طوى الموت إبراهيم!
الشاعر: محمود غنيم · البحر: الطويل
«طوى الموت إبراهيم!» من شعر محمود غنيم، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ألا، ما هذا الروض صوَّحَ زاهرهُ ... وذابت أغانيه وأجفَلَ طائره؟
ألا، ما لهذا البحر غِيضَ عبابهُ ... وعُطِّلُ مُرساه وأُسكت هادره؟
ألا، ما لهذا الطودِ خرَّ أساسُهُ؟ ... ألا، ما لهذا الغيثِ أخلف ماطره؟
ألا أيُها الوفَّادُ، حُلُّوا رِحالَكم ... طوى الموتُ إبراهيمَ وانفضَّ سامره!
سلوا القصرَ: ما للقصر غشَّي سماءَهُ ... قَنامٌ، وقُدَّت من حِدادٍ ستائره؟
وماذا به من وحشةٍ وتجهُّمٍ ... وكان به فيضٌ من البشر غامره؟
سلام على القصر الذي رِيعَ أهلُه ... فربعت له من كل قصرٍ حرائره
أطوفُ به في صمته، وكأَنه ... مُصَلى عتيقٌ لا تُقام شعائرهِ
وكنتُ أغنيه، فيطرَبُ ربُّه ... فما بالُهُ قد أعوَلَ اليومَ شاعره؟
سلام على وجهٍ أغرَّ، كأنه ... سرجٌ وضئٌ، ساطعُ الضوء، باهره
سلام على ثاوٍ ثوت معه العلا ... وضمَّت عتاق المكرمات مقابره
على من تداعى حائط المجد بعدهُ ... وأقفر من ريع المروءة عامره
على من لوَ أن الأرض عدت همومها ... وعدّ حصاها، لا تُعدُّ مآثره
سلام على من كنتُ أسطو ببأسه ... على الدهر إن دارت عليّ دوائره
ولم أَنس، عهدًا، عهدُ «نيرون»دونه ... إذا أحصيت يوم الحساب كبائره
أوى السجن فيه كلُّ شيخٍ مهدَّمٍ ... وكلُّ صبيّ ناعماتُ أظافره
قضى حقبةً في أسره ليَ ناشئٌ ... غريرُ الصِّبا، لم يتَّق الله آسره
ولم يقترف ذنبًا، ولم يجن مأثمَا ... سوى أنه بالدين شُدْت أواصره
فناديتُ إبراهيم، والأمرُ حازبٌ ... وصدريَ بالآلام يزخرُ زاخره
فردَّ علي يعقوبَ يوسفَ بعدما ... تيقَّنَ أنّ الذئبَ في الغاب عاقره
رماك زمانٌ كنتَ تدفع شرَّهُ ... كأنك بالإحسان للناس واتره
توخَّاك لما كان مثُلك نادرًا ... بهذا الورى، والدُّرُّ أغلاء نادره
أتبعد والآمالُ دانٍ قطوفها ... ولا تحصُد الحبّ الذي أنت باذره؟
رويدك؛ فالأوطان يعصف جيشها ... بأغلالها، والنصرُ تبدو بوادره
عهدناك سبّاقًا إلى نُصرة الحمى ... إذا قلّ في وقت الشدائد ناصره
وتحملُ ألوان الأذى في سبيله ... فما كان من ذَنبِ، فحلمك غافره
إذا ذرفت عيناه، كَفكَفت معه ... وإن مسَّهُ كسرٌ، فعطفك جابره
وإن آده عبءٌ، نهضتَ بحمَله ... وإن نالهُ خصمٌ، فعزَمك قاهره
لقد كنت تحبوه بمالكَ حسبةً ... إذا راح يجبي باسمه المال تاجره
لك الله حرّامًا ما ابتغى الحُكم متجرًا ... ولا جرَّ نفعًا أهله ومعاشره!
