِنُهُمْ ... لَمّا هَوَتْ فَخَوَتْ مِنْها مَدائِنُهُمْ
ضاقَتْ عَلى القَوْمِ في رَحْبٍ مَعاطِنُهُمْ ... مِن بَعْدِ ما أَخْبَرَ الاََقْوامَ كاهِنُهُمْ
بِأَنَّ دِيْنَهُمُ المُعْوَجَّ لَم يَقُمِ ... كَم كَذَّبُوا ما لَدَيْهِمْ فِيهِ مِن كُتُبٍ
تَعَلُّلاًَ بِأَباطيلٍ لَهُمْ كَذِبٍ ... مِن بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ مِن كَثَبٍ
وَبَعْدَ ما عايَنُوا في الاَُفْقِ مِن شُهُبٍ ... مُنْقَضَّةٍ وَفْقَ ما في الاََرْضِ مِن صَنَمِ
هَوَتْ رُجُوماً فَوَجْهُ الوَحْيِ مُبْتَسِمٌ ... عَنْ أَبْلَجٍ مِنْهُ شَمْلُ الدِّينِ مُنْتَظِمٌ
فَكُلُّ مُسْتَرِقٍ لِلسَمْعِ مُنْقَصِمٌ ... حَتّى غَدا عَن طَرِيقِ الوَحْيِ مُنْهَزِمٌ
مِن الشَّياطِينِ يَقْفُو إِثْرَ مُنْهَزِمِ ... رُمُوا مِن النَّجْمِ مُنْقَضَّاً بِتُرَّهَةٍ
قَد أَبْطَلَتْ إِذ أَطَلَّتْ كُلَّ تُرَّهَةٍ ... فَأَجْفَلُوا هَرَبَاً في كُلِّ مَهْمَهَةٍ
كَأَنَّهُمْ هَرَبَاً أَبْطالُ إِبْرَهَةٍ ... أَو عَسْكَرٌ بِالحَصَى مِن راحَتَيْهِ رُمِي
بِهِ ابْنُ مَتَّى نَجا مِن بَعدِما الْتُقِما ... وَفِي يَدَيْهِ الحَصَى تَسْبِيحُهُ عُلِما
لَم يَرْمِ لكِنَّما اللهُ العَظِيمُ رَمَى ... نَبْذَاً بِهِ بَعْدَ تَسْبِيحٍ بِبَطْنِهِما
نَبْذَ المُسَبِّحِ مِن أَحْشاءِ مُلْتَقِمِ ... كَم قَد هَدَى أُمَّةً ظَلَّتْ مُعانِدَةً
وَكُلَّما قُرِّبَتْ ظَلَّتْ مُباعِدَةً ... ومُذ بَغَتْ آيَةً بِالصِدْقِ شاهِدَةً
جاءَتْ لِدَعْوَتِهِ الاََشْجارُ ساجِدَةً ... تَمْشِي إِلَيهِ على ساقٍ بِلا قَدَمِ
جاءَتْ وَرَدَّتْ بِأَمْرٍ مِنْهُ وانْسَرَبَتْ ... فقالَ عُودِي فَعادَتْ مِثْلَما ذَهَبَتْ
جاءَتْ إِلَيهِ تَخُطُّ الاََرْضَ وَاقْتَرَبَتْ ... كَأَنَّما سَطَرَتْ سَطْرَاً لِما كَتَبَتْ
فُرُوعُها مِن بَدِيعِ الخَطِّ في اللَّقَمِ ... لَقــــد دَعاها فَلَبَّتْهُ مُبادِرَةً
فَرَدَّها مِثْلَما جاءَتْهُ صادِرَةً ... لو شاءَ كانَتْ لِعُلْياهُ مُسايِرَةً
مِثْلَ الغَمامَةِ أَنَّى سارَ سائِرَةً ... تَقِيهِ حَرَّ وَطِيسٍ لِلْهَجِيرِ حَمِي
قَد شَقَّ عَنْ قَلْبِهِ البارِي فَجَلَّلَهُ ... نُورَاً وَبِالقَمَرِ المُنْشَقِّ بَجَّلَهُ
فَلْيَهْنَأِ البَدْرُ ما الرَّحمنُ خَوَّلَهُ ... أَقْسَمْتُ بِالقَمَرِ المُنْشَقِّ أَنَّ لَهُ
مِن قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ ... وَما حَكَى اللهُ مِن فَضْلٍ لَهُ عَمَمٍ
لَم يُحْصَ عَدَّاً بِقِرْطاسٍ وَلا قَلَمٍ ... وَما رَوَى الحَبْرُ مِن خِيمٍ وَمِن شِيَمٍ
وَما حَوَى الغارُ مِن خَيْرٍ وَمِن كَرَمٍ ... وَكُلُّ طَرْفٍ مِن الكُفّارِ عَنْهُ عَمِي
أَقامَ لا وَجِلاًَ فِيهِ وَلا وَجِما ... أَجَلْ وَصاحِبُهُ مُسْتَشْعِرٌ سَدَما
فَقالَ لا تَبْتَئِسْ فَاللهُ خَيْرُ حِمَى ... فَالصِّدْقُ في الغارِ والصِّدِّيقُ لَم يَرِما
وَهُمْ يَقُولُونَ ما بِالغارِ مِن أَرِمِ ... حامَ الحَمامُ بِبابِ الغارِ إِذْ دَخَلاَ
وَالعَنْكَبُوتُ كَسَتْهُ نَسْجَها حُلَلاَ ... فَالقَوْمُ مِن حَيْرَةٍ ضَلُّوا بِها السُبُلاَ
ظَنُّوا الحَمامَ وَظَنُّوا العَنْكَبُوتَ عَلَى ... خَيْرِ البَرِيَّةِ لَم تَنْسِجْ ولَم تَحُمِ
نَسْجُ العَناكِبِ أَقْوَى كُلِّ صارِفَةٍ ... لِلسُّوءِ عَــــن فِــــئَةٍ بِــــاللهِ عارِفَةٍ
فَاسْتَغْنِ بِاللهِ في صَمّاءَ قاصِفَةٍ ... وِقايَةُ اللهِ أَغْنَتْ عَن مُضاعَفَةٍ
مِن الدُّرُوعِ وعَن عالٍ مِن الاَُطُمِ ... شَكَوْتُ دَهْرِي إِلَيهِ في تَقَلُّبِهِ
