فوانيس الحب والهجير
الشاعر: عائشة الرازم · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
«فوانيس الحب والهجير» من شعر عائشة الرازم، وتقع في 98 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
فوانيس الحُبّ والهجير — لَن أحْمِلَ القَلبَ الطَّهورَ
إلى مَتاهِ الهاويَة .. — قَلْبي على جَفْني يرِفُّ كنَسْمةٍ ..
ضاعَتْ مَع الشَّوْقِ الشَّذيِّ — فما عَرَفْتُ لَه مَكاناً
ما عَرَفْتُ لَه مِقرّاً — أو هَوَىً في زاوية ..
* * * * * — مِنْ يوْمِ أشْقاني حَبيبي ..
ذَلكَ الخَلاَّقُ رَبِيِّ — باعْتناقي نَبع نَهْرِ الحُبِّ
في ملَّةِ روحي .. — دُرْتُ ثَغْرَ الكونِ بالفانوسِ
أرْجو لي حبيبْ .. — ظَلَّ يجْزيني غَرامي .. واحْتِدامي ..
لعبادات فؤادي .. — بالنذورِ الخاوية ..
مُنذُ جَنَّبتُ تماثيلَ رِجالي .. — فأسَ كفي اللئيم ..
وهَوَت فَأسي على رأسِ فُؤادي .. — حَوَّلتْها لي حُطاماً .. في حَطيمْ ..
مُنْذُ لوّنْتُ وجُوهاً أسلَمَتْها مُهْجَتي — أحْلى مِثالْ ..
منْ تقاسيمِ الكَمانِ النَّاعِسِ — اشْتطَّ الخَيالْ ..
قُلْتُ يا هَيْكلَ حُبيِّ — قُلْتُ يا جمْرةَ قلبي ..
وأواني خَلجاتي .. — هَذه اللَهفةُ للحبِّ غَريبةَ ..
ما عَهدْتُ النَّفْسَ يا نَفْسي مُريبةَ .. — وأنا .. أستَطيعُ الغَوْصَ في الغُدران ..
والغُدْرانُ من كَفِّي قَريَبة .. — وأماميِ بين مرآتي وبيْني
وجْهيَ الموحي بحُزنْي .. أثْقَلَ العشاقُ بَابهَ .. — كلُّهُمْ خَطُّوُا سُطوراً واعترافاً
إنَّ في قَلْبي عَذاباً — شَقَّ للعشقِ خرابه ..
لا عليكِ الآنَ يا نَفْسي .. — وهذا الكأسُ مَملوءٌ وما أحْلى شَرابَه .!
اشْربي الدَّمْعَ العتيقَ الآنَ .. سَكْرى .. — وارسُمي حُبَّاً عَظيماً
في الدُّجى لا بُدَّ حُبي — واقفاً مِثْلي حَزيناً
يَنْحَني لي .. احْتِراماً .. — قَدْ تنَسَّمْتُ هَواهُ .. وجَفاهُ .. وسَرَابَه ..
عاتِباً مِثْلي .. فإنَّ الطَيْرَ تَشْتاقُ — مَثيلاً في الهَوى يُجْري حِسَابَه ..
هَمسةٌ منْ روحِ تِمثالِ حبيبي — سَوْفَ تَسْري لي .. وتكْفيني غيابَه ..
آهِ .. دُخْتُ العُمرَ بحْثاً — عَنْ ملافي قَدَميْهِ
ثمَّ أسْنَدْتُ ضُلوعي حينَ زَلَّ الظَّهْرُ منِّيَ — آهِ يا رأسي أعَنِيِّ
إنَّني أجْثو على الأرْضِ رُخاَماً .. — فوْقَ هذا البَردِ .. أغْمَضْتُ عيوني
أسبْلُ الجَفْنينِ ... أحْتَلُّ اقترابهَ ..!! — مُتْعَباً مثْلي بعْقدٍ من تَفانٍ
عارِضاً للُّروحِ خَيْلاً وسِيوفاً لامعاتٍ — وأنا أعزِفُ الألْحانَ .. هَيَّاَ
كلُّ هذا الكُفْرِ بالعشَّاقِ حوْلي .. — لَنْ أهابَه ..
إنَّه الفارسُ يجْري .. — عاصفاً كالريحِ يلْقاني ويُهديني شَبَابَه ..!!
جاءَ ينسابُ بروحي .. وشَراييني .. — وقَطَّعْتُ لُهاثي ..!
والجدارُ الأبكَمُ الحارسُ يحْويني — فيُرضِيني عِناقا ..!
آهِ .. يجْثو — يَحْتوي صَدْري بعشْقٍ من تَفانٍ ..
فتهلُّ النَّشوةُ الكُبْرى .. وأهًمي كسحابَه .. — لَهْفَتي هذا دلالي .. شرحُ حالي ..
رُغمَ إحساسي بأنِّي قَسَماتٌ من رذاذِ الطِّين — لكنيَّ نجومٌ وحريقٌ .. وعذابٌ ..
آهِ .. كَمْ أبحثُ عن حبٍ مَهولٍ — إنَّ كلَّ العشْقِ في الدُّنْيا صَغيرٌ ..
