الْمِنْهَاجُ

الشاعر: غيداء الأيوبي · البحر: الطويل

«الْمِنْهَاجُ» من شعر غيداء الأيوبي، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

نُفِيِتُ بِذِي الْمَنْأَى وَقَلْبِي تَلَوَّعَا — فَقَدْ غَابَ عَنْ وَجْدِي الْبَدِيِعُ وَرُوِّعَا

تَضَوَّرْتُ فِي ضَنْكِي وَعَيْشِي مُقَنَّطٌ — وَمَا اغْلَظَّ فِي وجْهِي الْجُهُومُ لأَبْتَعَا

وَإِنِّي جَؤُورٌ للإلهِ تَضَرُّعِي — فَمَا جَئِشَتْ نَفْسِي بِحُزْنِي لأَخْضَعَا

وَكَمْ أَجْأَثَتْنِي الْمُوبِقَاتُ بِسِمِّهَا — وَلَكِنَّ قَلْبَ الْحُرِّ لَنْ يَتَزَعْزَعَا

مَشَيْتُ عَلَى الدَّرْبِ الْجَسُورِ مُلَجْلَجاً — وَلا مَا خَسِئْتُ السَّيْرَ يَوْماً لأَخْزَعَا

إِذَا الدَّهْرُ شُؤْمٌ فِي الْحَيَاةِ فَإِنَّنِي — مَلَكْتُ شُعَاعَ النُّورِ فِي الرُّوحِ مَهْيَعَا

إذَا النَّفْسُ تَاقَتْ نَهْجَ دَرْبٍ مُشَعْشِعٍ — فَلابُدَّ لِلدَّيْجُورِ يَغْفُو تَقَشُّعَا

فَكُلُّ عِبَادِ اللهِ فِي الْخَلْقِ إنْسُهُمْ — وَمَنْ سَلْطَنَ النَّبْضَ الْجَمِيلَ تَخَشَّعَا

فَمَا اشْتَدَّ بُطْلانٌ لِيَبْقَى بِأَرْضِهِ — وَلمْ يَخْتَفِ الْحَقُّ اغْتِرَاباً لِيَمْنَعَا

وَمَنْ شَاءَ أنْ يَبْقَى أسِيِرَ ذُنُوبِهِ — سَيَحْيَا بِلا نُورٍ وَيَفْنَى مُضَيِّعَا

وَمَنْ ثَابَ حُرّاً واسْتَزَادَ مَحَاسِناً — تَجَلَّى بِبُسْتَانٍ وَعَاشَ لِيَرْتَعَا

فَلَنْ تُجْدِيَ الأَغْلالُ وَالقَلْبُ طَاهِرٌ — وَلَوْ دَمْدَمَ الدَّهْرُ انْتِحَاراً لِيَنْخَعَا

فَلِلْهَمِّ تِرْيَاقٌ بِنَبعٍ مُخَضْرَمٍ — إِذَا انْصَبَّ فِي الأَرْواحِ شَهْدٌ تَنَبَّعَا

فَإِنْ صَفَّدَتْ هَذِي الْحَيَاةُ وِثَاقَهَا — بِتَيْهٍ وَوَسْوَاسٍ يُهَزْهِزُ مَضْجَعَا

فَلِلإنْسِ إِذْ يَرَجُو انْعِتَاقَ سَرِيِرِهِ — وَلَوْ جَادَ بِالسِّلْمِ اعْتِنَاقاً تَرَبَّعَا

فَهَذِي الأَرَاضي بِالْغُيُوثِ تَرَعْرَعَتْ — سَيَنْبِضُ فِيِها نَبْضُ خَيْرٍ لِيَزْرَعَا

بِهَا النَّوْرُ مِنْ حِضْنِ النَّبَاتِ رَبِيِعُهُ — وَيَنْفَحُ بِالأَرْوَاحِ شَذْواً لِتَيْنعَا

يُبَجِّسُ سَيْلاً كَالرَّحِيقِ مُرَقْرَقاً — كَمَا الْبَلْسَمِ الْمُشْتَاقِ يَشْفي الْمُوَجَّعَا

فَتَجْلُو تَبَاشِيِرُ الدُّرُوبِ بِمَنْهَجٍ — وَرَبٌّ كَريِمٌ يَصْطَفِيِهِ مُشَرِّعَا

إذَا الدَّرْبُ مِنْ دُونِ الإلَهِ عَوَائِقٌ — حِرَاجٌ بِلا رِزْقٍ يَمُدُّ الْمُجَمِّعَا

فَلَنْ يُسُتَبَاحَ الْبُعْدُ عَنْ رَوْضَةِ الرَّوَى — ولا بُدَّ لِلْقَلْبِ الحَياة لِيَرْجِعَا

وَإِنِّي أَرَى حُبَّ الإِلَهِ بِنَهْجِهِ — يَطُوفُ بِوِجْدَانِي نَقِيّاً مُضَوِّعَا

