إبتهال

الشاعر: يوسف القرضاوي · البحر: الكامل

«إبتهال» من شعر يوسف القرضاوي، وتقع في 47 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف العين.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يا من له تعنو الوجوه و تخشع — و لأمره كلّ الخلائق تخضع

أعنو إليك بجبهة لم أحنها — إلاّ لوجهك ساجدا أتضرّع

و إليك أبسط كفّ ذلّ لم تكن — يوما لغير سؤال فضلك ترفع

أنا من علمت المذنب العاصي الذي — عظمت خطاياه فجاءك يهرع

كم ساعة فرّطت فيها مسرفا — و أضعتها في زائل لا ينفع

كم بتّ ليلي كلّه متثاقلا — و ذوو التّقى حولي قيام ركّع

كم بال في أذنيّ شيطان الكرى — فإذا الصّباح على نؤوم يطلع

كم زيّنت لي النّفس سوء فعالها — فأطعتها ضعفا , و بئس الطيّع

كم وسوس الخنّاس في صدري فلم — يجد الذي يعلو قفا ويصفع

كم أقرأ الآيات لو نزلت على — شمّ الجبال رأيتها تتصدّع

مالي أردّد وعدها و وعيدها — ما رقّ قلبي أو جرى لي مدمع

كم من نفوس بالهدى ذكّرتها — فمضت كما يمضي الجواد المسرع

أيقظتها للحقّ حين تركتني — في غفلة الدّنيا أتيه وأرتع

يا حسرتا ! أعظ الأنام ,فليتني — نفسي وعظت , فوعظ نفسي أنفع

يا ربّ حكمتك اقتضتني مذنبا — لأجيء بابك أستجير و أضرع

فترى عبيدك تائبا مستغفرا — و أراك غفّارا لذنب يفظع

أنا إن عصيتك فذاك من نقصي , و من — غير الإله له الكمال الأرفع ؟

يا ربّ أنت خلقتني من طينة — و من الذي لأصوله لا ينزع ؟!

لولا هداك و نفخة علويّة — أودعتها روحي لكان المصرع

فبها أصول على التّراب ترفّعا — و بها أحلّق حين تصفو الأضلع

الطين يجذبني إليه بشدّة — و الروح تصعدني إليك و ترفع

فإذا ارتقيت إلى رضاك فغايتي — و إذا هبطت فدائما أتطلّع

هو الابتلاء , عليه قام وجودنا — و به نهيّأ للخلود و نصنع

النّار بالشّهوات حفّت فتنة — فليمرح الفجّار وليتمتّعوا

أمّا الجنان فإنّها محفوفة — بمكاره تدمي الفؤاد وتوجع

الزّاد قلّ و الدّيار بعيدة — الظهر يضو , و الرّفيق مضيّع

وهناك قطّاع الطّريق طوائفا — شتّى ,تضلّ عن المراد و تقطع

إبليس يغوي و الهوى شرك له — و العيش يغري , و الأماني تخدع

وهناك قطّاع عتاة أعلنوا — حربا تخيف السّائرين و تفزع

جرؤوا عليك و أنت تحلم عنهمو ! — و لكلّ شيء عند ربّي مرجع

هذي الطريق , و إنّها لمخوفة — ربّ اهدني و أعن عسى لا أقطع !

يا ربّ عبدك عند بابك واقف — يدعوك دعوة من يخاف و يطمع

فإذاخشيت فقد عصيتك جاهلال — و إذا رجوت فإنّ عفوك أوسع

يا ربّ إن أك في الحقوق مفرّطا — فلأنت أبصر بالقلوب و أسمع

بين الجوانح خافق يهوى التقى — و يضيق كرها بالذنوب ويجزع

و يحبّ ذكرك , و القلوب إذا خلت — من ذكر ربّي فهي بور بلقع

و لكم ذكرتك خاليا فوجدتني — و القلب في وجل , و عيني تدمع

هل لي رجاء إنّني ممّن دعوا — يوما إليك و قال : توبوا وارجعوا ؟!

وحملت مصباح الهداية مرشدا — أهناك كالقرآن نوريسطع

و مشيت في ركب الهداة , و إن أكن — أبطأت في طلب الكمال و أسرعوا !

حسبي أحبّهم و أقفوا خطوهم — ولكم أرى حبّ الأكابر يشفع

يا ربّ مالي غير بابك مفزع — آوي إليه إذا يعزّ المفزع

مالي سوى دمعي إليك وسيلة — وضراعتي , ولمن سواك سأضرع ؟!

إن لم أقف بالباب راجي رحمة — فلأيّ باب غير بابك أقرع ؟ !

إن لم يكن منّي الذّنوب , ومنك أن — تعفو , فأين اسم العفوّ المطمع ؟!

أين الغفور ؟وأين رحمته التي — وسعت جميع الخلق ؟أين الموسع؟!

هذا أوان العفو , فاعف تفضّلا — يا من له تعنو الوجوه و تخشع !!

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العاصي: العَاصِي [عصي]: فا.-: العِرْقُ لا يرقأ دمُه.
  • المذنب: المِذْنبُ : الذنَبُ الطويل.-: المِغْرفة؛ لا تسمع عند الأكل إلا صوت المذانب.-: مسيل الماء إلى الأرض ج مَذَانِبُ.
  • تخشع: تَخَشَّعَ يَتَخَشَّعُ تَخَشُّعاً : تذلّل وتضرّع؛ يتَخشَّع المؤمن لله .-: تكلف الخشوع أي الخضوعَ والاستكانَةَ؛ وجد نفسه بين المتخشِّعين فتخشّع مثلهم.-: خفض أو غضّ بصره تَخَشّع! الشاب إذ جلس مع العلماء الكبار.
  • تخضع: تَخضَّعَ يَتَخَضَّعُ تَخَضُّعاً : تكَلّف الخضوع، أي الذلّ والاستكانة، تَخَضَّع أمام رئيسه.-: تضرّع يقضي ساعات وهو يَتخَضّع لله.
  • ركع: ركع: الرُّكوع: الخُضوع؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. رَكع يَرْكَع رَكْعاً ورُكُوعاً: طَأْطأَ رأْسَه. وكلُّ قَوْمة يَتْلُوهَا الرُّكُوعُ والسجْدتان مِنَ الصَّلَوَاتِ، فهِي رَكْعة؛ قَالَ: وأُفْلِتَ حاجِبٌ فَوْتَ العَوالي، ... عَلَى شَقّ …
  • زائل: الزَّائِلُ [زول]: فا. -: الذاهب أو المُضْمَحلّ؛ كلُّ حكمٍ زائِلٌ لا محالة / زال زائلُ الظلِّ، أي قام قائم الظهيرة / ليلٌ زائل النجوم، أي طويلٌ نجومه تلتمع وتتحرّك ولا تغيب.

قصائد ذات صلة

  • قوة
  • جيل الصحوة
  • قلب
  • الإيمان
  • ثورة لاجئ
  • بنت قنا
  • يا أمتي وجب الكفاح
  • الملحمة النونية