فَكُنْتُ غَلاّبَ دَهْرِي في تَغَلُّبِهِ ... فَدَعْ زَمانِيَ يَضْوَى في تَعَتُّبِهِ
ما سامَنِي الدَّهْرُ ضَيْمَاً واسْتَجَرْتُ بِهِ ... إِلاّ وَنِــــلْتُ جِوارَاً مِنْهُ لم يُضَمِ
فــــما شَكَوْتُ عَدُوَّاً في تَرَدُّدِهِ ... بِالكَيْدِ في يَوْمِهِ نَحْوِي وَفي غَدِهِ
إِلاّ ثَنَى الكَيْدَ مِنْهُ في مُقَلَّدِهِ ... وَلا الْتَمَسْتُ غِنَى الدارَيْنِ مِن يَدِهِ
إِلاّ اسْتَلَمْتُ النَّدَى مِن خَيْرِ مُسْتَلَمِ ... يَنامُ مُنْتَبِهَاً لِلْوَحْيِ مُجْمَلَهُ
وَعَى كَما قَد وَعَى مِنْهُ مُفَصَّلَهُ ... إِنْ تَعْرِفُوا ما بِهِ ذُو الوَحْيِ خَوَّلَهُ
لا تُنْكِرُوا الوَحْيَ مِن رُؤْياهُ إِنَّ لَهُ ... قَلْبَاً إِذا نامَتِ العَيْنانِ لَم يَنَمِ
كَم في المَنامِ رَأَى مِن قَبْلِ دَعْوَتِهِ ... وَحْيَاً وَحِيَّاً أَتاهُ حَالَ غَفْوَتِهِ
قَد كانَ بادِىََ بَدْءٍ مِن فُتُوَّتِهِ ... فَــــذاكَ حِينَ بُلُوغٍ مِن نُبُوَّتِهِ
فَكَيفَ يُنْكَرُ مِنهُ حالَ مُحْتَلِمِ ... أَعْظِمْ بِمَوْلىً لِوعيِ الوَحْيِ مُنْتَخَبٍ
عَلى الغُيُوبِ أَمِينٍ غَيْرِ ذِي رِيَبٍ ... سُبْحانَ مَوْلىً لَهُ لِلْوَحْيِ مُنْتَجِبٍ
تَبارَكَ اللهُ ما وَحْيٌ بِمُكْتَسَبٍ ... وَلا نَبِيٌّ عَلى غَيْبٍ بِمُتَّهَمِ
مَوْلىً مَحلُّ الهُدَى والرُّشْدِ ساحَتُهُ ... وباحَةُ الوَحْيِ والاََمْلاكِ باحَتُهُ
كَمْ أَنْعَشَتْ مَيْتَ إِمْلاقٍ سَماحَتُهُ ... كَمْ أَبْرَأَتْ وَصِبَاً بِاللَمْسِ راحَتُهُ
وَأَطْلَقَتْ أَرِبَاً مِن رِبْقَةِ اللَّمَمِ ... مَوْلىً لَهُ مِن لُبابِ المَجْدِ صَفْوَتُهُ
وَمِن مَنِيعٍ رَفِيعِ القَدْرِ صَهْوَتُهُ ... أَماتَت الكُفْرَ وَالتَضْلِيلَ دَعْوَتُهُ
وَأَحْيَتِ السَّنَةَ الشَهْباءَ دَعْوَتُهُ ... حَتّى حَكَتْ غُرَّةً في الاََعْصُرِ الدُّهُمِ
دَعا فَجَلَّلَتِ الدُّنْيا بِغَيْهَبِها ... سَحائِبٌ قَد تَدَلَّى صَوْبُ صَيِّبِها
ثَرَّتْ على الاََرْضِ مِن مُنْهَلِّ هَيْدَبِها ... بِعارِضٍ جادَ أَو خِلْتَ البِطاحَ بِها
سَيْبَاً مِن اليَمِّ أَو سَيْلاًَ مِن العَرِمِ ... كَم آيَةٍ لِذَوِي الاِِلْحادِ قَد قَهَرَتْ
قَد حاوَلُوا سَتْرَها جَهْلاًَ فَما اسْتَتَرَتْ ... يا لائِمي في مَزايا مِنْهُ قَد بَهَرَتْ
دَعْــــنِــــي وَوَصْفِيَ آياتٍ لَهُ ظَهَرَتْ ... ظُهُورَ نارِ القِرَى لَيْلاًَ عَلى عَلَمِ
دَعْــــني أُنَظِّمُ دُرَّاً سِمْطُهُ كَلِمٌ ... قَد أُحْكِمَتْ في مَبانِي لَفْظِهِ حِكَمٌ
وَإِنْ تَــــســــاوَتْ بِحالَيْهِ لَهُ قِيَمٌ ... فَالدُّرُّ يَزْدادُ حُسْنَاً وَهْوَ مُنْتَظِمٌ
وَلَيْسَ يَنْقُصُ قَدْرَاً غَيْرَ مُنْتَظِم ... كم طارَ ذُو مِقْوَلٍ فيهِ فَما وَصَلاَ
وَإِنْ تَــــجــــاوَزَ فــــي زَعْمٍ لَهُ وَغَلاَ ... فَلْيَحْتَقِرْ مَدْحَهُ وَلْيَقْصُرِ الاََمَلاَ
فَما تَطاوُلُ آمالِ المديحِ إِلى ... ما فيهِ مِن كَرَمِ الاََخْلاقِ والشِّيَمِ
عَن كُنْهِهِ السُّوَرُ العُظْمَى مُحَدِّثَةٌ ... وَلِلْمَزايا لَهُ والفَضْلِ مُورِثَةٌ
قَدِيمُ فَضْلٍ لَهُ الآياتُ مُحْدِثَةٌ ... آياتُ حَقٍّ مِن الرَّحمنِ مُحْدَثَةٌ
قَدِيمَةٌ صِفَةَ المَوْصُوفِ بِالقِدَمِ ... جاءَتْ تُبَشِّرُنا طَوْرَاً وَتُنْذِرُنا
حِرْصاً عَلَيْنا وَبِالعُقْبَى تُبَصِّرُنا ... وَمِن مَصارِعِ عادٍ كَمْ تُحَذِّرُنا
لَم تَقْتَرِنْ بزمانٍ وَهْيَ تُخْبِرُنا ... عَنِ المَعادِ وعَن عادٍ وعَن إِرَمِ
أَعْظِمْ بِمُعْجِزَةٍ لِلْوَعْدِ مُنْجِزَةٍ ... وَفِيَّةٍ بِالمَعانِي الغُرِّ مُوْجَزَةٍ