وَعِنْدِي تَنَدَّى الْوَرْدُ رَوْضاً مُعَطَّراً — فَأَفْغَمَ فِي قَلْبِي الْخُشُوعَ لِأَرْكَعَا

غَدَتْ جَنَّةُ الإِيِمَانِ دَوْماً رَفِيِقَتِي — بِقَلْبِي عَبِيِقُ الْفَيْضِ يَنْصَبُّ مُتْرَعَا

فَمَا كُنْتُ أرْضَى لِلْحَيَاةِ مَذَلَّةً — وَلَكِنَّهُ الشَّيْطَانُ يَغْزُو لِيَخْدَعَا

وَلَكِنْ بِرَبِّي لَنْ أَهَابَ وَسَاوِساً — وَلا لَنْ يَهِيِمَ الشَّرُّ فِيَّ مُرَوِّعَا

لِكُلِّ الْبَرَايَا فِي الْحَيَاةِ دُرُوبُهَا — وَمَذْهَبُ رَبِّي خَيْرُ نَهْجٍ تَشَعْشَعَا

فَمَنْ خَاضَ دَرْبَ الْخَيْرِ ذَاقَ نَعِيِمَهُ — وَنِقْمَةُ زَقُّومٍ لِشَرٍّ تَهَرَّعَا

إِذَا الْحَظُّ لِلأَخْيَارِ قَتَّرَ نِعْمَةً — سَيَزْكُو بِجَنَّاتِ الْخُلُودِ مُرَعْرَعَا

وَلَوْ زَانَتْ الدُّنْيَا لِشَرِّ أَوَادِمٍ — لَهُمْ جُرُفٌ هَارٌ يَخُرُّ تَضَعْضُعَا

فَزَيِّنْ بَنِي الإِنْسَانِ خَطْوَكَ واعْتَبِرْ — فَفِي الْكَوْنِ آيَاتٌ بِهَا الرَّبُّ أبْدَعَا

فَضَاءٌ بِهِ الأَقْمَارُ تَسْبَحُ رَوْعَةً — وَنَجْمُ الْكَرَى وَالأَزْهَرَانِ لِيَسْطعَا

فَهَذِي الدُّنَى والْفُلْكُ أَعْظَمُ آيَةٍ — وَذِي الأَرضُ كَيْ تَحْيَا بِخَيْرٍ وَتَرْبَعَا

أَلا فَاشْرَبِ الأَنْعَامَ طُهْراً بِسَيْلِهَا — وَحَاذِرْ مِنَ الأَنْجَاسِ سَيْلاً مُكَرَّعَا

تَنَعَّمْ بِهَبْرٍ والْحَلالُ مَذَاقُهُ — أَلا وَاجْتَنِبْ مَا كَانَ خُبْثاً تَنَشَّعَا

وَلَوْ يَشْتَهِي الْمَرْءُ الزُّلالَ مَرِيئَهُ — فَخَيْرٌ لَهُ مِنْ حَنْظَلٍ غَصَّ شِبَّعَا

فَلا تُوقِظِ الْمَسْعُورَ وَحْشاً سُلُوكهُ — وَقُمْ واشْعُرِ الإِنْسَانَ فِيكَ لِتَقْنَعَا

فَإِنَّ الإِلَهَ اخْتَارَ مِيِزَةَ عَاقِلٍ — ليَرْضى بِمَا جَالَتْ رِيَاحٌ مُطَوَّعَا

تَصَبَّرْ فَإِنَّ الصَّبْرَ خَيْرُ مُعَلِّمٍ — إِذَا الدِّيِنُ لِلإِنْسَانِ نَهْجٌ لِيَتْبَعَا

وَلَوْ كُنْتَ سُلْطَاناً فَخِيِماً بِعَرْشِهِ — فَإِنَّكَ لِلرَّحْمَنِ عَبْدٌ لِتَخْنَعَا

أَلا فَاغْنَمِ الأَخْلاَقَ زِيِنَةَ جَوْهَرٍ — وَفَاخِرْ إِذَا الإِيِمَانُ شَعَّ مُرَصَّعَا

فَلا الدُّرُّ وَالْمُرْجَانُ زَيَّنَ مَيِّتاً — تَوَارىَ الثَّرَى جُثْمَانُهُ قَدْ تَقَبَّعَا

وَلَنْ يَرْحَلَ الإِنْسَانُ دُونَ جِهَادِهِ — سَيَبْقَى بِحُبِّ اللهِ أجْراً مُشَفَّعَا

وَمَنْ فَرَّ مِنْ دِيِنِ الإِلَهِ تَأَجُّماً — سَيَصْلَى جَحِيِماً كَيْ يَخُرَّ وَيَبْخَعَا

وَمَنْ بِالإِلَهِ اخْتَارَ نَهْجَ هِدَايَةٍ — فَطُوبَى لَهُ جَنَّاتُ عَدْنٍ لِيَنْجَعَا

فَلا تَقْتَبِرْ فِي قَعْرِ جَهْلِكَ آفِلاً — كَشَمْسٍ تَوَارَتْ خَلْفَ غَيْمٍ تَقَنْبُعَا

