ثورة لاجئ
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
رأيته مُطْرِقًا يبكي فأبكانيوهاج من قلبيَ المكلومِ أشجاني
في زهرة العمر إلا أن دهرك لايرعى الشيوخَ ولا يرثي لصبيانِ
في نَضرة الغصن إلا أن عاصفةهبّت سَمَومًا فأمسى غيرَ فَيْنانِ
تعلوه مِسحة عزٍّ سالفٍ غُشيتمن طول ما ذرّفت للدّمعِ عينانِ
بكى فكادت له نفسي تذوب أسًىكأن رامِيَه بالسّهم أصماني
دنَوْتُ منه أُحاكيه وأسألُهعلِّي أواسي جراحَ المُثْقَل العاني
سألت:ما اسمُك؟ قال: اسمي يدل علىمعنًى غريبٍ على مثلي، أنا هاني
قبّلته بين عينيه وقلت لههوّنْ عليك وإني خيرُ مِعْوان
يا ناعمَ الظّفر يا ابنَ العز، ما لك لاتكفّ عن مَدْمَعٍ كالغيث هتّان
ماذا دهاك؟ احْكِ لي، علّ الحديثَ معيمُجَفّفٌ عنك بعض المدمع القاني
حكى الغلام كأن الله يُلْهِمُهُإلهامَ يحيى صبيًّا أو سليمانِ
إنْ شئت يا عمُّ فاسمع قصّةً عجباوإن تكن عُرِفت لِلقاصِ والدّاني
يا عمُّ إنيَ غصنٌ لا حياة لهقُطِّعْتُ بالغدر عن أصلي وسيقاني
فقدت روحي أمي والحبيبَ أبيفقدت أهلي وأرحامي وجيراني
واللاعبون معي في شارعي ذهبواموتى استراحوا، وموتى شأنهم شاني
لقد تفرق أهل الحي في بلدإلى الكهوف بأقطار وبلدان
فقدْتُهم، ففقدْتُ العيشَ بعدَهُمُكيف الحياةُ بلا أهلٍ وخِلان؟!
كيف الحياةُ لعصفورٍ بباديةٍولا أليفَ وقد هِيضَ الجناحان؟!
فقدت كلَّ عزيزٍ لي، فلا وطنٌولا حبيبٌ، ولا داري وبستاني
دارُ الجدود التي فيها صِبايَ رَباوطالما وسعت لعبي وإخواني
لقد شهِدْتُ أبي والموتُ يصرعهولم يجدْ مُسعفًا من قلب إنسان
نادى: بني اسقني فالصّدرُ ملتهبٌفقلت: نفسي الفدا للوالد الحاني!
ناولته الماء أسقيه، فقبّلنيوأسلم الروح في طُهْرٍ وإيمانِ
يا عمُّ مات أبي في خير معركةوما بكيت عليه مثل أوطاني
قد مات يدفع عن أرضٍ وعن شرفٍلصوصَ أرضٍ وأعراضٍ وأديانِ
ما مات، بل هو عند الله ألمحهفي الخُلدِ يسرح طيرا بين أفنان
يا عمُّ ذي هي مأساتي التي قصفتعُودي كما عصفت مثلي بعيدان
مأساة شعب غدا يحيا بلا وطنٍواللصُّ يمرحُ فيه غيرَ خزيانِ
أراد أهلُ العمى أن يقسِموا امرأةًما بين زوجٍ وعادٍ غاصبٍ ثانِ!
فهل تسوِّغ هذا شِرعةٌ عُرِفت؟أم هل يصدّقُ هذا عقلُ إنسان؟
مسحتُ دمع الفتى الباكي وقلت له:سمعتُ منك فخذ فكري ووجداني
بُنيَّ، جُرحُك في قلبي يسيل دمافارحمْ صِباك فما أشجاك أشجاني
جُرحُ العروبةِ والإسلامِ في بلد الـإسراء لم يختلف في شأنه اثنان
فلا تظنّك غصنا لا أصولَ لهفقد شُدِدْتَ إلى أصلٍ وأغصانِ
لا تأس أَن عشت بعد الأهل منفردافكلنا لك ذاك الوالدُ الحاني
وكل أزواجنا أُمٌّ بها شغفٌّلتفتديك بروحٍ قبل جثمان
ودارنا لك دار لو رضيت بناأهلا بأهل، وإخوانا بإخوان
فإن تعش أنت والأهلون قد رحلواففيك سرُ بقاء الشعب يا هاني
قد عشت حقا لأمر لا خفاءَ بهوحكمةُ الله تخفى بعضَ أحيانِ
قد عشتَ للنصر بالإصرار تغرسُهُفتجتنيه ثمارا ذاتَ ألوانِ
فاخلعْ ثيابَ الأسى واليأسِ مرتديًاثوبَ الجهادِ نشيطًا غيرَ كسلانِ
تعلمِ الحربَ في سرٍّ وفي علنٍفوق الجبال وفي سهلٍ ووديانِ
واجمع رفاقَك وانفُخْ في عزائمهممِمَّا بصدرك من عزمٍ وإيقان
وقل لِصهيونَ: لسنا أمةً همجًاتمضي سفينتُها من غيرِ رُبّانِ!
وقل لمن حسبونا قطعةً نُظِمتمن غير قافيةٍ من غير أوزانِ
معاذَ ربي أن تنحلَّ عروتُناأو أن نتيهَ وفينا نورُ قرآنِ
تهلّلَ الناشئُ الباكي وقال: أجليا عمُّ إنِّيَ في أهلي وأوطاني
يا عمُّ أحْيَيْتَ من عزمي ومن ثقتيهَبْني يمينا أُقبِّلْها بشكرانِ
اليأس كفر إذا ما حلّ صدر فتًىوالحمد لله قد جدّدْتُ إيماني
جعلتَ مِنّيَ إنسانا له هدفوكنتُ من قبل أحيا بعضَ إنسانِ
إني أحس لماذا عشت بعد أبيولم أمُتْ مع أهلي مثلَ أقراني
إني حييت ليومٍ لا مردَّ لهللثأرِ للدمِ لاستردادِ أوطاني
لأستعيدَ فلسطينا كما غُصِبَتبالدم لا بدموعٍ أو بتَحْنانِ
لأزرعَ الأرضَ ألغاما أفجرُهانارا على من بها بالأمس أصلاني
لأحملَ المِدفعَ الجبارَ أطلقهفي صدرِ مَنْ قتلوا أهلي وإخواني
لأنزعَ الدارَ والأرضَ التي نهبوامن كل لصٍّ ونهَّاب وخَوَّانِ
لأُرجعَ القبلةَ الأولى مُطَهّرةًّمن كلّ قردٍ وخنزيرٍ وشيطانِ
لأستردَّ ثغورَ الأمسِ ضاحكةًحيفا ويافا وعكا روح بلدانِ
لكي تعودَ تُدَوِّي في مآذِنِها(اللهُ أكبرُ) من آنٍ إلى آنِ
أمي فلسطينُ لا تأسَي ولا تَهِنِيإنا سنفديك من شِيبٍ وشُبّانِ
سنُرْخِصُ الموتَ بالأرواح نبذلهاسنُعمل السيفَ في سرٍّ وإعلانِ
إذا انتصرنا ففي عزٍّ ومَكْرُمةٍوإن قُتِلْنا ففي جنّاتِ رضوانِ
عن القصيدة
«ثورة لاجئ» من شعر يوسف القرضاوي، وتقع في ٦٢ بيتًا. ورويّها حرف النون، وهي قصيدة حزينة.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.