على مذبح الحرية
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
يا واديَ الموتى بشطّكَ راقِدٌخفقت لهُ الأرواح بالصلواتِ
ما ضمّهُ جدثٌ هناك وإنماحضنتهُ دُنيا النور في هالاتِ
سَهِرت عليهِ من السماءِ ملائكٌتُضفي عليهِ سوابغَ الرحمات
ألقُ الضحى في ساحهِ متصوفٌورعٌ يَطوف بأقدس الحُرمات
وعوابرُ الأنسام تخطرُ حولهُريّا بنفحِ عُطورهِ عَبقاتِ
تنساب خاشعة وتسربُ عفةًكمُطيّبٍ يمشي على عرفات
والفجر قبل شروقهِ فوق الربييختار منهُ وشعائعا ألقات
أفوافُ من لُمع السنا ، ومطارفٌيلقى غلائلها على الربواتِ
ويسوف عطر الخلد من جنباتهِويُذيعهُ من أكؤس الزّهَراتِ
سأل الدّجى أسدافهُ لمّا بدتْفي ليلهِ الغيّانِ مُلتمِعاتِ
ما بالُ ما أسدلتهِ فوق الورىوضفوته من حالك الظلماتِ
لمّا نزلتِ بهِ على هذا الحمىأضحى متوعَ الشمس فوق رباةِ
فأجابت الأسدافُ: إنّ مُضرّجًابدمِ الفداء أضاء لي قسماتي
سمّوهُ في الورق الشهيدَ وما اسمهُإلا الخلود بصفحة المهجات
ما زال سحر النيل طيَّ حفيرهِيرتاعُ منهُ الذرّ في الحصيات
وطلاسم الأهرام فوق جبينهِقبسُ الخلود يشعّ للنظراتِ
وشعاعة الإيمان تشرق بينهاكالنجم يسكب رائع اللمحات
وشواظُ هيجتهِ يكادُ على الثرىيُذكي اللّظى بالأعظُمِ النخرات
ملْ نحو مضجعهِ وأصغِ لجرحهِواسمع نشيدَ الدّمِّ في القطرات
ما زالَ يُترع ثورةً من قلبهِخرساء مُصفحةً بلا نبراتِ
وكأنّ آخر لفظةٍ هتفت بهاشفتاهُ مزمورٌ مِنَ التّوراةِ
وكأنّ أجراحَ الأسنّةِ رايةٌحمراءُ شهرها الدخيلُ العاتِي
لمح الشهيد خيالها فنضا لهاروحاً يثور بأصلب العزمات
وأحالها مزقاً صواغر أصبحتكفنا يُذيق القيدَ مُرّ شمات
وارتدّ في ريعانهِ مستشهدايُزهي بقدس الموت في الحفرات
وكأنهُ لمْ يلقَ من كرب الردىإلاّ رسيسَ ضنًى وظلَّ صُمات
***أعوادُ زانٍ كنّ في كنفِ البلى
صفراً نبذنَ بأبشعِ الكسراتحمّلنهُ فأعادهنّ عرائشاً
تخضلُّ فوق الهام مؤتلقاتِوكأنّ بين حنوطهِ ريحانةً
أزليةً هربت من الجنّاتِنسمت عبير الخلد طيّ سُتورهِ
وترعرعت في ريق النفحاتِوترى الشموع الموقدات لنعشهِ
شُعَلاً من الفردوس مُنبعثاتِتهتز والهةً وتغضي رهبةً
كنوادبٍ في الركب مُستحياتِوالسّابريّ تخالهُ من طيبهِ
بردَ النبيّ معطرَ الصفحاتلفّ الشهيدَ مُطهّراً فحسبته
مَلكاً تهيّأ مهدهُ لسُباتحارت شفاهُ الهاتفين حيالَهُ
ماذا تنصّ لهُ من الدعواتِواهتاجت الغيد العوانس حيرةً
ماذا يفضن لهُ من الشرفاتِالزهرَ ما تطيابهُ والعطرَ ما
