الشاعر و الملك الجائر
الشاعر: إيليا أبو ماضي · البحر: الرجز
«الشاعر و الملك الجائر» من شعر إيليا أبو ماضي، من العصر الحديث، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
1 — أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه
في كساء حائل الصّبغة واه جانباه — و حذاء أوشكت تفلت منه قدماه
قال : صف جاهي ، ففي وصفك لي للشعر جاه — إنّ لي القصر الذي لا تبلغ الطير ذراه
و لي الروض الذي يعبق بالمسك ثراه — و لي الجبش الذي ترشح بالموت ظباه
و لي الغابات و الشمذ الرواسي و المياه — و لي الناس ... و بؤس الناس منّي و الرفاه
إنّ هذا الكون ملكي ، أنا في الكون إله ! — 2
ضحك الشاعر ممّا سمعته أذناه — و تمنّى إنّ يداجي فعصته شفتاه
قال: إنّي لا أرى كما أنت تراه — إنّ ملكي قد طوى ملكك عنّي و محاه
*** — ألقصر ينبيء عن مهارة شاعر
لبق ، و يخبر بعده عنّكا — هو الألى يدرون كنه جماله
فإذا مضوا فكأنّه دكّا — ستزول أنت و لا يزول جلاله
كالفلك تبقى ، إن خلت ، فلكا — ***
و الرّوض ؟ إنّ الروض صنعه شاعر — سمح ، طروب ، رائق ، جزل
وشّى حواشيه وزيّن أرضه — بروائع الألوان و الظلّ
لفراشة تحيا له ، و لنحلة — تحيا به ، و لشاعر مثلي !
و لديمة تذري عليه دموعها — كيما تقيه غوائل المحل
و لبلبل غرد يساجل بلبلا — غردا ، و للنسمات و الطلّ
فإذا مضى زمن الربيع أضعته — و أقام في قلبي و في عقلي !
*** — و الجيش معقود لواؤك فوقه
ما دمت تكسوه و تطعمه — للخبز طاعته و حسن ولائه
هو " لاته " الكبرى و " برهمه " — فإذا يجوع بظلّ عرشك ليلة
فهو الذي بيديه يحطّمه — لك منه أسيفه ، و لكن في غد
لسواك أسيفه و أسهمه — أتراه سار إلى الوغى متعلّلا
لولا الذي الشعراء تنظمه ؟ — و إذا ترنّم هل بغير قصيدة
من شاعر مثلي ترنّمه ؟ — ***
و البحر ، قد ظفرت يداك بدرّه — و حصاه ، لكن هل ملكت هديره ؟
هو للدجى يلقي عليه خشوعه — و الصّبح يسكب ، و هو يضحك ، نوره
أمرجت أنت مياهه ؟ أصبغت أن — ت رماله ؟ أجبلت أنت صخوره
هو للرياح تهزّه و تثيره — و الشهب تسمع في الظلام زئيره
للطير هائمة به مفتونة — لا للذين يروّعون طيوره
للشاعر المفتون يخلق لاهيا — من موجة حورا و يعشق حوره
و لمن فيه رمز كيانه — و لمن يجيد لغيره تصويره
يا من يصيد الدرّ من أعماقه — أخذت يداك من الجليل حقيره
لا تدّعيه ... فليس يملك ، إنّه — كالرّوض جهدك أن تشمّ عبيره
*** — و مررت بالجبل الأشمّ فما زوى
عنّي محاسنه و لست أميرا — و مررت أنت فما رأيت صخوره
ضحكت و لا رقصت لديك حبورا — و لقد نقلت لنملة ما تدّعي
فتعجّبت ، ممّا حكيت ، كثيرا — قالت : صديقك ما يكون ؟ أقشعما
أو أرقما ؟ أم ضيغما هيصورا ؟ — أيحوك مثل العنكبوت بيوته
حوكا ؟ و يبني كالنسور و كورا ؟ — هل يملأ الأعوار تبرا كالضّحى
و يردّ كالغيث الموات نضيرا ؟ — أيلفّ كاللّيل الأباطح و الرّبى
و المنزل المعمور و المهجورا ؟ — فأجبتها : كلّا ! فقالت : سمّه
في غير خوف " كائنا مغرورا ! " — 3
فاحتدم السّلطان أيّ احتدام — و لاح حبّ البطش في مقلتيه
وصاح بالجلّاد : هات الحسام ! — فأسرع الجلّاد يسعى إليه
فقال: دحرج رأس هذا الغلام — فرأسه عبء على منكبيه
*** — قد طبع السّيف لحزّ الرّقاب
و هذه رقبة ثرثار — أقتله ...و اطرح جسمه للكلاب
و لتذهب الروح إلى النّار — ***
سمعا و طوعا ، سيّدي !.. و انتضى — عضبا يموج الموت في شفرتيه
و لم يكن إلاّ كبرق أضا — حتّى أطار الرأس عن منكبيه
فسقط الشاعر معرورضا — يخدّش الأرض بكلتا يديه
كأنّما يبحث عن رأسه — فاستضحك السلطان من سجدته
ثمّ استوى يهمس في نفسه — " ذو جنّة " أمسى بلا جنّته
*** — أجل ، هكذا هلك الشاعر
كما يهلك الآثم المذنب — فما غضّ في روضة طائر
و لم ينطفيء في السّما كوكب — و لا جزع الشّجر الناضر
و لا اكتأب المطرب — و كوفيء عن قتله القاتل
بمال جزيل وخدّ أسيل — فقال له خلقه السّافل :
ألا ليت لي كلّ يوم قتيل ! — 4
في ليلة طامسة الأنجم — تسلّل الموت إلى القصر
بين حراب الجند و الأسهم — و الأسيف الهنديّة الحمر
إلى سرير الملك الأعظم — إلى أمير البرّ و البحر !!
