القصيدة البغدادية

الشاعر: محمود المشهداني · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل

«القصيدة البغدادية» من شعر محمود المشهداني، وتقع في 73 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ها قَد أتيتُ اليوم بعدَ غيابِ ... حتى وَقَفْتُ معَ الغرام ببابي

يامن قطفتِ بنفسَجاً من أضلُعي ... وسَقيتِني كأساً من العنّابِ

أنتِ الفُؤادُ وَ من شِغافِكِ أرتَدي ... ثَوباً يَشُفُّ بِعِشقِك الخلّابِ

بغدادُ كحلها السُقام بِكُحلِه ... كَيْما يخُطّ الحُزَن بالأهْدابِ

وَلّى الشبابُ وغصْنُ شَيبي أخضرٌ ... بي مِنكِ من ذِكراك زهوُ شبابي

في مخدَع الأهْدابِ تَرقُدُ دَمعَتي ... وأحِسّ طعْمَ أجاجِها برضابي

يا (كرخُ )خذ لونَ الصَبابَة وآعْطِني ... لونَ السَوادِ لشَيْبَتي وخِضابي

يا أيُها القَمَر المنيرُ بِغُربتي ... في الليْل يَطرُق بالهَوى أبوابي

إنّي وَجمرُ الإغتِرابِ بخافِقي ... أشْكُو الهوى العذريَّ للأحبابِ

مَن لي وَقَدْ هاجَتْ رياح خَوالِجي ... بنَسائِمِ (الصوبين) من أصحابي

لأشُمّ عبْق الساكِنين بمُهْجَتي ... وأفيق من هَوس الهَوى الغَلّابِ

طيفُ الخَيال كَطيفِها لمّا انثَنى ... لكنه بالوصل صار يُحابي

يا مُلتَقى الشِعْرِ المُضمَخ بالنَدى ... تِلكُمُ سُعادُ تعثَرّتْ برَبابِ

ناجَيتُكم شِعراً يَطيبُ بجمْعِكمُ ... تشدو به الأحسابُ للأنسابِ

أوتادهُ الغرقى برقرقِ دجلةٍ ... تشْدو الفُراتَ توجّعّاً بعِتابِ

ويلٌ لِمَن قَدْ رامَني بنيابِه ... مِثْل الضِباعِ وقَد دَنَتْ لِرِكابي

أدرى بِأني بَينَكُم في رِفقَةٍ ... صاروا لِفَرط الحُبِ مثلَ إهابي

أنا جئتكُم بِيَدي (الرَصافَة) كُلُّها ... بالنَخْلِ وَالجوريِّ واللبلابِ

وَيَدٌ بِها (كرْخٌ) يحنُّ لأهلهِ ... فَخُذوا يَديَّ اليومَ بالترحابِ

بغدادُ تاجٌ وَالعُروبَة درّهُ ... لا تَنْحنى للغزوِ وإلإرهاب

تلكُم بَقِيَتَها كنَبضَةِ خافِقي ... تَشكو غراباً جاءَ بالأغراب

بَغْدادُ كحلّها الدُخان بجَمْرهِ ... حتى أسالَ الدمعَ بالأهْدابِ

غَرثى كمُستَسقي الغَمامَ بقيعَةٍ ... جَرْداء تعْدو خَلْفَ كُلِ سَرابِ

أو كاليَتيمِ تَلاحَقَتْ أَنفاسُه ... بَينَ اللِئامِ يلوذُ بالأَعتاب

لهَفي على جوريّها إذ يَرتجَي ... ريّ السَحابِ وَلاتَ حين سَحابِ

أحكي لَكُم عن أهل بغداد الأُلى ... كانوا نُجومَ العُربِ وَالأحسابِ

كانوا الجَمالَ مَدينة وَحَضارةً ... في بَيتِ حِكمتِهم ذوى الألباب

كانوا القصائِدَ والخطابةَ والحجى ... بِقَديم ما حَمَلوا من الآدابِ

يَسْقي العَطاشى ماؤهم فَكأنهُ ... شَهْدٌ يَصُبُّ بِرائقِ الأَكوابِ

وَبِها مع النُعْمانِ كاظِمُ غَيظِهِ ... وبِها هُناكَ( الشَيْخُ ) في الأَقطابِ

فَغَدَتْ عَلى مَرِ الزَمانِ طلولُها ... للباكِياتِ كلوعَةِ التِنْعابِ