تسكابهُ لمُعطّر النسماتِوالحسنَ ما تلماحهُ واللحنَ ما
تصداحهُ لمفجّر النغماتخُيبَ حين رجونَ أيةَ سلوةٍ
فوجمن من هول الردى جزعاتيتّمن أدمعهن من طول البكا
وظللن في الأبراجِ مكتئباتِودنا الشهيد من القبور فأرعشتْ
طربا بمقدم نعشه فرحاتكحمائم نزحت فضلل سربها
ظل المساء بوحشة الفلواتجثمت على الكثبان تنتظر السنا
وأتى الصباح فهجن منتعشاتحتى إذا وافى الحفير كأنه
وحي السماء مبلج الآياتكادت عظام الهالكين تخشعاً
لجلاله تَصطفّ في الطرقاتِوتعودها الأرواحُ من فرحٍ بهِ
وتظلّ حتى البعث مُبتهجاتمن مثل هذا الحيّ ؟ كرّمَ موتهُ
من سائر الأحياء والأمواتوهناكَ تحت الغاب يعزف شاعرٌ
بقصيدةٍ مكروبة الأبياتأشجى بها الشهداء بين قبورهم
وأثار شجو الليل في الغاباتوشدا فكاد الغاب يسجد نشوةً
ويرتّل الأشعار في السجداتلما أذاع شجونها في ليلةٍ
سوداء كالأمواج مصطخباتِوثبت له روحٌ تفيضُ حماسةً
ومضت تلّومهُ بكل ثباتما بال قلبك لجّ في نغم الأسى
وفواجع الأحلام والصبواتِحطّم ربابتكَ التي تشدو بها
وادفن نشيد الهمِّ والحسراتِواصدح لنا بقصيدةٍ وطنيةٍ
تدعُ الشهيد مسعر النفثاتأسمعهُ قصتهُ فإن حديثها
سمر الزمان بهذه الخلواتِ***
فانساب وحي الشعر من أوتارهِكجداولٍ في الحقلِ منسكباتِ
وغدا يغنّي في الحمي : يا جنّةًفجّرتُ بين ظلالها نغماتي
النيل فيها قصةٌ أبديةٌوالطير قارئها على العذبات
والنخلُ فيها ذاكرٌ مسترسلٌهيمانُ مسحورٌ على الورقاتِ
والنخل في صمت الرياح كأنّهنُسّاكُ فجرٍ آذنوا لصلاةِ
والشاعرون كأنّ مسّةَ جِنّةٍخبلتهمُ من روعة الخطراتِ
تلقى أناملهم إذا جاسوا بهامن زحمة الإلهامِ مُرتعشاتِ
كنّا نسير بها ولا حُسنٌ ولافِتنٌ سوى الأغلال محتدمات
نُسقى بها البلوى ويشرب غيرنامن نيلها بالأكؤس الشّبماتِ
والقيدُ يسبقنا إذا رُمنا بهفتكاً فيرهقُ عزّةَ الخُطُوات
وإذا بأرواح الشباب تُطلُّ مِنْخلل الأسى والذّلِّ مُنفطراتِ
حتّى أتى يوم الفداء فزُلزلتغضباً وراحت فيه مُشتعلات
لبست دروع النار ثم تقدمتلسلاسل الفولاذ مضطرمات
نسفت صفائحها وأفنت ذرّهاوتهافتت في الترب مبتسمات
رشفت رحيقَ الخلد قبل مماتهاوتهيّأت لحماهُ مُنتشيات
فوقفتُ أبعث ذكرها بملاحنيفشدت مُرفرفةً على أبياتي
يا شاعراً غنّى فكاد نشيدهُيهتزُّ في الأكفان منهُ رُفاتي
هذا خيالُ الخالدينَ فغنّنيوأعِدْ بشعركَ للشباب حياتي
عن القصيدة
«على مذبح الحرية» من شعر محمود حسن أسماعيل، من العصر الحديث، وتقع في ٧٥ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.