أَفقتُ وقد نامَ كلُّ البشرْ

الشاعر: أمين تقي الدين · البحر: المتقارب · الغرض: قصيدة غزل

هذه القصيدة من شعر أمين تقي الدين، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أَفقتُ وقد نامَ كلُّ البشرْ ... وسادَ على الكائناتِ السكونْ

وأَقبل وسط السماء القمرْ ... يحفُّ به النجم ساجي العيونْ

وليس سوى لمعان النجومِ ... على الماء يحكي بريق الّلآلْ

وليس سوى خطرات النسيم ... تميلُ مع الغصن من حيث مال

مظاهرُ وحيٍ لأهل النظيم ... ومجلىً بعيد المدى للخيال

فيا ليلُ طُلْ لا عراك القِصَرْ ... لعلّكَ يا ليلُ تجلو الشجونْ

ويا قلب طِرْ بجناح الفكَرْ ... لك النجم فوق الأثير سفينْ

وطار فؤاديَ يبغي السما ... وعينُ الكواكب لا ترقدُ

مجدّاً يحثُّ السرى كلما ... عدا فرقداً راقهُ فرقدُ

إلى أَن رأَى في الفضا سلَّما ... عليها ملائكةٌ تصعد

فأجنحةٌ رُصّعت بالدررْ ... وأجنحةٌ من نضارٍ ثمينْ

إذا طويتْ فدُجىً منتشرْ ... أو انتشرت فصياحٌ مبينْ

تباركتَ يا ربَّ هذي الذرى ... وأنت الإله القويُّ العظيمْ

قضى الناس في جهلهم أدهرا ... وأنت بحال العباد عليم

فلم يفقهوا كنه هذا الورى ... وحار به كلُّ عقلٍ حكيم

تمرُّ الليالي وفيها العبرْ ... وتمضي السنون وتفنى القرونْ

وكم في الطبيعة سرٌّ ظهرْ ... وسرُّ الطبيعة ليس يبينْ

ألا أيها الكون سمعاً لما ... إلُهُكَ يوحيه للشاعرِ

فما في الوجود غموضٌ كما ... يقال فخذه على الظاهر

ولكنما الحي تحت السما ... هو السرُّ للعاقل الفاكرِ

نفختُ بآدم روح الكبرْ ... وأودعت حوّاءَ لطفاً ولينْ

فإن ضلً بعض البنين الأثرْ ... فدعهمُ في جهلهم يعمهونْ

برأْتُ الطبيعةَ في الأوَّلِ ... لأجمع أسرارها في البشرْ

فصغت الشهامة للرجل ... من الكون مجموع كل الكبرْ

وقلت بنفس الفتى فانزلي ... فنفس الفتى لكِ خير مقرْ

فما ضرَّه قصرٌ في النظرْ ... فلا تسع الكون منه العيونْ

وطيّ الجوانح نفسٌ تقر ... يضيق بها الكون والعالمونْ

وكوّنتُ حلماً من الراسياتِ ... وأنزلتهُ في جوار الشهامةْ

هي الأم وهو أب المكرماتِ ... فمنه الوفاءُ ومنها الكرامهْ

كلا الصفتين أجلُّ الصفاتِ ... فهذا الإِباءُ وتلك الفخامهْ

فيا حبذا منه خلقٌ أغرّ ... ويا حبّذا منه طبعٌ رزينْ

خلالٌ تجرُّ الخلال الزُهرْ ... وكل قرينِ خليل القرينْ

تمشّى المروءةُ في صدرهِ ... تمشّي الدما في عروق الجسدْ

ويوحي الإباءُ إلى فكرهِ ... جفاءَ الذميم وحبَّ الرشدْ

فما يقبل الضيم من دهرهِ ... ويأبى له العزُّ عيش النكد

وتسمو عن اللؤْم فيه الفكرْ ... وتغشي عن السيئات الجفونْ

نزيه اللسان صدوق الخبرْ ... عفيف الإزار سليم الظنونْ

