حقائق كالخيال
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: البسيط
«حقائق كالخيال» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 44 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
3- ... ماذا تريد العيون السود من رجل
قد حاش زهر الخطايا حين لاقاها ... زهرا على جسمي المحموم أقطفه
في باقة من جراح بتّ أصلاها ... هذا الربيع الذي تهدي شقائقه
ريح المنايا إلى قلبي بريّاها ... أزهار تموز ما أرعى أسلمه
في عتمة العالم السفلى أياها ... أم صل حواء بالتفاح كافأني
و هو الذي أمس بالتفاح أغواها ... ماذا تريد العيون السود ؟ إن لها
ما لست أنساه منها حين أنساها ... ما بالهن استعضن البوم أوعية
عن أوجه الغيد حتى ضاع معناها ... أين المناقير من لعس مراشفها
ربي ؟ و أين ابتسام كان يغشاها ... من هذه الخربة الظلماء محدقة
بي أعين البوم من أجداث موتاها ... قفراء منغير ثكلى شف مئزرها
عن وهج فانوسها الكابي و أخفاها ... تسعى كما اصطاد في ليل يراعته
طفل وطارت و قد ألوى جناحاها ... محنية تتفرى كل شاهدة
من كل قبر كما لو كان طفلاها ... في كل قبر يذوقان الردى دية
عمن يؤاوي و عن أحياء دنياها ... نادتهما فانبرى يزقو لصيحتها
من حيث رد الصدى بوم و ناداها ... أماه إنا هنا ريح بنا عصفت
لم ندر أيم أنهينا بعد لقياها ... و انشق منخلفها قبر ليبلعها
و احتازها و اشرأبت منه كفّاها ... يختص فانوسها التمام بينهما
و الريح خرساء تعبى غير ها ها ها ... و يلم سازاك كيف اندك حائطه
حتى تعرى لي السهل الذي حجبا ... سهل يكن الصلال الرقط أجهضه
عاد من المحل حتى يفرغ العطبا ... و انبحت التربة العجفاء من عطش
عم أشدق فاغرات تنبح السحبا ... و لاشمس كالأطلس المسعور تنهشه
و الريح تصليه من تنورها لهبا ... الريح لا ليست الريح التي ركضت
بيضاء سوداء رقطاء القفا عجبا ... عنقاء في مسعر الجوزاء أعينها
و الصخرة يرفص من أظلافها شهبا ... تلك الزرافات في السهل العقيم لها
مرعى روى من سراب ينبت السّغبا ... ما روعتها سوى ضوضاء خشخشة
في كف أبرص يعدو خلفها خببا ... تخفيه عنها ضمادات و يظهر
ما نز من قيحه الدامي و ما شخبا ... نادى و كفاه تختضان و احربا
فاستعبر العاصف المصدور واحربا ... ماء اسق يا ماء تلهاث مقاطعة
منزوعة من لسان يشبه الخشبا ... حتى استجاب السحاب الجون فانعقدت
في الجو حباته الغبراء فاحتجبا ... و انهل لا عن ندى صاف و لا مطر
بل عن دم من ثدي مزقت حلبا ... أو عن مشاش من الأحداق فقأها
سيخ لجنكيز دام ينفث اللهبا ... ماء اسق يا ماء و الغيث الرهيب كلى
مفرية سحت الآجال و الكربا ... لم يبق من مر تو أو ظاميء بفم
أو دون و من ماء الردى شربا ... ويل لسازاك ماذا ينوي بدمي
من نيّة فهو يستصفي و يمتار ... تلك الزجاجات أشلاء مجزأة
مني دمي مختز فيهن موار ... لم تثن سازاك عن شحذ لمدينة
آهات مرضى و لا ألهاء زوار ... إني لدار بأني حين يشرعها
ران إليها فملدوغ فمنهار ... هل تبتغي شفرتاها غير آنية
فيها دمي راجف و الداء و العار ... ما كنت يوما و لا المرضى سوى عرض
في أعين سازاك يجبي منه إيجار ... ست و عشرون أعداد على سرر
أما الأصحاء و المرضى فأصفار ... فالرقم عشرون لا يسقى سوى لبن
و الرقم عشر نعاه اليوم محرار ... و اليوم لم يبق ما اعطيه عن مرض
إلا دعائي و قولي نعمت الدار ... فليلق سازاك من يسمى ثمانية
غيري و يستوف أجر القبر حفار
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البوم: بوم: البُومُ: ذكَر الهامِ، وَاحِدَتُهُ بُومةٌ. قَالَ الأَزهري: وَهُوَ عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ. يُقَالُ: بُومٌ بَوّامٌ صَوَّاتٌ. الْجَوْهَرِيُّ: البُومُ والبُومةُ طَائِرٌ يقَع عَلَى الذكَر والأُنثى حَتَّى تَقُولَ صَدىً أَو فَيّ … (لسان العرب)
- المحموم: حمم: قَوْلُهُ تَعَالَى: حم*؛ الأَزهري: قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ قَضَى مَا هُوَ كَائِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ، قَالَ: وَعَلَيْهِ العَمَلُ. وآلُ حامِيمَ: السُّوَرُ الْمُفْتَتَحَةُ بِحَامِي … (لسان العرب)
- بالتفاح: تفح: التَّفْحَة: الرَّائحة الطَّيِّبَةُ. والتُّفَّاحُ: هَذَا الثَّمَرُ مَعْرُوفٌ، وَاحِدَتُهُ تُفَّاحة، ذُكِرَ عَنْ أَبي الْخَطَّابِ أَنها مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّفْحة؛ الأَزهري: وَجَمْعُهُ تَفَافِيحُ، وَتَصْغِيرُ التُّفَّ … (لسان العرب)
- بالهن: بأل: البَئِيلُ: الصَّغِيرُ النَّحيفُ الضعيفُ مَثَّلَ الضَّئِيل؛ بَؤُلَ يَبْؤُلُ بَآلَة وبُؤُولَة؛ وَقَالُوا: ضَئِيل بَئِيل، فَذَهَبَ ابْنُ الأَعرابي إِلى أَنه إِتباع، وَهَذَا لَا يَقْوَى لأَنه إِذا وُجِدَ لِلشَّيْءِ مَعْ … (لسان العرب)
- برياها: ريا: الرَّايَةُ: العَلَم لَا تَهْمِزُهَا الْعَرَبُ، وَالْجَمْعُ راياتٌ ورايٌ، وأَصلها الْهَمْزُ، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ عَنْ أَبي الْخَطَّابِ رَاءَةً بِالْهَمْزِ، شَبَّهَ أَلف رَايَةٍ وإِن كَانَتْ بَدَلًا مِنَ الْعَيْنِ بال … (لسان العرب)