لا يُساوي في لَهيبي — مثْلَ ظُفْرٍ أو خِضابَه ..
إنني أبْحثُ عَن روحٍ لهذا العشْقِ ..! — من يا ربُّ قَدْ وفَّرتَ لي .. في الخْلقِ ..
إيه يا ربي أعنِيِّ .. — أنَّني أنْوي احْتِسابَه ..
منْذُ مليونَ .. وأكْثَرْ .. — وأنا أهْفو لتفصيلٍ خَفيٍّ
وتقاسيمُ الشُّحوبِ الجامِداتُ — اسْتَعرَتْ حَوْلي وصاحَتْ ..
إيهِ .. يا بنْتَ النبوءات أضيَّعتِ فَتاكِ .. — لِمَ أهْمَلْتِ اجْتذابَه ..؟
لَمْ أكُنْ واللهِ أدْري .. أنَّ حُبِيِّ — مثلُ قَلْبي .. طاهرٌ كالرُّوحِ
والنَّفسِ المُذابَة ..!! — رفْعَتي أوْدَتْ بأحْلامي
فحطَّمْتُ الأواني ..! — وتَكَفَّلتُ بوَهْجٍ من سَمائي .. لحبيبي ..
حينَ أشَعَلْتُ عذابَه .. — * * * * *
آهِ .. لو أنيِّ حَمامة !! — رَفْرَفَتْ تهدِلُ بالحُبِّ على هُدْبِ حبيبي
حالَتي يا ربِّ .. عَفْواً — حالتي .. مربوطةٌ بالحُبِّ
يا اللّهَ .. أرْسِلْ عاشِقي .. مثلي شقيا .. — وحريقاً للقلوب الكاسرة ..!
ومليكَ المفرداتِ الآسرة ..! — مثْلَ طاووسِ الحروبِ الخاسرة ..!
قلْبُهُ المطعونُ من أوباشِ هذا الكْونِ .. — يحميني بأوجاعِ العذابِ العامرة ..!
في ترانيمِ جروحي .. اغْرسِ الحبَّ .. وهبْني .. — إيه يا ربيِّ حبيباً .. يمْنَحُ العِطْرَ لوردْي ..
دونَ أنْ يَنْسى فروضَ الحبِّ عنْدي .. — ويوشيِّ بلهيبِ الشَّوْق زندي ..
ويُسويِّ الصَّدْرَ للخدِّ وِسادَة .. — أستوي سجادةً للفَجْرِ ..
يلْقاني عِبادةَ .. — ويكونُ الحبُّ منْ ثَغْري
طَوَالَ العُمْرِ زادَه .. — أو يظلُّ الشَّوْقُ منِّي نَحْوَهُ دوْما زيادَة ..
كَيْ ألَبي للفَتى الموجوعِ يا ربيِّ مُرادَه .. — ويناديني بهَمْسٍ وخُشوعٍ حينَ أرتْدُّ لنوْمي ..
يا صَباحَ الحبِّ .. يا روحيَ أفيقي .. — حين يُنْدي لي شِفاهِي ..
ويُساوي ليِ جُفوني بودادٍ — رافَعاً شَعْري ويحْنو بجَبيني ..
يَحضُنُ الوجْهَ ويرْعى لي عُيوني .. — كأسُنا يا روحُ .. لنْ يرْضى سِواكِ ..
راكِعاً مدَّ شُحوباً ..! إيهِ لا بأسَ عليْكِ .. — مِنْ هَواكِ .. يا دُروبي ..
يا تَرانيمَ طَريقي .. وحَريقي .. — حينَ يدْعوني .. يلفَُّ الخَصْرَ زنْديْنِ
ويدْعوني .. أفيقي .. — قَيْدُ هذا القُرْبِ يا روُحي لَهيبي
حينَ تَجتْاحُ شِفاهي — رعشةُ التعْويذةِ العُظْمى ..
أنادي .. يا حبيبي .. — * * * * *
ويُلَبيِّ لَهْفَتي حُزْناً .. — ويبكي بنشيجٍ يسْمِعُ الصَّخْرَ نحيبَه ..
جئْتُ يا روحي .. وهيَّأتُ بُحُوري وتِلاليْ — وسهولي وجِبالي ..
كلها سالَتْ لإرضاءِ الحَبيبةْ .. — جئْتُ مُشْتاقاً .. وقَلبي خائِفاً
كالطَّيْرِ يظْما لنَدىً من شَفَتَيكِ .. — لَسْتِ بعْدَ الآنَ تبكينَ ..
ولن تبْقيْ غريبَة .. — جئتُ يا روحي وفي قلْبي اعترافٌ
فاسمعيني .. — كاهناتٌ .. مُتْرفاتٌ
قد سدَدْنَ الدْربَ يا روحي .. — وحالتْ غَمْرةُ الدنيا ..
وصيحاتُ المرافي .. — دونْ إقْبالي سريعاً ..
قد نظمْنَ الدَّرْبَ حوْلي .. باللآلي .. — بَلْ وعبَّدْنَ المساراتِ عَقيقاً ..
