رجوع الهارب
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الكامل
«رجوع الهارب» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 28 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قرَّبتُ للنورِ المشعِّ عيوني ... ورفعتُ للَّهبِ الأحمِّ جبيني
ومشيتُ في الوادي يمزِّق صخرُه ... قدمي، وتُدمِي الشائكاتُ يميني
وعدوتُ نحو الماءِ وهو مُقاربي ... فنأَى وردَّ إلى السرابِ ظنوني
وبدَتْ لعيني في السماءِ غمامةٌ ... فوقفتُ، فارتدَّتْ هنالك دوني
وأصختُ للنَّسمات وهي هوازجٌ ... فسمعتُ قصفَ العاصفِ المجنونِ
••• ... يا صبحُ: ما للشمس غيرَ مضيئةٍ
يا ليلُ: ما للنجم غيرَ مبينِ؟ ... يا نارُ: ما للنارِ بين جوانحي
يا نورُ: أين النورُ ملء جفوني؟ ... ذهبَ النهار بحيرتي وكآبتي
وأتى المساءُ بأدمعي وشجوني ... حتى الطبيعة أعرضتْ وتصاممتْ
وتنكرتْ للهاربِ المسكينِ!! ... •••
إنْ لم يكن لي من حنانِكَ موئلٌ ... فلمنْ أبثُّ ضراعتي وحنيني؟
آثرت لي عيشَ الأسيرِ فلم أُطِقْ ... صبرًا وجُنَّ من الإسارِ جنوني
فأعدتني طَلقَ الجناحِ وخلتَ بي ... للنور جنَّةَ عاشقٍ مفتونِ
وأشرتَ لي نحو السماءِ فلم أطر ... وردَدْتُ عينَ الطائرِ المسجونِ
نسيَ السماءَ وباتَ يجهلُ عالمًا ... ألقى الحجابَ عليه أسرُ سنينِ
ولقد مضى عهدُ التنقل، وانتهى ... زمني إليكَ بصبوتي وفتوني
لم ألْقَ بعدكَ ما يشوقُ نواظري ... عند الرياض، فليسَ ما يصبيني
فهتفتُ أستوحي قديمَ ملاحني ... فتهدَّجَتْ وتعثَّرتْ بأنيني
ونزلتُ أستذري الظلالَ فعِفْنَنِي ... حتى الغصون غدونَ غير غصونِ
فرجعتُ للوَكْرِ القديمِ وبي أسًى ... يطغى عليَّ وذِلَّةُ تعرُوني
لما رأَتْهُ اغرورقتْ عينايَ من ... ألمٍ، وضجَّ القلبُ بعد سكونِ
ومضَتْ بيَ الذكرى فرحتُ مُكَذِّبًا ... عيني، ومتهمًا لديهِ يقيني
وصحوتُ من خَبَلٍ وبي مما أرى ... إطراقُ مكتئبٍ، وصمتُ حزينِ
••• ... فافتحْ ليَ البابَ الذي أغلقتَه
دوني، وهاتِ القيدَ غير ضنينِ ... دعني أروِّ القلبَ من خمرِ الرضا
وأُنِمْ، على فجرِ الحنان، عيوني ... وأعدْ إلى أسر الصبابةِ هاربًا
قد آبَ من سَفَر الليالي الجونِ ... عافَ الحياةَ على نواكَ طليقةً
وأتاكَ ينشدها بعينِ سجينِ!!
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- العاصف: عصف: العَصْفُ والعَصْفَة والعَصِيفَة والعُصَافَة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: مَا كَانَ عَلَى سَاقِ الزَّرْعِ مِنَ الْوَرَقِ الَّذِي يَيْبَسُ فَيَتَفَتَّتُ، وَقِيلَ: هُوَ وَرَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَن يُعَيَّن بيُبْس وَلَا غَيْرِهِ … (لسان العرب)
- المجنون: مجن: مَجَنَ الشيءُ يَمْجُنُ مُجُوناً إِذا صَلُبَ وغَلُظَ، وَمِنْهُ اشتقاقُ الماجِن لِصَلَابَةِ وَجْهِهِ وَقِلَّةِ اسْتِحْيَائِهِ. والمِجَنُّ: التُّرْسُ مِنْهُ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِليه سِيبَوَيْهِ مِنْ أَن وَزْنَهُ فِعَلٌّ … (لسان العرب)
- المشع: مشع: المَشْعُ: ضرْبٌ مِنَ الأَكل كأَكلِكَ القِثّاء، وَقَدْ مَشَعَ القِثّاءَ مَشْعاً أَي مَضَغَه، وَقِيلَ: المَشْعُ أَكلُ القِثّاء وَغَيْرِهِ مِمَّا لَهُ جَرْسٌ عِنْدَ الأَكل. وَيُقَالُ: مَشَعْنا القَصْعةَ أَي أَكلنا كُلّ … (لسان العرب)
- جبيني: جبن: الجَبانُ مِنَ الرِّجالِ: الَّذِي يَهاب التقدُّمَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارًا؛ سِيبَوَيْهِ: وَالْجَمْعُ جُبَناء، شَبَّهوه بفَعِيل لأَنه مثلُه فِي العِدَّة وَالزِّيَادَةِ، وَتَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ … (لسان العرب)
- ظنوني: ظنن: الْمُحْكَمُ: الظَّنُّ شَكٌّ وَيَقِينٌ إِلَّا أَنه لَيْسَ بيقينِ عِيانٍ، إِنما هُوَ يقينُ تَدَبُّرٍ، فأَما يَقِينُ العِيَانِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ إِلَّا عَلِمَ، وَهُوَ يَكُونُ اسْمًا وَمَصْدَرًا، وجمعُ الظَّنِّ الَّذِ … (لسان العرب)
- فسمعت: سمع: السَّمْعُ: حِسُّ الأُذن. وَفِي التَّنْزِيلِ: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ خَلا لَهُ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ؛ وَقَدْ سَمِعَه سَمْعاً وسِمْعاً وسَماعاً وسَماعةً وسَماعِيةً. ق … (لسان العرب)