إنّا هُـنـــا !
الشاعر: محمد شريم · البحر: السريع
«إنّا هُـنـــا !» من شعر محمد شريم، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر السريع، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَهْمَـا تَعَالَـتْ سَطْوَةُ العُـدْوانِ — إِنَّـا هُنَـا بَاقُـونَ بالإيمـانِ
نَتَلَمَّسُ النُّـوْرَ المُشِـعَّ بِصَدْرِنَـا — وَقَدِ ادْلَـهَمَّ الحَـالُ بِالطُّغْيَانِ
مِنْ قَلْبِ مِشْكَاةٍ يُفَجِّـرُ ظُلْمَـةً — أَوْ نَجْمِ صُبْحٍ مُقْبِلِ اللَّمَعَـانِ
وَبِكُـلِّ قُطْرٍ نَبْعُ حَـقٍّ دَافِـقٍ — يَهَبُ الحَيَـاةَ لِغُصْنِنَا الرَّيَّـانِ
فَبَدَتْ عَلَيْـهِ مِنَ الشَّرائِعِ نَضْـرَةٌ — وَزُهُـوْرُ تَبْرِيْـكٍ مِنَ الأدْيـَانِ
فَتَجَمَّعَتْ أُمَمُ البَسِيْطَـةِ خَلْفَنَـا — أُمَمٌ مِنَ الأنْصَـارِ والإخْـوَانِ
حَتَّى وإِنْ جَمَعَ الخُصُوْمُ بِإِفْكِهِـم — زُمَراً مِنَ الشُّرَكَـاءِ وَالأَعْـوانِ
بِأَكُفِّهِـمْ يَتَضَرَّعُـوْنَ كَعَقْـرَبٍ — يَنْسَلُّ نَحْـوَ فَرَاشَـةِ الوُجْـدانِ
يَتَوَسَّلُـوْنَ وَيَنْظِمُـوْنَ بَلاغَـةً — شِعْرِيَّـةَ الإِيْحَــاءِ وَالتِّبْيَـانِ
فَإِذا سَمِعْتَ ، سمعْتَ جَرْسَ قَصِيْدَةٍ — لَكِنَّهَـا رُوِيَتْ عَنِ الشَّيْطَـانِ !
شَتَّـانَ بَيْنَ القَـوْلِ في تَجْرِيْـدِهِ — وَالوَاقِـعِ المَلْمُـوسِ في المَيْـدانِ
فَانْظُرْ سِهَـامَ البَطْشِ في أَقْوَاسِهِم — وَانْظُـرْ لِما فَعَلَتْ مِنَ الإِثْخَـانِ
كَمْ نَجْمَـةٍ فُقِئَتْ بِنَبْوَتِهَـا وَكَم — بِسَدادِهَا انْفَجَـرَتْ مِنَ الأَحْزانِ
وَمِنَ الثَّواكِلِ كَمْ أَصَابَتْ مُهْجَةً — وَمِنَ الأَرَامِـلِ بَرَّحَتْ بِجَنَـانِ ؟
وَلَرُبَّ طِفْـلٍ قَدْ تَبَسَّمَ لاهِيـاً — فَأَتَتْـهُ بِالأَرْزاءِ وَالأَشْجَــانِ
حَرَمَتْهُ مِنْ عَطْفِ الأُبُـوَّةِ فَجْأَةً — مَا عَـادَ مَنْ يَلْقَـاهُ بِالأَحْضَـانِ
قَدْ حِيْلَ بَيْنَهُما بِوَمْضِ رَصَاصَةٍ — أَوْ حَاجِزِ الحِيْطَـانِ وَالقُضْبَـانِ
تِلْكَ المآسِي كُـلَّ يَوْمٍ جُسِّدَتْ — مَـا بَيْنَ مَرْأَى العَيْنِ والأَذْهَـانِ
