أرى هِمَّةً تختالُ بينَ الكواكبِ
الشاعر: السري الرفاء · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر السري الرفاء، من العصر العباسي، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أرى هِمَّةً تختالُ بينَ الكواكبِ ... وطَوْداً من العلياء صعْبَ الجَوانبِ
ومَــــربِــــضَ آسادٍ ومَعدِنَ سُؤدُدٍ ... ومَوئلَ مطلوبٍ وغايةَ طالبِ
عُلىً مَلَكَتْ لُبَّ الأميرِ وإنَّما ... تَمَلَّكُ ألبابَ الكرامِ المَناجب
تَروحُ به بينَ الصَّوارمِ والقَنا ... وتَغدو به بينَ اللُّهى والمَواهِبِ
فَتىً طالبيُّ الدِّينِ أصبحَ جُودُه ... يُحَسِّنُ للطُلاَّبِ وجهَ المطالبِ
تَساهَمَ فيه العُربُ والعُجمُ فاحتوى ... على المجدِ من أقيالِها والمرزابِ
وكَم ومَضَتْ أسيافُهُ بمشارقٍ ... فراعَ العِدا إيماضُها بمَغاربِ
حُيِيتَ على رَغمِ الحسودِ بَجَنَّةٍ ... حبَتْكَ بأنواعِ الثِّمارِ الأطايبِ
تَعَجَّلْتَ منها ما يُعَجَّلُ مثلُه ... لكلِّ جَميلِ السَّعيِ عَفِّ المَذاهبِ
مَيادينُ رَيحانٍ كأنَّ نسيمَه ... نَسيمُ الهَوى أيامَ وَصْلِ الحَبائبِ
كــــأنَّ سواقيه سلاسلُ فِضَّةٍ ... إذا اطَّرَدَتْ بين الصَّبا والجَنائبِ
وروضٌ إذا ما راضَه الغيثُ أنشأتْ ... حدائقُه وَشْياً كوَشْيِ السّبائبِ
وحاليةُ الأجيادِ من ثَمرَاتِها ... مفُلَّكَةُ الأجسامِ خُضرُ الذَّوائبِ
خَرَقْنَ الثَّرى عن مائه الغمْرِ فارتَوتْ ... أسافُلها من زاخرٍ غيرِ ناضبِ
إذا ما سَقْتَهُنَّ السَّحائبُ شُربةً ... خلَطْنَ بماءِ البَحرِ ماءَ السَّحائبِ
تُقِلُّ شماريخَ الثِّمارِ كأنها ... إذا طَلَعت حُمْراً أكفُّ الكَواعبِ
وجــــاعــــلةٌ دَرَّ السَّحــــابِ مُدامةً ... إذا شَرِبَتْ دَرَّ السَّحاب الصوائبِ
لها كالئ يُذكي اللِّحاظَ خِلالَها ... حَذاراً عليها من سِخاطِ النوائبِ
يرُدُّ إليها حيَّةَ الماءِ ما انكفَتْ ... عن القصدِ أو صَدَّت صدودَ المُجانبِ
فقد لَبِسَت خُضْرَ الغَلائلِ وانثنَت ... لها مُرجَحِنَّاتٌ بخُضْرِ الشَّواربِ
قُطوفٌ تساوى شِربُها وتبايَنت ... تَبايُنَ مُسوَدِّ العِذارِ وشائبِ
فمن بَرَدٍ لم يَجلُ للشَّمسِ حاجباً ... من الظلِّ إلا غازَلَتْه بحاجبِ
بدائعُ أضحَتْ في المذاقِ أقارباً ... وإن كنَّ في الألوان غيرَ أقاربِ
ترى الماءَ شتَّى السُّبْلِ يَنسابُ بينَها ... كما رِيعَتِ الحيّاتُ من كلِّ جانبِ
ومسترفِدٌ تيَّارَ دِجلةَ رافداً ... سواحلَها من نازحٍ ومُقاربِ
يسيرُ وإن لم يبرَحِ الدهرَ خُطوةً ... فليس بوقَّافٍ وليس بساربِ
مواصلُ إيجافٍ تكادُ تُجيبُه ... إذا حنَّ ليلاً مُوجِفاتُ الرَّكائبِ
تَسيلُ خلالَ الرَّوْضِ من فَيْضِ دمعِه ... قَواضبُ تُزري بالسيوفِ القَواضبِ
وممتنعٌ جِلْبابُه الغيمُ في الضُّحى ... وحِلْيتُه في الليلِ زُهْرُ الكواكبِ
اضاءَ فلو أنَّ النجومَ تحيَّرتْ ... ضَلالاً هَداها سُبْلَها في الغَياهبِ
له شَــــرَفاتٌ كالوذائلِ أشرَفَتْ ... على نازحِ الأقطارِ نائي المناكِبِ
إذا لبِسَت وَرْسَ الأصيلِ حسِبْتَها ... تُعَلُّ برَقراقٍ من التِّبرِ ذائبِ
مجاورُ بَرِّ ضاحكِ النَّوْرِ مُعْشبٍ ... وبحرٍ طَموحِ المَوجِ عَذْبِ المشاربِ
إذا بَكَرَ القَنَّاصُ فيه وأعزَبَتْ ... حبائلُه في صَيدِ تلك العوازِبِ
رأيْتَ بناتِ البحرِ مَوشِيَّةَ القَرَا ... به وبناتِ البَرِّ بِيضَ التَّرائبِ
محاسنُ أرزاقٍ من النَّوْرِ والمَها ... يُغِذُّ إليها طالبٌ غيرُ خائبِ
فَمِنْ سانحٍ بالخيرِ في إثْرِ سابحٍ ... ومُختضِبِ الأطرافِ من دمِ خاضبِ
وآمنةٍ لا الوحشُ تَذْعَرُ سِربَها ... ولا الطيرُ منها دامياتُ المخالبِ