يرى حبّ أوطانه واجبا ... فقَّدس في النفس حب الوطنْ

وعاف المُخاتلَ والكاذبا ... فصادق في سرّه والعلنْ

وما خان في ودّه صاحبا ... ولم يخفِ طيّ الضلوع الضغنْ

وجرّد من كل خبثٍ وشرّ ... ضميراً صفا كالزلال المعينْ

وجانب غطرسةَ المفتخرْ ... ونزَّههُ الفضلُ عما يشينْ

ألا أيها القلب قل للعبادِ ... بأن الشهامة فخر الرجالْ

وإنَّ الكرامة بنت الرشادِِ ... وإن المــــروءَة أم الكمالْ

وما الفضل إلا هدى للفؤادِ ... وما الحلمُ إلا أمير الخصالْ

إذا أشبه العمرُ طيفاً يمرْ ... وكان الفتى هدفاً للمنونْ

فإن دليل الحياة الأثرْ ... وما الناس إلا بما يفعلونْ

ويا أيها القلب إن الطبيعهْ ... كذاك مجمّعةٌ في النساءْ

تأملْ بهذي المجالي البديعهْ ... وهذي النجوم بهذا الفضاءْ

فمنها خلقتُ الفتاة والوديعهْ ... لتظهر في الأرض سرَّ السماءْ

وصوَّرتُها آيةً في الصورْ ... ضميراً عفيفاً وقلباً حنونْ

فجاءَت مناظرةً للقمرْ ... فمنه الكسونُ ومنها الفتونْ

بهاءٌ من القمر الطالعِ ... على القلب يُنزل وحي الغرامْ

وعينٌ من الكوكب اللامع ... وشَعرٌ كلَيلٍ أسير الهيام

ومن وهج الشفق الساطع ... على وجنتيها أقام الضرام

وفي الثغر عقدٌ نضيد الدررْ ... وما القدُّ غلا أمير الغصونْ

جمال الطبيعة فيها استقرْ ... فكانت جلاءً لسرّ مصونْ

تخذتُ وداعة قلب الحمامهْ ... وقلتُ لها هي تاجُ جمالكْ

إذا كان فخر الرجال الشهامه ... فْإن الوداعة أبهى خصالكْ

فمنها العفاف وحبُّ السلامهْ ... وهذان في الكون سر كمالكْ

ومصدر كل الصفات الغررْ ... حنان وعزة نفس ولينْ

يحدّث عنها نسيم السحرْ ... ويسرق منها الشذا الياسمينْ

تملَّكُها رقةٌ في الشعورِ ... ونعم فؤَادٍ لذاك امتلكْ

دمائه خلق وصفو ضميرِ ... يحدّث عنه صفاءُ الفلكْ

فما هي إلا مثالُ البدورِ ... وما هي في الناس إلا ملكْ

تحبُ السلام وتخشى الضررْ ... وتهوى الكريم وتجفو الضنينْ

سلافُ نفوسٍ ومجلى كدرْ ... وتعزيةٌ للفؤاد الحزينْ

فيا قلبَها ما أرقَّكـ قلباً ... وأشرفَ أخلاقَك الزاهراتْ

ويا حبَها ما أبرَّك جباً ... وأسمى عواطفَك الطيباتْ

ويا نفسَها ما ترنحتِ عجباً ... ولا عاش فيك سوى المكرماتْ

وما غض منها لسوءٍ بصَرْ ... وسالت لغير الحنان الشؤُّونْ

طبائع قلبٍ شريفٍ أبرّ ... يريك الفضائل كيف تكونْ

ألم تر ما فعل السيداتُ ... صبيحة عيدٍ سعيد منيرْ

حلمنَ الملابس فيها الهباتُ ... وألبسنها كل طفل فقيرْ

تباركتِ أيتها الفاضلاتُ ... فذلك شأن الشريف الضميرْ

ويا قلب فارجع بهذا الخبرْ ... وقل ما تعلمت للعالمينْ

أنا هكذا قد خلقت البشرْ ... ولكنما الناس لا يعقلونْ

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:

