نشيدُ الغُربة
الشاعر: علي الخزاعي · البحر: البسيط
«نشيدُ الغُربة» من شعر علي الخزاعي، وتقع في 84 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
الرأيُ في العقلِ ليسَ الرأيُ في العمُرِ — هذا خُلاصةُ قَولٍ خُذهُ أو فَذَرِ
قومٌ تَدنّوا عن الرأيِ السديدِ ومَن — مِثلي تَمسَّكَ لم يفخَر على البَشرِ
إذا الجهالةُ تُعمي عينَ صاحِبِها — عنّي فلا عيبَ يَخفى عنهمُ خبَري
أنا الأخيرُ ولكن خيرُ خِيرتِكُم — يا آخرَ الخَلقِ مِن خِيرٍ ومِن خِيَرِ
أنا الأخيرُ وشِعري جاءَ يُخبرُكُم — بفائضِ الغيضِ عن همِّي وعن وطَري
إذا مشيتُ وئيداً طارَ بي قَدَمي — فوقَ السِماكِ فلا تَقفوا على أثَري١
أنّى الثَواءُ بعَمّانٍ وما وَسِعَت — لموطِئِ الخَطوِ منّي وَخزَةَ الإبَرِ ٢
وما الوقوفُ بأطلالٍ أُسائِلُها — تُصَدِّعُ القلبَ فيها لمحةُ البَصَرِ
وما انشغالي بها مِن بَعدِما دَرسَت — مِن سالفِ العَهدِ والأرواحِ والمطَرِ ٣
سألتُها أينَ أضحَت مَن كَلِفتُ بها — فلم تُجِبني وأفنَت دمعَ مُنهمَري ٤
ليس التَغرُّبُ أن تنأى بنا قَدمٌ — عن أهلِنا وعنِ الأصحابِ والزُمَرِ
ما غربةُ المرءِ إلاَّ الذُّلّ في وطنٍ — فارحَل فإنَّ زَهاءَ العِزِّ في السَفَرِ
أُنشودَةُ البينِ فاحفَظ عهدَ قائلِها — فإنهُ عهدُ صِدقِ القولِ والعِبَرِ
لاتأمنِ الدهرَ واحذر مِن عواقبهِ — والنفسَ والناسَ مِن أنثى ومِن ذَكرِ
إن الزمانَ إذا شابَت مفارقُهُ — يُجدِّدُ العهدَ عهدَ الشيبِ والكِبَرِ
وما يُجدِّدُ مُبيضّاً بأسودِنا — ولايقولُ سوى أقوالِ مُعتذرِ
هذا المغرِّرُ لايُبقي على أحدٍ — مِنّا وباقٍ فكُن منهُ على حذَرِ
إذا ارتدى بُردةً جَرداً وباليةً — فإنَّها نَسجُ أيدي جِنّةِ الأَشَرِ ٥
يالهفَ نفسي وثوبُ العُمرِ نلبسُهُ — ونشتكي الطولَ منه مُشتكى القِصَرِ
حُبُّ النساءِ عَياءُّ لا شفاءَ لهُ — ودمعُهنَّ علينا أضرَرُ الضَرَرِ ٦
قلوبُهنُّ جلاميدٌ وخاليةٌ — مِن الشَغافِ كبيتٍ دارسٍ دَثِرِ٧
أو كالمدامةِ مندومٌ مُنادمُها — تُخِفُّ ظنَّكَ في التقديرِ والفِكَرِ
لا أكذبنَّكَ إني كنتُ ذا شَغَفٍ — بالغِيدِ أجهَلُ مافيهنَّ مِن نظرِ
ينصُبنَنا غرضاً لِلهوِ أو غرَضاً — للرَمي مِن أعيُنٍ حُورٍ مِن الحوَرِ
يقتُلنَنا فإذا ، مُتنا بهنَّ أذى — شيّعنَنا وكذا ، حالٌّ مِن الصورِ
طعمُ الدماءِ بأفواهٍ لهنَّ كفى — لهنَّ ذِكرَ حليبِ الأُمِّ في الصِغَرِ
تبَّت يداهُنَّ تبَّت ثأرُهنَّ لَفي — قَولي سيغفرُ ذنباً غيرَ مُغتفرِ
ذُقتُ الهوى فأنبرَت عَجلى مذاقتُهُ — على لساني كطعمِ الصابِ والَزَهَرِ٨
جرعتُهُ وكفاني بعدَهُ جُرَعًا — لا يُلدغُ المؤمنُ الملدوغُ مِن جُحُرِ
مانفعُ وجدِكَ تُبديهِ لغانيةٍ — بالغدرِ قد غنِيَت والزَيفِ والزَوَرِ٩
لايخدَعَنّكَ منها دمعُ مقلتِها — تبكي التماسيحُ حُبَّ الفتكِ والظفَرِ
ماذا وماذا إذا هذا الأذى وإذا — آذى إذن أنتَ غِرٌّ ثُم ذو غِرَرِ