عَفَتِ الرِياح عَلى دِيار أحِبَتي ... للّهِ أرضٌ دُ نّستْ بمصابِ

أَيْنَ القِبابُ الشامخاتُ بِـ(كَرخِها) ... ومساجدٌ قد زُيّنتْ بقِبابِ

تلك السنون مضتْ بنخوة ِ من مضى ... وَاليوم ضاعَتْ نخوةُ الأَصلابِ

صَبَ الغُزاة النارَ فَوقَ بُيُوتِها ... وَغَدَت حبيسَة وهْنِهم بعذابِ

وَتَفَرَقَتْ أبناؤُها بينَ الوَرى ... ذَهَبُوا فَليَسَ لَهُمْ أَوانُ إيابِ

بَقِيَتْ على بَغداد أَطلالٌ لها ... بَقْيا البيوتِ كمِثلِ سِنِ حِرابِ

إلا بَقايا ها هُنا أو ها هُنا ... شادُوا بَقاياها على الأطنابِ

راياتُهُم باللهِ تَعْمُرُ ما مضى ... حتى يَزول اليَومَ كُلُّ خَراب

وَأَنا بِها البَدَويُّ يحْمِل رحْلَهُ ... بحدائهِ يشْدو بِغَير رَبابِ

قَدْ مَلّني مِما بَكيتُ عَواذِلي ... مِن بَعْدِ ما قَدْ مَلني أترابي

سألوا : أتبكي (كرخها) لا تنتهي ... فأجبتُهم : (كَرْخي) يَرُدُّ جَوابي

أناْ عاشِقُ(الصوبين) أرّقَهُ الهَوى ... حيران بين الناسِ والأحزابِ

طلبوا لها عيْبَ الزَمان بِغَدرِهم ... خابوا فما طبعُ الزمانِ يحابي

بَغدادُ يا وَجعاً تلذُ جِراحهُ ... إني شَدَدْتُ إليْكِ مِنكِ رِكابي

وَقصائِدي ومدامِعي ومواجِعي ... بكِ أنتِ يا بَغداد دون حِسابِ

أنت القَريبةُ وَالحَبيَبةُ وَالَهوى ... وَحَقيقَةٌ بانَتْ بِغَيرِ سَرابِ

يَفديكِ من يَفديكِ دونَ تَمَنُنٍ ... من حاضِرٍ أو غائبٍ لعتاب ِ

سَيَعُودُ جُوريّ(الرُصافَةِ) عاراً ... وَيَعودُ عذقُ ( الكَرخ ) بالأرطابِ

وتمُرُّ فيكِ الحادثاتُ وَتَنتَهي ... مَرَّ السَحابِ على صخورِ هضابِ

يا عِشْق هارونَ الرَشيدِ وَتاجَه ... مِن سالف الأَيام وَالأحقابِ

أشكوكِ من وجعٍ يلوك بِضِرسِهِ ... سَبْعاً عِجافَ الزرعِ والأحْلاابِ

ما كُل من عَرَفَ الهَوى كَكُثيِّرٍ ... يُغري بِعزةّ من قَديمِ عِتابِ

أو كُلّ نوَارٍ يَهيمُ بِحُبِها ... قلبٌ فَرَزْدَقُهُ بنبضِ الشابي

أو كُل مَخْضوبِ البَنان جَريرُه ... يَهْجو سُعادَ تَزلفاً لربابِ

(بانت سُعاد) فَهل يبينُ زُهيرُ ها ... كالنائحات ينحن كل مصابِ

يا أيها الملأ المُخَضّبُ بالضَنى ... البومُ أدرى مِنكُم بِغُرابي

يا ناعِقاً فَوق الخَرائِب في الدُجى ... أضحَيْتَ بوماً ناعباً في الغابِ

عَيني على الحَسرات يَرجُم دَمعُها ... والقَلب يُرْجَمُ حسرةَ الألبابِ

صِدقاً فديتُك يا عِراقُ بمُهْجَتي ... رَغمَ الخَؤونِ الفاسِق الكذابِ

يا أيها الكَرخِيُّ..بابل لا يُرى ... منها سِوى طاق هوى بِتُراب

ماذا أقولُ عَن الذينَ تخاذَلوا ... أأُطيلُ والإيجازُ كالإسْهاب

لمّا قَضَوا تَفَثاً كأَنَّ هَريرَهُمْ ... هَرَّ الذِئابِ تَزَلفَتْ لِكلاب

أيانّ يا شَمْساً تغيبُ بمَشرقٍ ... خلفَ الضَباب وعارضٍ مُنسابِ

أن تَرجِعي بحضارة فيها الهُدى ... اليوم يحْسَبُها العِدى كَسَرابِ