ولا جار في عهد المظالم حينما ... تولَّى زمام الحكم في مصرَ جائره
أميرٌ مُطاع؛ غير أن ضميره ... أميرٌ عليه، نافذاتٌ أوامره
عيوفٌ ، عفيفٌ يجرحُ الفحشُ سمعه ... وفيٌّ، أمينٌ، يأمنُ الغدرَ غادره
صريحٌ إذا صافي، صريح إذا قلى ... على وجهه الوضَّاحِ تبدو سرائره
إذا ودّ إنسانًا فليس لوده ... حدودٌ، وإن عاداه فهْو مجاهره
طليق المحيا؛ ما تجهم مرَّةً ... ولا ثار إلاّ للكرامة ثائره
قريب الرضا؛ يبقى على الدهر ودُّه ... ولا يلبث الهجر الذي هو هاجره
كريمٌ؛ إذا ما الضَّيف حلّ بداره ... تَهشُّ له أرجاؤها وتسامره
شجاعٌ إذا ضنّ الشُّجاع بنفسه ... ولم يبقَ في الميدان فردٌ يؤازره
فتى صاول الجبَّار فوق سريره ... وإيمانه: فؤاده، وعساكره
ولما نعى الناعي الدًُّسوقيَّ، أمسكت ... سماءُ الحمى حزنًا، وسالت محاجره
وقلت لقلبي: جلّ خطبك، فانفطر ... فهذا الذي -يا قلب- كنت تحاذره!
بقلبي جراحٌ غائرات، ومثلها ... بقلب الحمى، والجُرح أرداه غائره
وكيف يعزَّي في خسائره الحمى ... إذا هو كنت في الرجال خسائره؟
همُ الثورةُ الكبرى إذا سادَ أرضهُ ... سلامٌ، وهمْ يومَ اللقاءِ ذخائره
ولما أُقيم المهرجان؛ تَهامَسَت ... بنعيكَ أفواهٌ، فأَعولَ زامره
مشى الركبُ يحدوه الأسى، فتعثرت ... ميامنهُ في سيرها ومياسره
فلا عينَ فيه لم تُقَرَّح جفونُها ... ولا صدرَ إلا والهمومُ تخامره
كأَن صدورَ الناس حين توهَّجت ... أَضاءت بها أنوارُه ومنائره
سلوا عن عُكاظٍ: هل تعطَّل سوقه؟ ... وهل حُطَّمت أعوادهُ ومزاهره؟
سلوا الأدبَ الفياضَ: هل غاض نبعه؟ ... وهل طُويت أقلامُه ومحابره؟
أَمن بعد إبراهيمَ للشعب موكبٌ ... يُقام بمصرٍ أو تُدقُّ بشائره؟
وهل بعد إبراهيمَ من مُتكلمٍ ... يُحاضرنا، أو من سميعٍ نحاضره؟
لقد كان حصنًا للأديب؛ فإن يمت ... فكلُّ أديبٍ تاعسُ الجدِّ عاثره
مضى ناظمٌ الشعر الرصين قلائدًا ... وناقدُه نقدَ البصير، وناشره!
وما الشعرُ إلا الروحُ، لو أنه سرت ... إلى هيكلٍ بالٍ، تحرّكَ ناخره
به يقدم الهبَّابُ في ساحة الوغى ... ويأنسُ من وحش المفاوزِ نافره
وما عالَمٌ لم يصقل الشعر ذوقه؟ ... وما أُمَّةٌ لم تعلُ فيها منابره
إذا لم تَقُم للشعر في الشعب دولةٌ ... تيقنت أنّ الشعبَ ماتَتْ مشاعره
وقفتُ على قبر الدسوقيِّ وقفةً ... يُساورنُي فيها الأسى وأُساوره
عرفتُ بها الأفلاكَ كيف وقوفُها ... وأدركت هذا الخلقَ كيف مصايره
وآمنتُ أنّ المجدَ، والجاهَ، والعلا ... سرابٌ كذوبٌ، يخدعُ الناسَ ظاهره
كأنَّيَ ما أبصرت جامَ منيَّةٍ ... يدور، ولا أيقنت أنِّى معاقره
فيا لَكَ قبرًا يخطب الناس صخره ... ويُدرك أسرارَ العوالم زائره!