وسَحَرْن الريِّحَ من أجْلي .. — فخطَّفْنَ جَناحي ..
وارتجافاتي مع السِّحرِ — تجلَّت في دمائي ..
وغسَلتُ الأرضَ من غيْثِ سمَائي .. — أضْحتِ الأرْضُ لكفيِّ ناعمة ..
فوقَها تَغفو حَياتي وأراها نائِمة .. — أنْتِ لو تدْرينَ .. قدّمْتُ غلالاً ..
وخوابي بيْنَ أعنْاقٍ رفيعَة .. — لأزيحَ السِّحرَ والإغراء عنِّي
وتَظليِّ لي ودَيَعة .. — أنْتِ لو تَدْرينَ... ضَحَّيْتُ بوادٍ ..
مُفْعمٍ بالشَّهْد خَلَّفْتُ ورائيِ — وجراراً .. عبَّأتْها كَرْمتي
خمْراً من التَّمُرِ .. وكانَتْ تَطْفحً الطِّيبَ .. — تُناهي بضجيجٍ مُبْهمٍ منِّي إليْك ..
هَمْهماتي يا حياتي .. — حاصَرَتْ كُلَّ عُداتي ..
وابتهالاتي بأنْ يحويكِ قلْبي .. — في ضَراعَةْ ..
وخشوعٍ وضياءٍ ونَصاعَة .. — وغَمَرْتُ النَّارَ في قَلْبي وأعمْاقي ..
إلهي .. درِّجِ الحُبَّ كشلاَّلٍ نَديٍّ — فوْقَ أهْدابِ الحبيبة ..
واحْمِها يا ربِّ — من أظْفارِ كلِّ الكاهناتِ السَّارحاتْ ..
إنهَّا صْوتٌ لهذا القلْبِ تَشْجو — إنها تَحْمي وجيبه ..
وصَدَى الأصواتِ تَلْهو فيِ ثيابي — َقد نفثن السِّحْرَ في جِسْمي .. لأجسادٍ رهيبة ..
من هُتافاتي الخفيَّة .. — كَمْ تصَّببتُ بأتْعابي ..
فمُسِّي صدْريَ المغلوبَ حُسِّي لي جبيني .. — صَدِّقيني ..
ما ترنَّحْتُ كصَفْصافٍ أمَامَ العِشْقِ مرَّة.. — أسْنديني .. قَدِّمي لي من عَصيرِ اللَّهّفةِ ..
ارْتاحي وأرْتاحُ قليلاً .. فَلَنا لا بُدَّ شيءٌ — من جِرار الحَظِّ في لقْيا المساكين ..
يُساوي مُهْجَتَيْنا .. — ويُراضينا قليلاً من مذاقاتٍ شَربْناها
طوالَ العُمرِ مُرَّة .. — سوْف نعدْو نجْرَعُ الأكْوابَ تلْوَ الدَّمْعِ
نُخْفي في ثنايانا — بصبْرٍ ألْفَ حَسْرة ..
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخلاق: الخَلاَقُ : النصيب الوافر من الخيروَمَا لَهُ فِي الآَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ / فلان لا خَلاقَ له أي لا يسعى للخير.
- الشذي: (شَذَى) الشِّينُ وَالذَّالُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْحَدِّ وَالْحِدَّةِ. يُقَالُ: إِنَّ فِيهِ شَذَاةً، أَيْ حِدَّةً وَجُرْأَةً. وَقَالَ الْخَلِيلُ: يُقَالُ لِلْجَائِعِ إِذَا اشْتَد …
- الطهور: الطَّهُورُ : الطَّاهِرُ في نفسه المطهِّرُ لغيره وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَماءِ مَاءً طَهُوراً. ـ: اسم لكلِّ ما يُتَطَهَّرُ به من ماءٍ ونحوه. ـ: كل ماءٍ نظيف؛ شربنا ونحن في الصحراء ماءً طهوراً.
- باعتناقي: [ع ن ق]. (مصدر اِعْتَنَقَ). "اِعْتِناقُ الإسْلامِ" : اِخْتِيارُهُ عَقيدَةً دينِيَّةً، اِتِّباعُهُ.
- متاه: متأ: مَتَأَه بالعَصا: ضَرَبه بِهَا. ومَتَأَ الحَبْلَ يَمْتَؤُه مَتْأً: مدَّه، لُغَةٌ فِي مَتَوْتُه.
- مقرا: المِقْرَاءُ [قري]: [للمذكّر والمؤنّث] هو الذي يَقْرِي الضَّيف، أي يُكرمه؛ زوْجَةُ عَمِّي مِقْرَاءُ.
- مكانا: مكأ: المَكْءُ: جُحْر الثَّعْلَب والأَرْنَب. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُوَ جُحْر الضَّبِّ. قَالَ الطِّرِمَّاح: كَمْ بِهِ مِنْ مَكْءِ وحْشِيَّةٍ، ... قِيضَ فِي مُنْتَثَلٍ أَو هَيامِ عَنَى بالوَحْشِيَّةِ هُنَا الضَّبَّةَ، لأَنه لَ …