الحرية الالهية
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
هل تسمعون، بعيدًا، جَلَبةَ الموتِ، ونداءً منطلقًا من خلالِ أمواجِ النارِ والغيومِ المسمومةِ؟إنّه نداءُ الربّانِ إلى النوتيّ كي يدفعَ بالسفينةِ صَوْبَ مرفأٍ لا اسمَ له، لأنّ زمنَ الرقادِ الآسنِ في المرفأ قد ولَّى،
في ذلك المرفأ، حيثُ البضاعةُ القديمةُ تُشرى وتباعُ، في دورةٍ لا تنتهي،وحيثُ الأشياءُ الميتةُ تائهةٌ، لأنّ الحقيقةَ استُهلِكتْ وأصفَرَتْ.
استيقظَ البحّارةُ مذعورين، وقد استحوذَ عليهم رعبٌ مفاجئٌ، وسألوا:"أيُّها الرفاقُ، ما هي الساعةُ الآنَ، ومتى سيُشرِقُ النهارُ؟"
فالغيومُ قد محَت النجومَ كلَّها، وليسَ من قادرٍ على تبيُّنِ إصبعِ الفجرِ وإشاراته.وأمسكَ البحّارةُ مجاذيفَهم، وانطلقوا، هاجرينَ أسرَّتَهم، وأُمَّهاتِهم المصلّيات، وزوجاتِهم المراقباتِ عند الأبواب.
وتعالَتْ آهةُ وداعٍ صوب السماءِ، وهتفَ صوتُ القبطانِ:"هلمّوا، يا بحّارةُ، فزمنُ الأمانِ قد ولَّى".
لقد حطَّم جميعُ شياطين الأرضِ السُّودِ سدودَهم،ومع ذلك، اتّخذوا أيُّها البحّارةُ، أماكنَكم، مع الألمِ المباركِ الضاجِّ في صدوركُم.
ومَن عَساكم تلومون، يا إخوتي؟بل بالحريِّ طأطئوا رؤوسَكم، فالخطيئةُ هي خطيئتُكم، وخطيئتُنا، أيضًا.
إنّ الغضبَ المتنامي في قلبِ االلهِ مدى قرونٍ، من جرَّاءِ جُبْنِ الضُّعفاءِ، وصَلَفِ الأقوياءِ، وجَشَعِ الغارقين في البحبوحةِ، وضغينةِ المُحبَطين، وزهوّ المفاخرين بمحتدِهم، وإهانةِ الإنسانِ.هذه كلُّها قد فجَّرتْ سلامَ االله عاصفةً هوجاءَ.
كما تلفظُ قشرةُ الثمرةِ الناضجةِ لُبَّها، فلينشقَّ قلبُ العاصفة، ويسْكبْ صواعقَه!أقلعوا عن الضجيجِ بلومِكم وبمديحكم، وجذِّفوا نحوَ الشاطئِ الذي لا اسمَ له،
مصحوبينَ بسلام الصلاةِ الصامتةِ، المسكوبةِ على جبينِكم.في كلِّ يومٍ بَلَوْنا الشرَّ والخطيئةَ، وعَهِدنا الموتَ.
وكانت كلُّها تحومُ حولَ عالمِنا حَوْمَ سُحُبٍ ساخرةٍ، بضحِكِها الوامض كالبرقِ.ويا للمعجزةِ!
هدأت العاصفةُ، فجأةً، وانتصبَ الرجالُ حيالَها، وصاحوا:"لسنا نخشاكم، يا وحوشُ، فنحن نُحرِزُ، كلَّ يومٍ، عليكم نصرًا، وسنموتُ أوفياءَ لإيمانِنا بحقيقة السلامِ، والعطفِ، والكائنِ الأزليِّ.
فإن لم يكن الخلودُ كامنًا في صميم الموتِ، وإن لم يكن فرحُ الحكمةِ يتفجَّرُ من غمد الألمِ، وإن كانت الخطيئةُ لا تموتُ بمجرَّدِ فضحِها، وإن لم تكنْ الكبرياءُ تتهاوى تحتَ عبءِ كلّ مهازِلِها، وأباطيلها،فمن أينَ ينبعُ الرجاءُ الذي يُكره جميعَ البشر على هجر منازلهم، مثل النجومِ التي تسعى إلى موتها في نور الصباحِ؟
وهل تفقدُ دماءُ الشهداءِ، ودموعُ الأُمّهاتِ كلَّ قيمتِها في ترابِ الأرضِ؟أوَليستْ هي ثمنَ الفردوسِ؟
وساعةَ يحطِّمُ الإنسانُ قيودَ الموتِ، ألا تتجلّى له، في الحال، الحُرِّيّةُ الإلهيّةُ؟
عن القصيدة
«الحرية الالهية» من شعر طاغور، وتقع في ١٥ بيتًا. ورويّها حرف اللام، وهي قصيدة وطنية.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.