إنْ يَشقَ مِن شَيِّقٍ في شَوقِ شَيّقِهِ — شَقى بشِقشِقَةٍ مِن غُصّةِ الحَصَرِ ١٠
لابُدَّ يبدُوَ بادي الودِّ مؤتزراً — بما ائتزَرتُ وظمآناً إلى سُؤَري ١١
يادارسَ العلمِ إعمَل بالعُلومِ ولا — تُعجَب بنفسِكَ مُختالاً على البشرِ
إذا حسِبتَ أجَدتَ الصنعَ في عملٍ — ظفرتَ بالبحرِ لكن ليسَ بالدُرَرِ
راقت لعينيَّ أرضٌّ سوفَ أُدركُها — مدارسُ الذكرِ والآياتِ والسُوَر
قضاءُ حقٍّ لمجدٍ عزَّ مطلبُهُ — لايُطلبُ المجدُ في رَجعٍ مِن الوَتَرِ
حتى ولابمُنىً لكنهُ قَبَسٌ — يلوحُ عندَ مسارِ القَدرِ والقَدَرِ
لاتعجَبنَّ فإنَّ المجدَ أُحجِيَةٌ — معقودةُ الحلِّ بالأهوالِ والخطَرِ
فالله ربّي وربُّ العالمينَ ولا — ربٌّ سواهُ إلهُ الشمسِ والقمَرِ
وربُّ أبهرِ مخلوقٍ وأهونهِ — رَبُّ الحمامِ ورَبُّ النَسرِ والصَقرِ
يُلحي الشوى مِن رُؤوسٍ لاحُلومَ لها — لَحياً كلَحيِ أديمِ الجسمِ في سَقرِ ١٢
حاشى لربّي فليسَ اللهُ ذا عَجَلٍ — بل ذو أناةٍ ومَهلٍ مَهلِ مُقتَدِر
في العُسرِ ذي يُسُرٍ، بالقهرِ مفتَخِرٍ — بالأمرِ مؤتمِرٍ، بالعزِّ مُؤتَزِرِ
أخزاهمُ كُلّما ناحَت مُطوّقةٌ — عند الأصيلِ إذا يغشى وفي السَحَرِ
أخسى مِن القردِ أدهى مِن مُزعّفةٍ — أهدى إلى الشَرِّ مِن فاشٍ ومِن تتري١٣
ما ينزلونَ وإلاّ صارَ منزلُهُم — منازلَ الشرِّ والإفسادِ والدَعَرِ
ياواقدَ النارِ جهلاً بالذي حَرقَت — شَلَّت يمينُكَ مِن عَضدٍ إلى ظُفُرِ
وزرًا حملتَ وعارًا جئتَ واتّفقَت — عليكَ طُرقُ تَناهي الشَرِّ والكُفُر
هلِ المنيةُ طاشَت عنكَ رميَتُها — وهيَ الدواءُ لداءِ الغَيّ والسَدَرِ
مالي أرى الشاةَ لا يدأى لها أسدٌ — والقردُ أسرفَ طُغياناً على النَمِر ١٤
مالي أراكَ صديقي لستَ ذا هِممٍ — على العُلى وتَشوبُ الماءَ بالشَررِ ١٥
إنهَض تجِد صعبةَ الأفراسِ مُسرجةً — مِن نهضةِ العزمِ لا مِن نهضةِ الخَوَرِ
شَهباءَ جَرداءَ رَوعاءاً وطاويةً — غبراءَ يهماءَ بالدأداءِ والضَفَرِ ١٦
لا تَصحَبَنّي وهَمُّ المالِ صاحِبُنا — إليكَ عنيّ فهمّي غيرُ ذي خَدَرِ
كنزُ القناعةِ مالٌ صِرتُ أكنِزهُ — وصرتُ منهُ أخا زَهوٍ وذا بَطَرِ
أنا الغنيُّ وليس المالُ لي بغنىً — لكنّهُ الصِدقُ في قولي وفي سِيَري
لا تبسطنَّ يداً إلاّ لرازِقها — إنْ لَم يكُن تَسعَ سَعيَ الثعلبِ المَكِرِ
إنْ لَم تَفِ العهدَ غدراً منكَ لا عجباً — مِن صُحبتي حَيّةً في الحِندِسِ العَكِر ١٧
أو لَم تُلِن جانباً لي ياأُخَيَّ فَلَن — أُغضي بجَفنٍ على خَدٍّ مِنَ الصَعَرِ١٨
إني وجدِّكَ تِربُ الغيثِ مَكرُمَةً — طَلَّت بوارقُ قَطري فارتقب مطري
مَن لم يَذُد عَن ذِمارِ العزِّ صارمُهُ — يَعِش ذليلاً ويدقَع في هُوَى الحُفَرِ
يامَن تَفلَّقُ أكبادٌ لَهُ بِنوَىً — عن أهلهِ حاملاً إصراً على الصِغَرِ ١٩
هل حَبلُ وصلِكَ بعدَ النأي مُتصلٌ — أم أنتَ ذو سَمَرٍ بالشُقرِ والسُمُرِ
يامَن بها القلبُ مَعمودٌ ومُهجَتُهُ — في دارِها كيفَما دارت بها تَدُرِ
إشتقتُ رَبعَكِ مِن حَرّي ومِن كلَفي — بِمائِكِ العَذبِ عهدَ الوردِ والصَدَرِ
أيامَ أغشى ضِفافَ النهرِ زاهيةً — بالطيرِ والنخلِ والأورادِ والشَجرِ
عَهدَ الطفولةِ عهدَ اللهوِ ماغَرُبَت — ذُكاؤُهُ عن سَماءِ الفِكرِ والذِكَرِ ٢٠
ولم يزَل في دمي صِنواً وفي كبِدي — والشيبُ أدركَ منّي فاحِمَ الطُرَرِ
قد أوحشَتني ديارٌ شَطَّ مَربعُها — عني بلا مُلتقاهُ طيلةَ العُمُرِ
هل أُعذِرَ العهدُ منّي في ديارِكُمُ — بالخُلفِ ياأهلَ بغدادٍ وبالعُذُرِ
أنا الذي قد جَهلتُم كيفَ غربتُهُ — في يومِ نكباءَ تذرو أَسوَدَ القَتَرِ٢١
لا الكرخُ يدنو ولا الخضراءُ دانيةٌ — ولاالرصافةُ مأوى الأُسدِ والبَقرِ
عِينُ المها إنّها بينَ الرصافةِ وال — جَسرِالتي جلبَت مَخفي الهوى ودَري ٢٢
أهْوى العيونَ ولا أخشى بأسهُمِها — رَمياً ولستُ بعِزهاةٍ بهِا كَدِرِ ٢٣
ويلٌ لدَجلةَ ويلٌ لا رُويدَ بِهِ — مِنَ القوافي إذا تقفو على أُخَرِ
لَأُشفِعَنَّ قَريضاً لا يُمتِّعُها — فقد صَبَرتُ ولم تُشفَع لِمصطبَري
إذا انتضى الشِعرُ سَيفاً كنتُ حِليتَهُ — لأهلِ يَعرُبَ مِن قحطانَ أو مُضَرِ
خُزاعتا هاكِ ما أسلَفتِ ياسَلَفي — بيتاً مِنَ الشِعرِ مِن بيتٍ مِنَ الشَعَرِ
لا تُنشِدوا الشِعرَ قَومي بَعدَما ارتحَلَت — أشعارُكم مَع ذَواتِ الخُفِّ والوَبَرِ
أضَعتُموني وضَيِّعتُم قلائِدَهُ — عندي وها هُوَ ذا يسري بمُستَتِري ٢٤
إذا صَمَتُّ كأَنّي ناطقٌ وإذا — نَطَقتُ يَصمُتُ شِعرُ البَدوِ والحَضَرِ
أُعيدُ هجوَ جَريرٍ مِن فرَزدَقِهِ — والشِعرُ بَحرٌ وشِعري مِن صَفاالصَخَرِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الثواء: ثوا: الثَّواءُ: طولُ المُقام، ثَوَى يَثْوي ثَواءً وثَوَيْتُ بِالْمَكَانِ وثَوَيْته ثَواءً وثُوِيّاً مِثْلُ مَضَى يَمْضِي مَضاءً ومُضِيّاً؛ الأَخيرة عَنْ سِيبَوَيْهِ، وأَثْوَيْت بِهِ: أَطلت الإِقامة بِهِ. وأَثْوَيْته أَنا …
- الخطو: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوَةً، أي: مرّة، والخُطْوَة ما بين القدمين[[قال ابن المرحّل: وخطوة بالفتح نقل القدمين ... وخطوة مضمومة ما بين تين وجمع الأول خطاء، والخطى ... جمع الأخير، وبضمّ ضبطا]] ، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُ …
- السديد: السَّديدُ : الصائِبُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً.
- الغيض: غيض: غاضَ الماءُ يَغِيضُ غَيْضاً ومَغِيضاً ومَغاضاً وانْغاضَ: نقَص أَو غارَ فذهبَ، وَفِي الصِّحَاحِ: قَلَّ فنضَب. وَفِي حَدِيثِ سَطيح: وغاضَت بُحَيْرةُ ساوَةَ أَي غارَ مَاؤُهَا وذهَب. وَفِي حَدِيثِ خُزيمة فِي ذِكْرِ السّ …
- بعمان: : "سَلْطَنَةُ عُمان" : مِنْ بِلاَدِ الْعَرَبِ، تَقَعُ فِي جَنُوبِ شَرْقِيِّ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ.
- تعمي: تَعَمَّى يتعمَّى تعَمَّ تعَمِّياً [عمي]: عمي، أي ذهب بصره؛ قد تتعمَّى القلوبُ ولا تتعمّى الأبصار.