هذا الغُروبُ وَشمس أهلي لم تزلْ ... خَلف الغُروبِ تلَوحُ للطلابِ

يا أيُها الجيل المُروّضُ بالهوى ... عُدْ للهُدى تُهْدَ بِخَير كتِابِ

السُنَة السَمحاءُ تَحمي أَهلَها ... مِن شَرِّ ( أَزلام ) وَمِن ( أَنصابِ)

لا وَالذي أحصى الخلائِق كُلّها ... وأعَزَّ هذا الدين بالأطيابِ

لا تنقضي الدُنيا قُبيل نَفيضَةٍ ... تُزْجي القُلوصَ تأذُّناً لإيابِ

فيها الهُداةُ على الصَلاحِ طريقُهم ... نحو السماء معبّدٌّ بمتابِ

يا مَعْشَراً شَرّفتُ وَسط دِيارهم ... أنّى ذهبْتُ فإنكُم أحبابي

إني جَلبْتُ لكُم شَواطئَ دجلة ... وتركتُ حُزنَ( الكرخِ) في أعقابي

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • الخلاب: خلب: الخِلْبُ: الظُّفُر عامَّةً، وجَمْعُه أَخْلابٌ، لَا يُكَسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وخَلَبَه بظُفُرِه يَخْلِبُه خَلْباً: جَرَحَه، وَقِيلَ: خَدَشَه. وخَلَبه يَخْلِبُه، ويخْلُبه خَلْباً: قَطَعَه وشَقَّه. والمِخْلَب: ظُفُ … (لسان العرب)
  • العناب: عنب: العِنَبُ: مَعْرُوفٌ، واحدتُه عِنَبة؛ ويُجْمَعُ العِنبُ أَيضاً عَلَى أَعناب. وَهُوَ العِنَباءُ، بِالْمَدِّ، أَيضاً؛ قَالَ: تُطْعِمْنَ أَحياناً، وحِيناً تَسْقِينْ ... العِنَباءَ المُتَنَقَّى والتِّينْ، كأَنها مِنْ ثَم … (لسان العرب)
  • ببابي: بأب: فَرَسٌ بُؤَبٌ: قَصير غليظُ اللَّحْمِ فسيحُ الخَطْوِ بَعيدُ القَدْرِ. (لسان العرب)
  • برضابي: رضب: الرُّضابُ: مَا يَرْضُبُه الإِنسانُ مِنْ رِيقِه كأَنه يَمْتَصُّه، وإِذا قَبَّل جاريَتَه رَضَبَ رِيقَها. وَفِي الْحَدِيثِ: كأَنِّي أَنْظُر إِلى رُضابِ بُزاقِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. البُزاقُ: مَا سالَ؛ والرُّضابُ مِنْهُ: … (لسان العرب)
  • بعشقك: عشق: العِشْقُ: فَرْطُ الْحُبِّ، وَقِيلَ: هُوَ عُجْب الْمُحِبِّ بِالْمَحْبُوبِ يَكُونُ فِي عَفاف الحُبّ ودَعارته؛ عَشِقَه يَعْشَقُه عِشْقاً وعَشَقاً وتَعَشَّقَهُ، وَقِيلَ: التَّعَشُّقُ، تَكَلُّفُ العِشْقِ، وَقِيلَ: العِشْ … (لسان العرب)
  • بغربتي: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)
  • بكحله: كحل: الكُحْل: مَا يُكْتَحَلُ بِهِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الكُحْل مَا وُضِع فِي الْعَيْنِ يُشتَفى بِهِ، كَحَلَها يَكْحَلها ويَكْحُلها كَحْلًا، فَهِيَ مَكْحُولة وكَحِيل، مِنْ أَعين كُحْلاء وكَحَائِل؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ و … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • العراق..ألفُ جرحٍ وجرح
  • آلاءُ الجمالِ
  • بوحٌ (كرخيٌّ)..بطعمِ ونكهةِ (الرصافة)
  • جولةٌ في بيت العنكبوت
  • قمري أنا
  • رسائلُ عشقٍ بغدادية..3
  • زينبُ القلب
  • وإنَّ فيضَ رسولِ اللهِ دفّاقُ