وَلَعَـلَّ أَعْجَبَهَا وأبْعَدَهـا مَدىً — هِيَ بِدْعَـةُ التَّهْوِيْـدِ بِالجُـدْرانِ
حِيْنَ اسْتَبَاحُوا كُلَّ أطْرافِ القُرَى — وَأتَوْا عَلَى الأكَمَـاتِ بِالعُـدْوانِ
قَدِمُـوا بِآلاتِ الخَرابِ وَأقْدَمُوا — وَسَطَوْا عَلَى الزَّيْتـُوْنِ وَالرُّمَّـانِ
نَزَعُوا الجُذُوْرَ بِقَسْوَةٍ مِنْ تُرْبِهَا — وَالبَعْضُ مِنْهـا فَازَ بِالعِصْيـانِ
فَبَدَتْ بجُرْحِ الأرْضِ حِيْنَ تَقَطَّعَتْ — وَكَأنَّـهَا قِطَـعٌ مِـنَ الشِّرْيـانِ
وَبِعُمْقِ هَذا الجُرْحِ رَشُّوا مِلْحَهُمْ — بِبِنَـاءِ سَـدٍّ شَامِـخِ البُنْيـانِ
مَا كَانَ ذُو القَرْنَيْنِ بَانِيَ مِثْلِـهِ — في سَالِـفِ الأيَّـامِ وَالأزْمَـانِ
يَمْتـدُّ طَوْراً ثُـمَّ يُثْـنى تَـارَةً — مُتَعَرِّجـاً كَتَعَـرُّجِ الثُّعْبَــانِ
يَمْشِي بِقَلْبِ الحَيِّ مِشْيَةَ تَائِـهٍ — وَيَسِيْرُ في الأنْحَـاءِ كَالحَيْـرانِ
وَغُرَابُ بَيْنٍ رَفَّ فَوْقَ مَسَـارِهِ — وَهُمَا بِخَـطِّ "الفَصْلِ" يَصْطَحِبَانِ
كَمْ قَرْيَةٍ عَنْ جَانِبَيْـهِ تَقَسَّمَتْ — لِيَحُـوْلَ بَيْنَ الأهْـلِ والخِـلاَّنِ
مَا ذَنْبُ فَلاَّحٍ تَقَطَّـعَ دَرْبُـهُ — أوْ نَبْتَـةٍ لَـمْ تُرْوَ في البُستَــانِ
أوْ عَامِلٍ سُدَّتْ مَسَالِكُ رِزْقِـهِ — وَبُلُوْغُـهُ مَا عَـادَ بِالإمْكَـانِ؟!
أيُّ القُضَاةِ يُجِيْزُ حُكْماً غَاشِماً — حُكْماً عَلَى الأفْـوَاهِ بِالحِرْمَانِ ؟!
بَلْ أيُّهُم يَقْضِي بِمَوْتِ مَرِيْضَـةٍ — تَقْضِي عَلَى"المَحْسُوْمِ"وَهْيَ تُعَانِي ؟!
هَذِي هِيَ القُدْسُ الشَّرِيْفُ أمَامَنا — مِنَّــا كَغَايَـةِ عَدْوَةِ الغِـزْلانِ
مَنْ يَسْتَطِيْعُ بُلُوغَهَـا وَدُخُوْلَها — حَـتّى يُصَلِّيَ رَكْعَـةً بِأمَـانِ ؟
لا يَهبُطُ الحَسُّوْنُ دَاخِـلَ عُشِّهِ — إنْ كَـانَ تَحْتَ مَخَالِبِ العِقْبَـانِ
يَا لَيْتَ شِعْـرِي هَلْ أزُوْرُكِ مَرَّةً — يَا صَخْـرَةَ " المِعْراجِ " بِضْعَ ثَوَاني
وَأُعِيدُ في" الأقْصَى " قِراءَةَ سُوْرَةٍ — وَمِنَ الخُشُـوْعِ تَبَلَّلَـتْ أجْفَـاني
وَيَقُوْمُ في ظِلِّ" القِيَامَةِ " سَاعَـةً — جَمْعٌ ـ إِلَيْهَا اشْتَاقَ ـ مِنْ جِيْراني؟!