هُوَ العِلْمُ نِبْرَاسُ الْحَيَاةِ يُضِيِئُهَا — عَسَى أنْ يَفِيِئَ الْحَقُّ نَهْجاً وَيَلْمَعَا

وَمَنْ قَالَ:بِاسْمِ اللهِ فِي خَطَوَاتِهِ — تَوَثَّبَهُ الإِيِمَانُ نُوراً مُلَعْلِعَا

فَفِي الأَرْضِ يَجْنِي مِنْ مُجَاجِ سَبِيِلِهِ — وَفِي الْمَوْتِ قَبْرٌ بِالْجَمَالِ تَوَسَّعَا

فَجَمِّعْ مِنَ الْخَيْرَاتِ ثُقْلَ مَحَاسِنٍ — وَدَعْ عَنْكَ ذَنْباً قَبْلَ أَنْ تَتَصَدَّعَا

مِنَ الوَقْتِ فَاغْنَمْ يَا بَنِي آدَمَ اتَّعِظْ — سَيَفْنَى مَطَافٌ فِي الْحَيَاةِ مُجَذَّعَا

فَإِنَّ اقْتِرَابَ الْمَوْتِ كَالرِّمْشِ رَفُّهُ — وَلَنْ يَسْتَشِيِرَ الْمَرْءَ وَقْتٌ لِيَجْزَعَا

سَيَخْنُسُ مَنْ فِي الأَرْضِ حَتْماً وَيَنْمَحِي — وَيَبْقَى بِعَرْشِ اللهِ رَبٌّ لِيَصْنَعَا

فَمَنْ عَاثَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ مُشَيْطَناً — تَعَتَّلَ فِي النَّارِ احْتِرَاقاً مُلَفَّعَا

وَأَمَّا الَّذِي كَانَ الصَّلاحُ بِنَهْجِهِ — تَخَلَّدَ فِي رَوْضِ الْجِنَانِ مُرَفَّعَا

فَهَذَا التَّنَائِي يَرْجِمُ الإِنْسَ ذُلُّهُ — عَسَى أنْ يَخُرَّ الْقَلْبُ يَوْماً وَيُفْجَعَا

فَلا تِنْتِفي يَا نَفْسُ عَنْ مَنْهَجِ الْمُنَى — وَعِنْوَانُهُ الْقُرْآنُ دِيِنٌ لِيَرْدَعَا

وَمِنْ كُلِّ إِثْمٍ أَحْوَبٍ طَهِّري النَّوَى — لِكَيْ تَسْتَكِيِنَ الرُّوحُ نَهْجاً وَتَمْتَعَا

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • اغلظ: أَغْلَظَ يُغْلِظُ إِغْلاظاً : ـ الشيءَ: وجده غليظاً. ــ اليمينَ: شدَّدها. ـ له في القول: خاطبه بعبارات جافّة وقاسية؛ أغلظتُ القولَ لمن كَذَب عليَّ وغشَّني.
  • الجسور: الجَسورُ : المقدام الجريء؛ من راقب الناسَ مات غمّاً ** وفاز باللّذة الجسورُ. ج جُسُرٌ.
  • الجهوم: الجَهُومُ : الضعِيف العاجزُ؛ أَسَنَّ الرَّجلُ وصار جَهُوماً.
  • الموبقات: المُوبقَاتُ :[ بصيغة الجمع] مفـ المُوبِقَةُ، الكبائرُ من المعاصي لأَّهنَّ مُهْلكات؛ تاب إلى الله في شيخوخته بعد ارتكابه المُوبقات في شبابه.
  • بحزني: حزن: الحُزْنُ والحَزَنُ: نقيضُ الفرَح، وَهُوَ خلافُ السُّرور. قَالَ الأَخفش: وَالْمِثَالَانِ يَعْتَقِبان هَذَا الضَّرْبَ باطِّرادٍ، والجمعُ أَحْزانٌ، لَا يكسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ حَزِنَ، بِالْكَسْرِ، حَزَناً وت …
  • بسمها: بسم: بَسَمَ يَبْسِم بَسْماً وابْتَسَمَ وتَبَسَّم: وَهُوَ أَقلُّ الضَّحِك وأَحَسنُه. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّبَسُّم أكثرُ ضَحِك الأَنبياء، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالس …
  • تضرعي: تَضَرَّعَ يَتَضَرَّعُ تَضَرُّعاً : - إليه وله: تذلَّل وخضع؛ تَضَرَّع إِلى القاضي طالباً تخفيض الحكم. - إلى الله: ابتهل إلى الله وتاب وتَخَشَّع وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ البَأْسَاءُ ل …

قصائد ذات صلة

  • نَبْضُ السَّهَرِ
  • يَا عِيدُ مَرحَى
  • قَلَمِي
  • فِي قَلْبِي
  • أُنْشُودَةُ الطُّيُورْ
  • مُنَاجَاةٌ وِجْدَانِيَّة
  • اللَّحْنُ الجَرِيحْ
  • دولة الأيام