هي الرَّوْضُ لم تَنْشَ الخَواملُ زَهْرَه ... ولا اخضَلَّ عن دمعٍ من المُزْنِ ساكبِ
إذا انبعَثتْ بينَ الخمائلِ خِلْتَها ... زرابيَّ كسرى بثَّها في الملاعبِ
وإن عُمْنَ في طامي المياهِ تَبسَّمَتْ ... غرائِبُها ما بينَ تلك الغَرائبِ
ودُهْمٌ إذا ما الليلُ رَفَّعَ سِجْفَه ... تكشَّفَ منها عن وجوهٍ شَواحبِ
وإن آنسَتْ شَخصاً من الإنسِ صَرْصَرَتْ ... كما صَرصرَتْ في الطِّرسِ أقلامُ كاتبِ
جِبالٌ رسَتْ في لُجَّةٍ غيرَ أنها ... تُحاذرُ أنفاسَ الرياحِ اللَّواعبِ
إذا عايَنتْ للماءِ وَفْداً رأيْتَها ... تُودِّعُ نمه غائباً غيرَ آيبِ
يسيرُ إليها الرَّكبُ في لُجِّ زاخرٍ ... وليسَ سوى أولادِها من مراكبِ
تَضُمُّ رجالاً أغربَ الشَّيبُ فيهِمُ ... فمالَ على أَشْفَارِهِمْ والحواجبِ
فمن رَهَجٍ لا يُستثارُ بحافرٍ ... لديهم وخيلٍ لا تَذِلُّ لراكبِ
عَجائبُ مُلْكٍ في فَنائلَ لم تَكُنْ ... عجائبُ مُلْكٍ قبلَها بعجائب
هي الحرَمُ المحميُّ مِمَّنـ يرومُه ... بكلِّ صَقيلِ المتْنِ عَضْبِ المَضاربِ
مواطنُ لم يَسحَبْ بها الغَيُّ ذيلَه ... وَكَمْ للعوالي بينَها من مساحِبِ
أبا حَسَنٍ لا زالَ وُدُّكَ مَشرَبي ... إذا بَعُدَت يوماً عليَّ مشاربي
نُهنِّيكَ بالبُرْءِ الذي قامَ فِعلُه ... مقامَ الضُّحى والحِنْدِسِ المتراكبِ
أعادَ رياضَ الحمْدِ مُونَقَةَ الرُّبا ... ورَدَّ رياحَ الجُودِ ريَّاــ المَشاربِ
فَصَدَّقَ مِنْ ظَنِّ الصديقِ وأكذَبتْ ... مواقعُه ظَنَّ العدوِّ المُحاربِ
إذا كنتَ من صَرْفِ الحوادثِ مُعْتِبي ... فلسْتُ عليها ما حَيِيتُ بعاتبِ
إليكَ القوافي الغُرَّ لا نَظْمَ سارقٍ ... ولا فِكْرَ مَأْفُونٍ ولا لفْظَ حاطبِ
كتائبَ حَمْدٍ لو رَمَيْتَ بها العِدا ... غَداةَ الوَغى قامتْ مَقامَ الكتائبِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجوانب: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ. (لسان العرب)
- المطالب: طلب: الطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه. والطِّلْبَةُ: مَا كَانَ لكَ عِنْدَ آخرَ مِنْ حَقٍّ تُطالِبه بِهِ. والمُطالَبة: أَن تُطالِبَ إِنساناً بِحَقٍّ لَكَ عِنْدَهُ، وَلَا تَزَالُ تَتَقاضاه وتُطالبه بِذَلِكَ … (لسان العرب)
- المناجب: نجب: فِي الْحَدِيثِ: إِنَّ كلَّ نَبِيٍّ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُجَباءَ رُفَقاءَ. ابْنُ الأَثير: النَّجيبُ الفاضلُ مِنْ كلِّ حيوانٍ؛ وَقَدْ نَجُبَ يَنْجُبُ نَجَابَةً إِذا كَانَ فَاضِلًا نَفيساً فِي نَوْعِهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِي … (لسان العرب)
- بمشارق: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)
- بمغارب: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)
- تساهم: تسا: ابْنُ الأَعرابي: سَاتاهُ إِذَا لَعِبَ مَعَهُ الشَّفَلَّقَةَ، وتاسَاهُ إِذَا آذاهُ واسَتَخَفَّ به، والله أَعلم. (لسان العرب)
- سؤدد: سدد: السَّدُّ: إِغلاق الخَلَلِ ورَدْمُ الثَّلْمِ. سَدَّه يَسُدُّه سَدّاً فَانْسَدَّ وَاسْتَدَّ وَسَدَّدَهُ: أَصلحه وأَوثقه، وَالِاسْمُ السُّدُّ. وَحَكَى الزَّجَّاجُ: مَا كَانَ مَسْدُودًا خِلْقَةً، فَهُوَ سُدٌّ، وَمَا كَا … (لسان العرب)
- طالبي: طلب: الطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه. والطِّلْبَةُ: مَا كَانَ لكَ عِنْدَ آخرَ مِنْ حَقٍّ تُطالِبه بِهِ. والمُطالَبة: أَن تُطالِبَ إِنساناً بِحَقٍّ لَكَ عِنْدَهُ، وَلَا تَزَالُ تَتَقاضاه وتُطالبه بِذَلِكَ … (لسان العرب)