ففارق الدنيا و لمّا تزل — فيها خمور و أغاريد
فلم يمد حزنا عليه الجبل — و لا ذوى في الرّوض أملود
5 — في حومة الموت و ظلّ البلى
قد التقى السّلطان و الشاعر — هذا بلا مجد ، و هذا بلا
ذلّ ، فلا باغ و لا ثائر — عانقت الأسمال تلك الحلى
واصطحب المقهور و القاهر — *
لا يجزع الشاعر أن يقتلا — ليس وراء القبر سيف و رمح
و لا يبالي ذاك أن يعذلا — سيّان عند الميّت ذمّ و مدح
6 — و توالت الأجيال تطّرد
جيل يغيب و آخر يفد — أخنت على القصر المنيف فلا
الجدران قائمة و لا العمد — و مشت على الجيش الكثيف فلا
خيل مسوّمة و لا زرد — ذهبت بمن صلحوا و من فسدوا
و مضت بمن تعسوا و من سعدوا — و بمن أذاب الحبّ مهجته
و بمن تأكّل قلبه الحسد — و طوت ملوكا ما لهم عدد
فكأنّهم في الأرض ما وجدوا — و الشاعر المقتول باقية
أقواله فكأنّها الأبد — ألشيخ يلمس في جوانبها
صور الهوى و الحكمة الوله
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الألف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الجبش: جبش: الْمُفَضَّلُ: الجَبِيشُ والجَمِيشُ الرَّكَبُ المَحْلُوق.
- الرفاه: رفا: رَفَوْتُه: سَكَّنْته مِنَ الرُّعْب؛ قَالَ أَبو خِراشٍ الْهُذْلِيُّ: رَفَوْني وَقَالُوا: يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ، ... فقلتُ، وأَنْكَرْت الوُجوهَ: هُمُ هُمُ يَقُولُ: سَكَّنُوني، اعتَبرَ بِمُشَاهَدَةِ الْوُجُوهِ، وَج …
- الرواسي: الرُّؤَاسِيُّ : الرُّؤاس، العظيمُ الرأس.
- الشمذ: شمذ: اللَّيْثُ: الشَّمْذُ رَفْعُ الذَّنَبِ. شَمَذَتِ النَّاقَةُ تَشْمِذُ، بِالْكَسْرِ، شَمْذاً وشِماذاً وشُموذاً، وَهِيَ شَامِذٌ، وَالْجَمْعُ شَوَامِذُ وشُمَّذ، أَي لَقَحَتْ فَشَالَتْ بذنَبها لِتُري اللِّقَاحَ بِذَلِكَ؛ …
- بالشاعر: الشَّاعِرُ : قائِلُ الشِّعرِ؛ (الشُّعراءُ أُمراءُ الكلام، يُقصّرون طويلَه، ويُطوّلون قصيرَه) ج شُعَرَاءُ/ شعرٌ شاعِرٌ، أي جَيِّدٌ.
- بالمسك: مسك: المَسْكُ، بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ السِّينِ: الْجِلْدُ، وخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ جِلْدَ السَّخْلة، قَالَ: ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى صَارَ كُلُّ جِلْدٍ مَسْكاً، وَالْجَمْعُ مُسُكٌ ومُسُوك؛ قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدل: فاقْنَيْ …
- ترشح: تَرَشَّحَ يَتَرَشَّحُ تَرَشُّحاً : ـ الماءُ: تحلَّبَ من خلال الحجارة أو غيرها؛ أفضل الأواني التي يَتَرَشَّح منها الماءُ هي الفخاريّة. ـ الشخصُ للأًمرِ: تهيّأ له وتأهّل؛ ترشّح أخوه لمنصب كبير في الدولة. ـ في الانتخاب: قدّ …