هِيَ ذِي حِكَايَتُنَـا الَّتي لا تَنْتَهِي — مَا دَامَ يَجْـرِي وَحْشُ الاسْتِيْطَـانِ
وَحْشٌ تَقَمَّصَهُ دُعَـاةُ تَعَصُّـبٍ — لِشَرِيْعَـةِ التَّزْوِيْـرِ وَالبُهْتَــانِ
جَعَلُوا مِنَ التَّمْيِيْزِ عِصْمَةَ أمْرِهِم — فَاسْتَنْفَـرُوا أُسْـداً مِنَ الأضْغَـانِ
وَاسْتحدَثـوا نظرِيَّـةً إيحاؤهـا — يَسْتَعْبِـدُ الإنْســانَ للإنسـانِ
وَعَدَوا عَلَى طُهْرِ التُّرابِ بِرِجْسِهِم — وَاسْتَوطنــوهُ بِقُـوَّةِ النّيْــرانِ
لِيُشَرِّدُوا شَعْبـاً عَرِيْقـاً آمِنـاً — وَيُشَتِّتُـوْ هُ بِأًبْعَــدِ الأوْطــانِ
وَقَدِ اسْتَحَلُّوا هَدْمَ بَلْ مَسْحَ القُرَى — وَاسْتَبْدَلُـوا العُمْـرانَ بِالعُمْـرانِ
لِيُزَوِّرُوا الوَجْهَ الأَصِيْـلَ تَعَسُّفاً — بِتَغَيُّــرِ السُّكَّـانِ وَالعُنْــوَانِ
إنْ كَانَتِ الغَايَاتُ مَوْضِعَ سُبَّةٍ — كَانَـتْ مَداخِلُهَـا مِنَ النُّقْصَـانِ
لَكِنَّهُمْ خَابُـوا وَخُيِّبَ فَأْلُهُـمْ — وَظُنُونُـهُمْ أَفْضَـتْ إِلَـى الخِذْلانِ
فَبِأَرْضِ كُلِّ شُجَيْرَةٍ قَدْ حُطِّمَتْ — سَنُعِيْـدُ غَرْسَ نَضَـارَةٍ وَجِنَــانِ
وَالشَّوْكُ حتّى الشَّوْكُ سَوْفَ نُعِيْدُهُ — في أرْضِـهِ حَقْـلاً مِنَ الرَّيْــحَانِ
وَنَصُوْنُ لِلْوَطَـنِ المُقَدَّسِ وَجْهَهُ — بِعُرُوْبَـةٍ رَسَخَتْ وَنُطْـقِ لِسَـانِ
بِحَضَارَةٍ سَلَفَتْ ، بِعُمْقِ تُرَاثِنَا ، — وَبِفِكْـرَةِ الإنْجِيْـلِ ، بِالقُــرآنِ
بِالشِّعْرِ ، بِالأَمْجَادِ في تَارِيْخِنَا ، — بالنُّـورِ ، بالنِّيْـرانِ ، بِالبُرْكَـانِ
بِتَشَبُّثِ الشَّعْبِ الأَصِيْلِ بِأَرْضِهِ — كَتَشَبُّـثِ الأَوْراقِ بِالأَغْصَــانِ
إِنْ خَانَتِ الأَوْراقُ يَوْماً غُصنَها — وَتَساقَطَـتْ جَفَّـتْ بِغَيْـرِ أَوَانِ
فَالسَّيْلُ يَدْفَعُهَـا بِكُلِّ تَعَسُّفٍ — وَالرِّيْـحُ تَحْمِلُهَـا لِكُلِّ مَكَـانِ !
البحر والقافية
القصيدة على بحر السريع. بحر خفيف سريع الإيقاع كما يدلّ اسمه، يصلح للموضوعات الخفيفة والقصص.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ادلهم: ادْلَهَمَّ يَدْلَهِمُّ ادْلِهْمامًا :- الليلُ: اشتد ظلامه.- الظلامُ: كثف؛ أدكن السحاب وغارت النجوم فادلهمَّ الظلام.
- الريان: الرَّيَّان [روى]: الّذي ارتوى من الماء ضد العَطْشان، غُصْنٌ رَيّان، أىِ أَخضرُ ناعم/ فرَسٌ رَيّان الظهر، أي سمين المتْنَيْن/ وَجْهٌ رَيَّان، أي كثير اللحم/ وهو ريّان من العلم، أي متمكَن منه.
- العدوان: العَدَوَانُ : الشديدُ العدو.
- اللمعان: [ل م ع]. (مصدر لَمَعَ). "لَمَعَانُ الْبَرْقِ" : إِضَاءتُهُ.
- المشع: مشع: المَشْعُ: ضرْبٌ مِنَ الأَكل كأَكلِكَ القِثّاء، وَقَدْ مَشَعَ القِثّاءَ مَشْعاً أَي مَضَغَه، وَقِيلَ: المَشْعُ أَكلُ القِثّاء وَغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ جَرْسٌ عِنْدَ الأَكل. وَيُقَالُ: مَشَعْنا القَصْعةَ أَي أَكلنا كُلّ …