ويا لك قبرًا خُطَّ في الأرض معهدًا ... وبزَّ ابن سينا في الحقائق حافره!
ألا أيها البيتُ الكريم نَجَارُهُ ... مصابك يؤتى الأجر ضعفين صابره
تشاطرك الأحزان مصر، ولم يهن ... حزينٌ، غداةَ الحزن مصرُ تشاطره
وما مات إبراهيمُ، لكنَّه على ... ممرِّ الليالي خالدُ الذكر، عاطره
سلامٌ عليه كلما ذُكر اسمُه ... فعطَّرَ أرجاءَ الكنانة ذاكره
سلام عليه راحَ وهْو مُبرَّأٌ ... تقيٌّ، نقيٌّ، أبيض الثوب، طاهره
مضى، وبيمناه سجلُّ حياته: ... يشرِّفُ ماضيه، ويُشرق حاضره
إذا كان للأطهار سفرٌ يضمُّهم ... فأوّلُ هذا السِّفرِ أنتَ وآخره
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الطود: طود: الطَّوْدُ: الجبل العظيم. وفي حديث عائشة تصف أَباها، رضي الله عنهما: ذاك طَودٌ مُنِيفٌ أَي جبل عال. والطَّوْدُ: الهَضْبَةُ؛ عن ابن الأَعرابي، والجمع أَطْوادٌ؛ وقوله أَنشده ثعلب: يا مَنْ رأَى هامَةً تَزْقُو على جَدَثٍ … (لسان العرب)
- الوفاد: فأد: فأَد الْخُبْزَةَ فِي المَلَّة يَفْأَدُها فَأْداً: شَوَاهَا. وَفِي التَّهْذِيبِ: فأَدْتُ الخُبْزَةَ إِذا مَلَلْتَها وخَبَزْتَها فِي المَلَّةِ. والفَئِيدُ: مَا شُوِيَ وخُبِزَ عَلَى النَّارِ. وإِذا شُوِيَ اللحمُ فَوْقَ … (لسان العرب)
- حداد: حدد: الحَدُّ: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحدهما بِالْآخَرِ أَو لِئَلَّا يَتَعَدَّى أَحدهما عَلَى الْآخَرِ، وَجَمْعُهُ حُدود. وَفَصْلُ مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ: حَدٌّ بَيْنَهُمَا. وَمُنْتَهَى ك … (لسان العرب)
- رحالكم: (رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ. يُقَالُ: رَحَلَ يَرْحَلُ رِحْلَةً. وَجَمَلٌ رَحِيلٌ: ذُو رِحْلَةٍ، إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ، وَالرِّحْلَةُ: الِارْتِح … (مقاييس اللغة)
- ريع: ريع: الرَّيْع: النَّماء وَالزِّيَادَةُ. راعَ الطعامُ وَغَيْرُهُ يَرِيع رَيْعاً ورُيُوعاً ورِياعاً؛ هَذِهِ عن اللحياني، ورَيَعاناً وأَراعَ ورَيَّعَ، كلُّ ذَلِكَ: زَكا وَزَادَ، وَقِيلَ: هِيَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّقِيقِ وال … (لسان العرب)
- زاهره: زهر: الزَّهْرَةُ: نَوْرُ كُلِّ نَبَاتٍ، وَالْجَمْعُ زَهْرٌ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الأَبيض. وزَهْرُ النَّبْتِ: نَوْرُه، وَكَذَلِكَ الزهَرَةُ، بِالتَّحْرِيكِ. قَالَ: والزُّهْرَةُ الْبَيَاضُ؛ عَنْ يَعْقُوبَ. يقال أَزْهَرُ … (لسان العرب)
- سامره: سمر: السُّمْرَةُ: مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ، يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَلوان النَّاسِ والإِبل وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُهَا إِلَّا أَن الأُدْمَةَ فِي الإِبل أَكثر، وَحَكَى ابْنُ الأَعرابي السُّمْرَةَ فِي ا … (لسان العرب)