لِمِــــلَّةِ الحَــــقِّ ما دامَتْ مُعَزِّزَةٍ ... دامَت لَدَيْنا فَفاقَتْ كُلَّ مُعْجِزَةٍ
مِن النَّبِيِّينَ إِذ جاءَتْ وَلَم تَدُم ... آياتُ صِدْقٍ سَمَتْ في الصِّدْقِ عَن شُبَهٍ
كم نَبَّهَتْ مِن غَوِيٍّ غَيْرِ مُنْتَبِهٍ ... مُبَيّناتٌ فما حَقٌّ بِمُشْتَبِهٍ
مُحَكّماتٌ فما يُبْقِينَ مِن شُبَهٍ ... لِذِي شِقاقٍ ولا يَبْغِيْنَ مِن حَكَمٍ
كَم قد تَجَلَّتْ بِها لِلرَّيْبِ مِن رِيَبٍ ... وكم بِصِدْقٍ بها رَدَّتْ أَخا كَذِبٍ
ما غُولِبَتْ عَوْضُ إِلاّ وَهْيَ في غَلَبٍ ... ما حُورِبَتْ قَطُّ إِلاّ عادَ مِن حَرَبٍ
أَعْدَى الاََعادِي إِلَيْها مُلْقِيَ السَلَمِ ... كَم رامَ ذُو فِطْنَةٍ دَرْكَاً لِغامِضِها
فَخاضَ في لُجَّةٍ أَوْدَتْ بِخائِضِها ... وَكُلَّما عارَضُوها في مُناقِضِها
رَدَّتْ بَلاغَتُها دَعْوَى مُعارِضِها ... رَدَّ الغَيُورِ يَدَ الجانِي عَنِ الحَرَمِ
فَكَم يَنابِيعَ مِن هَدْيٍ وَمِن رَشَدٍ ... رَوَتْ بِرَيِّقِها المُخْضَلِّ قَلْبَ صَدٍ
أَلفاظُ دُرٍِّ كَعِقْدِ النَّجْمِ مُطَّرِدٍ ... لَها مَعانٍ كَمَوْجِ البَحْرِ في مَدَدٍ
وَفَوقَ جَوْهَرِهِ في الحُسْنِ والقِيَمِ ... جاءَتْ وَقَد طَمَّتِ الدُّنْيا غَياهِبُها
جَهْلاًَ فَجَلَّى ظَلامَ الجَهْلِ ثاقِبُها ... عَجائِبٌ ضَلَّ عنها الدَّهْرَ حاسِبُها
فَما تُعَدُّ ولا تُحْصَى عَجائِبُها ... وَلا تُسامُ عَلى الاِِكْثارِ بِالسَأَمِ
نُــــورٌ مِن اللهِ لِلتِّبْيانِ أَنْزَلَهُ ... عَلى نَبِيِّ هُدىً بِالحَقِّ أَرْسَلَهُ
وَمُذْ تَلاَ ما تَلاَ مِنها وَرَتَّلَهُ ... قَرَّتْ بِها عَيْنُ قَارِيها فَقُلْتُ لَهُ
لَقَد ظَفِرْتَ بِحَبْلِ اللهِ فَاعْتَصِمِ ... كَم أَيْقَظَتْ لو دَعَتْ لَمّا دَعَتْ يَقِظا
واسْتَحْفَظَتْ لو أَصابَتْ مَن لها حَفِظا ... فَكُنْ بِوَعْظٍ لَها إِنْ تَتْلُ مُتَّعِظا
إِن تَتْلُها خِيْفَةً مِن حَرِّ نارِ لَظَى ... أَطْفَأْتَ حَرَّ لَظَىً مِن وِرْدِها الشَبِمِ
كَم فازَ ذُو مَطْلَبٍ مِنها بِمَطْلَبِهِ ... وَأَطْلَعَتْ بَدْرَهُ مِن بَعْدِ مَغْرِبِهِ
كَم أَزْهَرَتْ وَجْهَ عاصٍ بَعْدَ غَيْهَبِهِ ... كَأَنَّها الحَوْضُ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ بِهِ
مِنَ العُصاةِ وَقَد جاؤُوهُ كَالحُمَمِ ... جاءَتْ نُجُومَاً لِتالِيها مُنَزَّلَةً
مُبَيَّناتٍ لِواعِيها مُفَصَّلَةً ... كَالشَّمْسِ نُوراً وَكَالعَيُّوقِ مَنْزِلَةً
وَكَالصِّراطِ وَكَالمِيزانِ مَعْدِلَةً ... فَالْقِسْطُ مِن غَيْرِها في الناسِ لَم يَقُمً
تَطَلَّعَتْ والحَسُودُ الغَمْرُ يَسْتُرُها ... بَغْيَاً وَقَد شَعْشَعَ الاََكْوانَ نَيِّرُها
فَما عَلَيكَ إِذا ما ضَلَّ مُنْكِرُها ... لا تَعْجَبَنْ لِحَسُودٍ راحَ يُنْكِرُها
تَجاهُلاًَ وَهْوَ عَيْنُ الحاذِقِ الفَهِمِ ... إِن أَنْكَرَ الصُّبْحَ ذُو حَيْفٍ وَذُو أَوَدٍ
فَالصُّبْحُ لَم يَخْفَ في حالٍ عَلَى أَحَدٍ ... قَد يُنْكِرُ الفَضْلَ أَهْلُ الجَهْلِ مِن حَسَدٍ
قَد تُنْكِرُ العَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِن رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الفَمُ طَعْمَ الماءِ مِن سَقَمِ
يا خَيْرَ مَن أَمَّلَ الرَّاجِي سَماحَتَهُ ... وَمَن لِجَدْواهُ مَدَّ الغَيْثُ راحَتَهُ
يا مَن بِه يَجِدُ المَكْرُوبُ راحَتَهُ ... يا خَيْرَ مَن يَمَّمَ العافُونَ ساحَتَهُ
سَعْيَاً وَفَوقَ مُتُونِ الاََيْنُقِ الرُّسُمِ ... يا مَن هُوَ النَّصْرُ في الدُنْيا لِمُنْتَصِرٍ