  • الشجون: شجن: الشَّجَنُ: الْهَمُّ والحُزْن، وَالْجَمْعُ أَشْجانٌ وشُجُونٌ. شَجِنَ، بِالْكَسْرِ، شَجَناً وشُجُوناً، فَهُوَ شاجِنٌ، وشَجُنَ وتشَجَّنَ، وشَجَنَه الأَمرُ يَشْجُنُه شَجْناً وشُجُوناً وأَشْجَنهُ: أَحزنه؛ وَقَوْلُهُ: يُو … (لسان العرب)
  • النظيم: نظم: النَّظْمُ: التأْليفُ، نَظَمَه يَنْظِمُه نَظْماً ونِظاماً ونَظَّمَه فانْتَظَمَ وتَنَظَّمَ. ونَظَمْتُ اللؤْلؤَ أَيْ جَمَعْتُهُ فِي السِّلْك، والتَّنْظِيمُ مِثْلُهُ، وَمِنْهُ نَظَمْتُ الشِّعر ونَظَّمْته، ونَظَمَ الأَمر … (لسان العرب)
  • بجناح: جنح: جَنَحَ إِليه[[. قوله [جنح إِليه إلخ] بابه منع وضرب ونصر كما في القاموس.]] يَجْنَحُ ويَجْنُحُ جُنُوحاً، واجْتَنحَ: مالَ، وأَجْنَحَه هُوَ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ: فَمَرَّ بالطيرِ مِنْهُ فاحِمٌ كَدِرٌ، ... فِيهِ الظِّب … (لسان العرب)
  • ترقد: رقد: الرُّقاد: النَّوْم. والرَّقْدَة: النَّوْمَةُ. وَفِي التَّهْذِيبِ عَنِ اللَّيْثِ: الرُّقود النَّوْمُ بِاللَّيْلِ، والرُّقادُ: النَّوْمُ بِالنَّهَارِ؛ قَالَ الأَزهري: الرُّقاد والرُّقُود يَكُونُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَا … (لسان العرب)
  • خطرات: خطر: الخاطِرُ: مَا يَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرٍ أَو أَمْرٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الْخَاطِرُ الْهَاجِسُ، وَالْجَمْعُ الْخَوَاطِرُ، وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ وَعَلَيْهِ يَخْطِرُ ويَخْطُرُ، بِالضَّمِّ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ … (لسان العرب)
  • ساجي: قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا سَجى﴾ [الضحى : 2] ، أي: سكن، وهذا إشارة إلى ما قيل: هدأت الأرجل، وعين سَاجِيَةٌ: فاترة الطّرف، وسَجَى البحر سَجْواً: سكنت أمواجه، ومنه استعير: تَسْجِيَةُ الميّت، أي: تغطيته بالثوب. (مفردات الراغب)
  • سفين: سفن: السَّفْنُ: القَشْر. سَفَن الشيءَ يَسْفِنه سَفْناً: قَشَّرَهُ؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ: فجاءَ خَفِيَّاً يَسْفِنُ الأَرضَ بَطْنُه، ... تَرى التُّرْبَ مِنْهُ لَاصِقًا كلَّ مَلْصَق. وَإِنَّمَا جَاءَ مُتَلَبِّدًا عَلَى الأ … (لسان العرب)
  • عراك: عرا: عَرَاهُ عَرْواً واعْتَرَاه، كِلَاهُمَا: غَشِيَه طَالِبًا مَعْرُوفَهُ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ: أَنه سَمِعَ ابْنَ الأَعرابي يَقُولُ إِذا أَتيْت رجُلًا تَطْلُب مِنْهُ حَاجَةً قلتَ عَرَوْتُه وعَرَرْتُه واعْتَرَيْتُه واعْتَرَر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • حدثت نفسي فاستثرت هيامها
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة