بين مدّ و جزر
الشاعر: إيليا أبو ماضي · البحر: الخفيف
«بين مدّ و جزر» من شعر إيليا أبو ماضي، من العصر الحديث، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سيّرت في فجر الحياة سفيتني — و اخترت " قلبي " أن يكون إمامي
فجّرت على الأمواج قصرا من رؤى — ملء الفضا ، ملء المدى المترامي
و أقلّ منها البحر حين أقلّها — دنيا من الأضواء و الأنغام
و مشى الخيال على الحياة بسحره — فإذا الهوى في الماء و الأنسام
و إذا الرّمال أزاهر فوّاحة — و الشّطّ هيكل شاعر رسّام
و إذا العباب ملاعب و مراقص — و إذا أنا من صبوة لغرام
أتلقّف اللّذّات غير محاذر — و أعبّ في الزلاّت و الآثام
لا أكتفي و أخاف أكتفي — فكأنّما في الاكتفاء حمامي
و كأنّ هدبي أن تطول ضلالتي — و كأنّ ربّي أن يدوم أوامي
مرّت بي الأعوام تتلو بعضها — و أنا كأنّي لست في الأعوام
كالموج ضحكي ، كالضّياء ترنّحي ، — كالفجر زهوي ، كالخضمّ عرامي
حتى إذا هتف المشيب بلمّتي — ودنت يد الماحي إلى أحلامي
صرخ " الحجى " بي ساخطا متهكّما : — " هذا الغنيّ شرّى من الإعدام "
" أسلمتني للقلب و هو مضلّل — فأضرّني و أضرّك استسلامي "
" يا صاحبي أطلقني من سجن الرؤى — أنا تائه ! أنا جائع ! أنا ظامي !"
و أراد " عقلي " أن يقود سفيتني — للشطّ في بحر الحياة الطامي
فطويت أعلام الهوى و هجرتها — و نسيت حتّى أنّها أعلامي !
و حسبت آلامي انتهت لمّا انتهى — فإذا النهاية أعظم الآلام
و إذا الطريق مخاوف ووساوس — و إذا أنا من هبوة لقتام
أبغي الثراء و لم يكن من مطلبي ، — و أرى الجمال بناظر متعام
و أشيّد مثل الناس مجدا زائفا — و أشدّ حول الروح ثوب رغام
فإذا أنا ، و الأرض ملكي و السما ، — قد صرت عبد الناس ، عبد حطامي
فتضايق القلب السجين و قال لي : — " يا أيّها الجاني قتلت هيامي ! "
" ألقفر بالأحلام روض ضاحك — فإذا تلاشت فالرياض مومي "
" أين العيون تذيبني حركاتها — و تموت في سكناتها آلامي "
" و أطلّ من أهدابهاا السكرى على — ظلّ ، و أنداء ، وزهر نام "
" لمّا عصاني أن أشبّ ضرامها — أعيا عليها أن تشبّ ضرامي "
" ألخمر ملء الجام لكن قد مضى — شوقى إلى الخمر التي في الجام "
" أسلمتني " للعقل " و هو مضلّل — فأضرّني و أضرّك استسلامي "
" أنظر ، ألست تراك في أوهامه — أشقى و أتعس منك في أوهامي ؟ "
" ألمال ! من ذا يشتريه كلّه — منّي بليل صبابة و غرام ؟ "
" يا صاحبي أطلقني من سجن النهى — أنا تائه ! أنا جائه ! أنا ظامي "
*** — لا تسألوني اليوم عن قيثارتي
قيثارتي خشب بلا أنغام ! — يا شاعرا غنّي فردّ لي الصّبا
فإذا مواكبه تسير أمامي — إنّا التقينا في الشباب و في الهوى
في حومتين الشعر و الإلهام — و سنلتقي و إن افترقنا في غد
في حبّ لبنان و حبّ الشام — و ستلتقي روحي وروحك بعدما
تفنى الهياكل في الإله السامي — أهلا بذي الأدب الصراح المصطفى ،
بالفاتح الرّوحيّ ، بالمقدام — بالشاعر الغرّيد في ألحانه
عبق الربيع و نضرة الأكمام — هو إن ذكرت الشعر من أمرئه
و إذا ذكرت المجد فهو عصامي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الاكتفاء: اكْتَفَأ يَكْتَفِيءُ اكْتِفاءَ :- لونُه: تَغَيَّر.- الإناءَ: كبَّه وقلبه؛ اكتفأ إبريق الماء ليُخرج قطعة نقود سقطت فيه.
- العباب: العَبَابُ : العَبُّ، أي شرب الماء بلا تنفّس؛ أخذ العطشانُ الماء عَبَاباً.
- بسحره: السُّحْرَة : آخِرُ الليل قُبيل الفجر.-: بياضٌ يعلو السَّوادَ.
- حمامي: الحَمَّامِيُّ : صاحبُ الحمّام العامِّ.-: العامل في الحمّام العام؛ يعرف الحمّاميُّ طرائق للدّلك والتمسيد.