ومَن هُوَ الذُّخْرُ في الاَُخْرَى لِمُدَّخِرٍ ... يا مَن هُوَ الحُجَّةُ العُلْيا لِمُزْدَجِرٍ
ومَن هُوَ الآيَةُ الكُبْرَى لِمُعْتَبِرٍ ... ومَن هُوَ النِّعْمَةُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ
مَلاَتَ مِن سَيْبِ ما أَوْعَيْتَ مِن كَرَمٍ ... شِعابَ مَكَّةَ مِن فَرْعٍ إِلى قَدَمٍ
وَمُذْ دُعِيتَ لِمَرْقىً أَيِّ مُحْتَرَمٍ ... سَرَيْتَ مِن حَرَمٍ لَيْلاًَ إِلى حَرَمٍ
كَما سَرَى البَدْرُ في داجٍ مِن الظُلَمِ ... هَــــوَتْ لاِِسْرائِكَ الاَمْلاكُ مُنْزَلَةً
واسْتَقْبَلَتْكَ رِياحُ اللُّطْفِ مُقْبِلَةً ... ولَم تَزَلْ لَكَ نَحْوَ القُدْسِ مُوصِلَةً
وَبِتَّ تَرْقَى إِلى أَنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً ... مِن قابِ قَوْسَيْنِ لَم تُدْرَكْ وَلَم تُرَمِ
في لَيْلَةٍ بِكَ جَلَّتْ جُنْحَ غَيْهَبِها ... إِذ نُبْتَ عَن بَدْرِها فيها وَكَوْكَبِها
خَرَّتْ لِعَلْياكَ مِن عُلْوِيِّ مَرْقَبِها ... وَقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الاََنْبِياءِ بِها
والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلى خَدَمِ ... تَقَرَّبُوا بِكَ زُلْفَى في تَقَرُّبِهِمْ
بِخِدْمَةٍ لَكَ أَدْنَتْهُمْ لِمَطْلَبِهِمْ ... قَد كُنْتَ إِذ أَوْكَبُوا بَدْرَاً لِمَوْكِبِهِمْ
وَأَنْتَ تَخْتَرِقُ السَّبْعَ الطِّباقَ بِهِمْ ... في مَوْكِبٍ كُنْتَ فيهِ صاحِبَ العَلَمِ
ما زِلْتَ مِن أُفُقٍ تَرْقَى إِلى أُفُقٍ ... مُجاوِزَاً طَبَقَاً لِلْقُرْبِ عَن طَبَقٍ
شَأَوْتَ كُلَّ أَخِي سَبْقٍ بِمُسْتَبَقٍ ... حَتّى إِذا لَم تَدَعْ شَأْوَاً لِمُسْتَبِقٍ
مِن الدُّنُوِّ ولا مَرْقىً لِمُسْتَنِمِ ... نُبِّهْتَ لِلقُرْبِ والغَمْرُ الحَسُودُ وُقِذْ
وَقَد وَفَيْتَ بِمِيثاقٍ عَلَيكَ أُخِذْ ... وَمُذْ رُفِعْتَ وَمَن لَمْ يَدْنُ مِنْكَ نُبِذْ
خَفَضْتَ كُلَّ مَقامٍ بِالاِِضافَةِ إِذْ ... نُودِيتَ بِالرَّفْعِ مِثْلَ المُفْرَدِ العَلَمِ
أَدْرَكْتَ مِن خَطَرٍ لَوْلاَكَ ذِي خَطَرٍ ... ما لَيْسَ يُدْرَكُ في سَمْعٍ ولا بَصَرٍ
خُصِصْتَ بِالقُرْبِ مِن بادٍ وَمُحْتَضِرٍ ... كَيْما تَفْوزَ بِوَصْلٍِ أَيِّ مُسْتَتِرٍ
عَنِ العُيونِ وَسِرٍّ أَيِّ مُكْتَتَمٍ ... كَم جُزْتَ في صَهَواتِ المَجْدِ مِن حُبُكٍ
وَكَم سَمَوْتَ لِنَيْلِ القُرْبِ مِن فَلَكٍ ... وَكَم تَجاوَزْتَ دُونَ الرُّسْلِ مِن مَلَكٍ
فَحُزْتَ كُلَّ فَخارٍ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ ... وَجُزْتَ كُلَّ مَقامٍ غَيْرَ مُزْدَحَمٍ
كَم قَد خَرَقْتَ لِما وُلِّيْتَ مِن حُجُبٍ ... وَكَم رَأَيْتَ لِما أُوْلِيتَ مِن عَجَبٍ
فَجَلَّ نَعْتُكَ عَن نَظْمٍ وَعَن خُطَبٍ ... وَجَلَّ مِقدارُ ما وُلِّيْتَ مِن رُتَبٍ
وَعَزَّ إِدْراكُ ما أُوْلِيتَ مِن نِعَمٍ ... مَوْلىً بِهِ اللهُ رَبُّ الفَضْلِ فَضَّلَنا
وَبِالعِنايَةِ دَونَ الناسِ خَوَّلَنا ... فَلْيَهْنِنا ما مِنَ البُشْرَى تَجَلَّلَنا
بُشْرَى لَنا مَعْشَرَ الاِِسْلامِ إنَّ لَنا ... مِن العِنايةِ رُكْنَاً غَيْرَ مُنْهَدِمِ
فَدَعْ لِسانِيَ يَجْرِي في بَراعَتِهِ ... بِنَعْتِ مَن كُلُّ عاصٍ في شَفاعَتِهِ
أكرم بداع كرمنا في اطاعته ... لَمّا دَعا اللهُ داعِينا لِطاعَتِهِ
بِأَكْرَمِ الرُسْلِ كُنّا أَكْرَمَ الاَُمَمِ ... مَوْلىً بِهِ اللهُ أَصْفانا بِنِعْمَتِهِ
وَاخْتَصَّنا وَاصْطَفانا أَهْلَ مِلَّتِهِ ... دَعا فَمُذْ بَلَغَتْ أَنْباءُ دَعْوَتِهِ
راعَتْ قُلُوبَ العِدَى أَنْباءُ بِعْثَتِهِ ... كَنَبْأَةٍ أَجْفَلَتْ غُفْلاًَ مِن الغَنَمِ
كَم قَد سَطا بِهِمُ في كُلِّ مُشْتَبَكٍ ... لِلسُّمْرِ مُضْطَرِبِ الاََرْجاءِ مُرْتَبِكٍ
أَنَّى يَفِرُّونَ خَوْفَاً مِن سُطَا مَلِكٍ ... ما زالَ يَلْقاهُمُ في كُلِّ مُعْتَرَكٍ
حَتَّى حَكَوا بِالقَنا لَحْمَاً عَلى وَضَمِ ... أَبادَهُمْ فَقَضى بَعْضٌ بِمَضْربِهِ
رُعْباً وشالَتْ بِهِ عَنْقاءُ مُغْرِبِهِ ... والبَعْضُ ضاقَ عَلَيهِ وَجْهُ مَهْرَبِهِ
وَدُّوا الفِرارَ فَكادُوا يَغْبِطُونَ بِه ... أَشْلاءَ شالَتْ مَع العِقْبانِ وَالرَّخَمِ
تَفْنَى الدُّهُورُ وَيُبْلِي اللهُ جِدَّتَها ... وَتَــــسْتَمِرُّ ولا يَدْرُونَ مُدَّتَها
وَمِن حُرُوبٍ أُذِيقَ القَوْمُ شِدَّتَها ... تَمْضِي اللَّيالي ولا يَدْرُونَ عِدَّتَها
ما لَم تَكُنْ مِن لَيالي الاََشْهُرِ الحُرُمِ ... أَباحَهُ الدِّينُ إِذ حادُوا اسْتِباحَتَهُمْ
بكُلِّ غَرْثانَ يَسْتَقْرِي إِجاحَتَهُمْ ... ظَمْآنَ أَوْسَعَ كَي يَرْوَى جِراحَتَهُمْ
كَأَنَّما الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ ساحَتَهُمْ ... بِكُلِّ قَرْمٍ إِلى لَحْمِ العِدَى قَرِمِ
كَم قادَ أَرْعَنَ مَوّارَاً بِجائِحَةٍ ... بِعُوَّمٍ في عُبابِ الآلِ طافِحَةٍ
يَسْطُو بِشُوسٍ مَصالِيتٍ جَحاجِحَةٍ ... يَجُرَّ بَحْرَ خَمِيسٍ فَوقَ سابِحَةٍ
يَرْمِي بِمَوْجٍ مِن الاََبْطالِ مُلْتَطِمٍ ... كَم جَرَّ نَحْوَ العِدَى مِن فَيْلَقٍ لَجِبٍ
رَبِيطِ جَأْشٍ كَمَوْجِ البَحْرِ مُضْطَرِبٍ ... يَرْمِي بِشُهْبٍ كَما تَنْقَضُّ مِن شُهُبٍ
مِن كُلِّ مُنْتَدِبٍ للهِِ مُحْتَسِبٍ ... يَسْطُو بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصْطَلِمٍ
كَم أَنْهَجُوا مِن سَبِيلٍ نَحْوَ مَذْهَبِهِمْ ... بِحَدِّ خَطِّيهِمْ طَوْرَاً وَمِقْضَبِهِمْ
وَكَم وَكَم شَعَبُوا صَدْعَاً لِمِشْعَبِهِمْ ... حَتّى غَدَتْ مِلَّةُ الاِِسْلامِ وَهْيَ بِهِمْ
مِن بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَةَ الرَحِمِ ... صِينَتْ بِكُلِّ أَبِيِّ الضَّيْمِ مُنْتَدِبٍ
لِلْعِــــزِّ لَيْــــسَ بِعِزْهاةٍ وَلا لَغَبٍ ... تَنْفَكُّ في راحَةٍ وَالقَوْمُ في تَعَبٍ
مَكْفُولَةً أَبَدَاً مِنْهُمْ بِخَيْرِ أَبٍ ... وَخَيْرِ بَعْلٍ فَلْم تَيْتَمْ وَلم تَئِمِ
لَو كُنْتَ تَشْهَدُ إِذ كَرُّوا تَصادُمَهُمْ ... وَالرُّوْحُ بِالنَصْرِ لا يَنْفَكَّ قادِمَهُمْ
رَسَوْا فَلَسْتَ تَرَى قِرْناً مُقاوِمَهُمْ ... هُمُ الجِبالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصادِمَهُمْ
ماذا رَأَى مِنْهُمُ في كُلِّ مُصْطَدَمِ ... كَم أَرْهَقُوهُمْ عَذابَاً إِذ عَتَوْا صَعَدَاً
وَمَن أَرَبَّ الرَّدَى لَم يَلْقَ غَيْرَ رَدىً ... سَلْ خَيْبَرَاً حِين وَلَّى جَمْعُهُمْ بَدَدَاً
وَسَلْ حُنَيْنَاً وَسَلْ بَدْرَاً وَسَلْ أُحُدَا ... فُصُولَ حَتْفٍ لَهُم أَدْهَى مِنَ الوَخَم
الجاعِلِي الوُلْدِ شِيْبَاً عِنْدَما وُلِدَتْ ... بَعادِياتٍ عَلَيْهِمْ في الحُجُورِ عَدَتْ
المُوْرِدِي الشُّهْبِ لُجَّ المَوْتِ ما وَرَدَتْ ... المُصْدِرِي البِيْضِ حُمْرَاً بَعْدَما وَرَدَتْ
مِنَ العِدَى كُلَّ مُسْوَدٍّ مِنَ اللِّمَمِ ... الكاشِفِينَ دُجَى الهَيْجاءِ ما حَلكَتْ
بِبارِقاتٍ لاََِعْمارِ العِدَى بَتَكَتْ ... الشّاعِلِينَ بِبِيضِ الهِنْدِ ما فَتَكَتْ
والكاتِبِينَ بِسُمْرِ الخَطِّ ما تَرَكَتْ ... أَقْلامُهُمْ حَرْفَ جِسْمٍِ غَيْرَ مُنْعَجِمِ
سِلاحُهُمْ لاََِعادِيهِمْ تَحَرُّزُهُمْ ... بِعِزِّ مَوْلىً بِهِ قِدْمَاً تَعَزُّزُهُمْ
قَد مازَهُمْ بِمَزاياهُمْ مُمَيِّزُهُمْ ... شاكِي السِّلاحِ لَهُمْ سِيْما تُمَيِّزُهُمْ
والوَرْدُ يَمْتازُ بِالسِّيْما مِنَ السَّلَمِ ... هُمُ الكُماةُ أَعَزَّ اللهُ نَصْرَهُمُ
بِهِ وَطَيَّبَ طِيبَ الزَّهْرِ نَجْرَهُمُ ... وَلم تَزَلْ كُلَّما اسْتَنْشَيْتَ عِطْرَهُمُ
تُهْدِي إِلَيكَ رِياحُ النَّصْرِ نَشْرَهُمُ ... فَتَحْسَبُ الزَهْرَ في الاََكْمامِ كُلَّ كَمِي
تَسَنَّمُوا صَهَواتِ الجُرْدِ مُنْتَدِباً ... يَهْتاجُ مُشْتَمِلاًَ بِالحَزْمِ مُنْتَقِبا
أَرْسَوْا فَلَسْتَ تَرَى نِكْسَاً وَلا ثَئِبَاً ... كَأَنَّهُمْ في ظُهُورِ الخَيْلِ نَبْتُ رُبىً
مِن شِدَّةِ الحَزْمِ لا مِن شِدَّةِ الحُزُمِ ... طافُوا بِهِمْ فَتَمَنَّوا لِلنَجا نَفَقاً
في الاََرْضِ أَو سُلَّمَاً يَرْقَى بِهم أُفُقَاً ... وَمُذ عَدَوا وَغَدا جَمْعُ العِدَى مِزَقَاً
طارَتْ قُلُوبُ العِدَى مِن بَأْسِهِمْ فَرَقَاً ... فَما تُفَرِّقُ بَيْنَ البَهْمِ والبُهَمِ
مِــــن كُــــلِّ نَدْبٍ تَبُتُّ الشَّرَّ شِرَّتُهُ ... شَهْــــمٍ أُمِــــرَّتْ عــــلى العِلاّتِ مِرَّتُهُ
يَكِرُّ مَقْرُونَةً بِالنَّصْرِ كَرَّتُهُ ... وَمَن تَكُنْ بِرَسُولِ اللهِ نُصْرَتُهُ
إِن تَلْقَهُ الاَُسْدُ في آجامِها تَجِمِ ... غَوْثُ الوَلِيِّ فما يَنْفَكُّ في وَزَرٍ
حَتْفُ العَدُوِّ فَلَم يَبْرَحْ عَلى خَطَرٍ ... فَسَرِّحِ اللَّحْظَ في بادٍ وَمُحْتَضِرٍ
فَلَن تَرَى مِن وَلِيٍّ غَيْرَ مُنْتَصِرٍ ... بِهِ ولا مِن عَدُوٍّ غَيْرَ مُنْقَصِمِ
وافَى إِلى اللهِ يَدْعُو في أَدِلَّتِهِ ... والشِّرْكُ ظَـــــلَّلَ كُـــــلاًَّ فـــــي أَظِـــــلَّتِهِ
وَمُذ دَهَى الغَيَّ مُجْتاحَاً بِصَوْلَتِهِ ... أَحَــــــلَّ أُمَّتـــــَهُ فـــــي حِـــــرْزِ مِـــــلَّتِهِ
كَاللَيْثِ حَلَّ مَعَ الاََشْبالِ في الاََجَمِ ... كَفاكَ بِالذِكْرِ بُرْهاناً لِمُنْتَضِلٍ
يَرُدُّ كُلَّ دَخِيلِ الاََصْلِ ذِي دَخَلٍ ... فَاقْصِمْ بِهِ كُلَّ ذِي رَيْبٍ وَذِي جَدَلٍ
كَم جَدَّلَتْ كَلِماتُ اللهِ مِن جَدِلٍ ... فِيه وَكَم خَصَمَ البُرْهانُ مِن خَصِمِ
أُمِّيــــُّ بَــــعْــــثٍ بِهِ أَضْحَتْ مُمَيَّزَةً ... تِلْكَ العُلُومُ التي ما زِلْنَ مُلْغَزَةً
إِنْ تَبْغِ مُعْجِزَةً لِلْخَصْمِ مُعْجِزَةً ... كَفاكَ بِالعِلْمِ في الاَُمِّيِّ مُعْجِزَةً
في الجاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في اليُتُمِ ... أفْنَيْتُ عُمْرِي وَقَلْبِي في تَقَلُّبِهِ
يَهِيمُ في كُلِّ وادٍ مِن تَخَيُّبِهِ ... وَمُنْذُ بُؤْتُ بِعاصِي القَلْبِ مُذْنِبِهِ
خَدَمْتُهُ بِمَدِيحٍ أَسْتَقِيلُ بِهِ ... ذُنُوبَ عُمْرٍ مَضَى في الشِّعْرِ وَالخِدَمِ
صُبَّتْ على قَلْبِيَ العانِي مَصائِبُهُ ... مِــــن شِقْوَةٍ وَهَوىً كُلٌّ يُغالِبُهُ
دَعْني أُراقِبُ خَوْفَاً ما أُراقِبُهُ ... إِذ قَلَّدانِيَ ما تُخْشَى عَواقِبُهُ
كَأَنَّني بِهِما هَدْيٌ مِن النَّعَمِ ... دَعْني أَمُتْ نَدَمَاً إِذ لَم أَمُتْ نَدَما
مِن غَفْلَةٍ ضاعَ فيها العُمْرُ وَانْصَرَما ... وَمُذ عَصَيْتُ النُّهَى والحِلْمَ مُجْتَرِما
أَطَعْتُ غَيَّ الصِّبا في الحالَتَيْنِ وَما ... حَــــصَــــلْتُ إِلاّ عَلى الآثامِ والنَّدَمِ
فَيا لَنَفْسٍ تَمادَتْ في شَرارَتِها ... لا تَرْعَوِي عَن قَبِيحٍ مِن زَعارَتِها
تَعْتاضُ عَن رِبْحِها أَشْنَى خَسارَتِها ... فَيا خَسارَةَ نَفْسٍ في تِجارَتِها
لَم تَشْتَرِ الدِّينَ بِالدُنْيا ولَم تَسُمِ ... وَيا لاََِسْيانَ ساهِي القَلْبِ غافِلِهِ
مُسْتَبْدِلٍ حَقَّهُ جَهْلاًَ بِباطِلِهِ ... يَبْتاعُ عاجِلَهُ الفانِي بِآجِلِهِ
وَمَن يَبِعْ آجِلاًَ مِنْه بِعاجِلِهِ ... يَبِنْ له الغَبْنُ في بَيْعٍ وفي سَلَمِ
إِن فاتَني جُلُّ مَسْنُونٍ ومُفْتَرَضٍ ... فــــإِنَّ لي مِــــن وِلاهُ أَيّــــمــــا عِــــوَضٍ
فَلَمْ أَبِتْ قَطُّ مِن ذَنْبٍ على مَضَضٍ ... إِنْ آتِ ذَنْبَاً فما عَهْدِي بِمُنْتَقِضٍ
مِنَ النَّبِيِّ ولا حَبْلِي بِمُنْصَرِمِ ... عَلَى وَلائِيهِ مِيلادِي وَتَرْبِيَتِي
وبِاسْمِهِ كُلَّما نُودِيتُ تَغْذِيَتي ... إِن خُنْتُ عَهْدِي وَمِيثاقِي بِمَعْصِيَتِي
فَإِنَّ لي ذِمَّةً مِنْهُ بِتَسْمِيَتي ... مُحَمَّدَاً وَهْوَ أَوْفَى الخَلْقِ بِالذِّمَمِ
كَم مِن يَدٍ لِيَ مِنْهُ أُرْدِفَتْ بِيَدِ ... أَرْجُوهُ يَشْفَعُ يَومِي مِثْلَها بِغَدِي
مَولايَ خُذْ بِيَدِي وَاعْدِلْ غَدَاً أَوَدِي ... إِنْ لم تَكُنْ في مَعادِي آخِذَاً بِيَدِي
فَضْلاًَ وإِلاّ فَقُلْ يا زَلَّةَ القَدَمِ ... مَوْلىً أَفاضَ على الدُّنْيا مَراحِمَهُ
وذادَ عَــــن كُــــلِّ ذِي إِثْــــمِ مَــــآثِــــمَهُ ... تَراهُ يَحْرِمُ راجِيهِ مَغانِمَهُ
حاشاهُ أَن يَحْرِمَ الراجِي مَكارِمَهُ ... أَوْ يَرْجِعَ الجارُ مِنْهُ غَيْرَ مُحْتَرَمِ
أَلْزَمْتُ نَفْسِيَ مُذ كانَتْ مَمادِحَهُ ... فَما عَدِمْتُ على حالٍ مَنائِحَهُ
وكَم كَفانِيَ مِن دَهْرٍ جَوائِحَهُ ... وَمُنْذُ أَلْزَمْتُ أَفكارِي مَدائِحَهُ
وَجَـــــدْتُهُ لِخَـــــلاصِـــــي أَيَّ مُـــــلْتَــــزِمِ ... فَاهْرُبْ إِلَيهِ بِنَفْسٍ مِنكَ ما هَرَبَتْ
إِلَيهِ إِلاّ ونالَتْ مِنْهُ ما طَلَبَتْ ... فَلَيْسَ تَعْدُو المُنَى نَفْسَاً لَهُ رَغِبَتْ
وَلَن يَفُوتَ الغِنَى مِنْهُ يَدَاً تَرِبَتْ ... إِنّ الحَيا يُنْبِتُ الاََزهارَ في الاََكَمِ
سَمَّطْتُ بُرْدَةَ مَدْحٍ في عُلاهُ شَفَتْ ... أَدِيبَ بُوصِيرَ فاسْتَوْفَتْ عُلاً وَوَفَتْ
أَرْجُو بِها الفَوْزَ في العُقْبَى وَتِلْكَ كَفَتْ ... وَلَم أُرِدْ زَهْرَةَ الدُنْيا التي اقْتَطَفَتْ
يَدا زُهَيْرٍ بِما أَثْنَى عَلى هَرِمِ ... مَــــولايَ عَبْدُكَ دَلاَّهُ بِمَعْطَبِهِ
خَطْبٌ أَضاقَ علَيهِ وَجْهَ مَذْهَبِهِ ... يَدْعُوكَ والخَطْبُ طاحٍ في تَصَوُّبِهِ
يا أَكْرَمَ الخَلْقِ ما لي مَن أَلُوذُ بِهِ ... سِواكَ عِنْدَ حُلُولِ الحادِثِ العَمَمِ
أَشْفَيتُ لولاكَ مِن ذَنْبِي على عَطَبِي ... فَكُن شَفِيعي لِرَبِّيـ يَوْمَ مُنْقَلَبِي
كَم عَمَّ جاهُكَ مِن ناءٍ وَمُقْتَرِبِ ... وَلَن يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جاهُكَ بِي
إِذا الكَرِيمُ تَجَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ ... فَادْرَأْ بِجاهِكَ عَنْ نَفْسِي مَضَرَّتَها
وَاقْمَعْ عَلى نَزَقٍ فيها مَعَرَّتَها ... وَسُقْ إِليها بِدارَيْها مَسَرَّتَها
فَإِنَّ مِن جُودِكَ الدُّنْيا وَضَرَّتَها ... وَمِن عُلُومِكَ عِلْمَ اللَوْحِ والقَلَمِ
كَم بالرَّجاءِ نَجَتْ نَفْسُ امْرِىٍَ وَسَمَتْ ... وَبِالقُنُوطِ هَوَتْ أُخْرَى وَما عَلِمَتْ
كَم بَينَ مَن حُرِمَتْ يَأْسَاً وَمَن رُجِمَتْ ... يا نَفْسُ لا تَقْنَطِي مِن زَلَّةٍ عَظُمَتْ
إِنّ الكَبائِرَ في الغُفْرانِ كَاللَّمَمِ ... وَاهَاً لِنَفْسِيَ كَم بِالعَفُوِ يُكْرِمُها
رَبِّيــ الكَرِيمُ وَكَم بِالذَنْبِ أَظْلِمُها ... فَازْدَدْ رَجاءً إِذا ما ازْدادَ مَأْثَمُها
لَعَلَّ رَحْمَةَ رَبِّيــ حِينَ يَقْسِمُها ... تَأْتي على حَسَبِ العِصْيانِ في القِسَمِ
يا رَبِّ دَعْوَةَ راجٍ مِنْكَ مُلْتَمِسٍ ... أَسِيرِ جُرْمٍ بِبَحْرِ الذَنْبِ مُنْغَمِسٍ
لَولا رَجــــاؤُكَ لَمْ أَبْــــرَحْ عَلى يَأَسٍ ... يا رَبّ فَاجْعَلْ رَجائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ
لَدَيكَ واجْعَلْ حِسابِي غَيْرَ مُنْخَرِمِ ... وَفُــــكَّ عَــــبْــــدَك مِن ذَنْبٍ تَجَلَّلَهُ
بِعِبْءِ هَمٍّ لِيَومِ الحَشْرِ أَثْقَلَهُ ... وَهَبْ لَه مِن جَميلِ الصَّبْرِ أَجْمَلَهُ
وَالْطُفْ بِعَبْدِكَ في الدّارَيْنِ إِنَّ لَهُ ... صَبْرَاً مَتَى تَدْعُهُ الاََهْوالُ يَنْهَزِمِ
وَبَلِّغِ المُصْطَفَى مَعْ كُلِّ ناسِمَةٍ ... أعْلاقَ نَفْسٍ لِبُعْدِ العَهْدِ ناسِمَةٍ
وَجُدْ بِمُزْنِ ثَناءٍ مِنْكَ ساجِمَةٍ ... وَأْذَنْ لِسُحْبِ صَلاةٍ مِنْكَ دائِمَةٍ
عَلى النَبِيِّ بِمُنْهَلٍّ وَمُنْسَجِمِ ... وَاشْفَعْ بِهِ آلَهُ مَن قَدْ زَكَوْا نَسَبَاً
بِهِ وَأَصحَابَهُ أَوْفَى الوَرَى حَسَبَاً ... وَرَنِّحِ الكَوْنَ مِن أَمداحِهِمْ طَرَبَاً
ما رَنَّحَتْ عَذَباتِ البَانِ رِيحُ صَبَاً ... وَأَطْرَبَ العِيْسَ حادِي العِيْسِ بِالنَغَمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المنهل: نهل: النَّهْل: أَوَّل الشُّرْب؛ تَقُولُ: أَنهَلْتُ الإِبلَ وَهُوَ أَول سَقْيِهَا، ونَهِلَتْ هِيَ إِذا شَرِبَتْ فِي أَوَّل الوِرْد، نَهِلَتِ الإِبلُ نَهَلًا وإِبل نَوَاهِل ونِهَال ونَهَلٌ ونُهُول ونَهِلَة ونَهْلَى. يُقَال … (لسان العرب)
- بالوجد: وجد: وجَد مَطْلُوبَهُ وَالشَّيْءُ يَجِدُه وُجُوداً ويَجُده أَيضاً، بِالضَّمِّ، لُغَةٌ عَامِرِيَّةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا فِي بَابِ الْمِثَالِ؛ قَالَ لَبِيدٌ وَهُوَ عَامِرِيٌّ: لَوْ شِئْت قَدْ نَقَعَ الفُؤادُ بِشَرْبةٍ، ... ت … (لسان العرب)
- بجسمك: جَسَمَ: الجِسْمُ: جَمَاعَةُ البَدَنِ أَو الأَعضاء مِنَ النَّاسِ والإِبل وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَنواع الْعَظِيمَةِ الخَلْق، وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ للأَعراض فَقَالَ يَذْكُرُ عِلْم القَوافي: لَا مَا … (لسان العرب)
- تغريد: غرد: الغَرَدُ، بِالتَّحْرِيكِ: التَّطْرِيبُ فِي الصَّوْتِ والغِناء. والتَّغَرُّدُ والتغريدُ: صَوْتٌ مَعَهُ بَحَحٌ؛ وَقَدْ جَمَعَهُمَا امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي قَوْلِهِ يَصِفُ حِمَارًا: يُغَرِّدُ بالأَسْحارِ فِي كلِّ سُدْفَة … (لسان العرب)
- تلقاء: لقا: اللَّقْوة: دَاءٌ يَكُونُ فِي الْوَجْهِ يَعْوَجُّ مِنْهُ الشِّدق، وَقَدْ لُقِيَ فَهُوَ مَلْقُوٌّ. ولَقَوْتُه أَنا: أَجْرَيْت عَلَيْهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الْمُهَلَّبِيُّ واللُّقاء، بِالضَّمِّ وَالْمَد … (لسان العرب)
- جيران: جير: جَيْرِ: بِمَعْنَى أَجَلْ؛ قَالَ بَعْضُ الأَغفال: قَالَتْ: أَراكَ هارِباً لِلْجَوْرِ ... مِنْ هَدَّةِ السُّلْطانِ؟ قُلْتُ: جَيْرِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرَّكُوهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وإِلا فَحُكْمُهُ السُّكُونُ … (لسان العرب)
- شجاك: شجا: الشَّجْوُ: الهَمُّ والحُزْنُ، وَقَدْ شَجاني يَشْجُوني شَجْواً إِذَا حَزَنَه، وأَشْجَاني، وَقِيلَ: شَجَانِي طَرَّبَني وهَيَّجَني. التَّهْذِيبُ: شَجَانِي تَذَكُّرُ إلفِي أَي طَرَّبَني وهَيَّجَني. وشَجَاهُ الغِناءُ إِذ … (لسان العرب)