زمن الهزائم
الشاعر: عبدالعزيز جويدة · البحر: المديد
«زمن الهزائم» من شعر عبدالعزيز جويدة، وتقع في 84 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
شعر عبدالعزيز جويدة — "رؤية جديدة لهزيمة قديمة"
تعليق على نكسة 67 التي مازلنا متأثرين بجراحها — مَشروعُ أحلامٍ عظيمْ
مِن نهرِ دِجلةْ — حتى ضِفافِ النيلِ كانْ
كانَ التدفُّقَ في الصميمْ — بينَ النجوعِ وبينَ آلافِ القُرى
وسطَ المدائنِ — كانَ يَلمعُ كالثُّريا في السماءِ ولا يُرى
كنَّا جميعًا في المساءِ نَشُمُّهُ — مثلَ الهواءْ
كانَ الأملْ ، — كانَ الرجاءْ ..
أو كانَ عُكازًا — وكنَّا أُمةً عَرجاءْ
كانَ الرغيفَ — وكانَ طعمَ الماءْ
*** — كانَ المساءَ ليجمعَ الأطفالَ
في حِضْنِ المصاطِبْ — تحكي لنا جَدَّتُنا
تحتَ نيرانِ الحَطبْ — عن زَمانٍ للمشانقْ
راحَ عنَّا وذهبْ — والكرابيجِ اللعينةْ
"وعساكرْ .. الانجِليزْ" — والبطولاتِ المجيدةْ
عن عساكرْ — "دِنشواي"
قلبُ أُمي كانَ يَصرُخْ — صوتُها يأتي حزينًا مثلَ نايْ
آهِ يا جَدَّتِنا — تبتسمْ ..
ثمَّ تَرشُفْ .. — رشفةً من كوبِ شايْ
ثمَّ تحكي عن "جمالْ" — ذلكَ العطرِ المُعتَّقْ ..
في زُجاجاتِ الخيالْ — كانتْ تقولُ لنا : جمالُ هو العَلَمْ
وهو الهرمْ — وهو الكرامةُ، والمهابةُ ،
والزمانُ المحترمْ — في صوتِ جدتِنا نغمْ
تحكي لنا — ونقولُ في صوتٍ خفيضْ :
اللهَ جدتَنا .. نعمْ — هي تبتسمْ
وأنا وصحبي — مِن فرطِ عِشقٍ وانبِهارٍ لم نَنمْ
*** — في صدرِ أُمي المتعبةْ
في ذاتِ يومٍ — والليالي مُجدِبةْ
الابنُ ثارْ — باسمِ الشعوبِ الغاضبةْ
باسمِ الملايينِ التي هتفتْ لهُ مترقِّبةْ — الابنُ قالَ وصدَّقتْهْ ..
كلُّ القلوبِ الطَّيبةْ — ماذا جَرى ؟
في لحظةٍ يَنهارُ كلُّ كِيانِنا — ونصيرُ كَومةَ أترِبةْ
في لحظةٍ غَدتِ الحياةُ مُدبَّبةْ — كَسرتْنا أسوأُ تَجرِبةْ
والموتُ حتى لا يُريحُ — لأنَّهُ الموتُ البطيءْ
موتُ الجُروحْ — موتُ الذُّبولْ
موتُ الأفولْ — موتٌ غريبٌ لا يَروحُ ولا يَجيءْ
موتُ المسيحِ على الصليبِ — أوِ الصليبِ على المسيحْ
قُلْ ما تَقولْ — حتى المدائنُ ، والمنازلُ ، والحُقولْ
هذا الذي قد كانَ في وَهَجٍ يَصولْ — الآنَ يَسكُنُنا الذُّهولْ
لم يَبقَ من تاريخِنا غيرُ الفُلولِ الهارِبةْ — وشُعوبُنا عَرَفتْ لأوَّلِ مرَّةٍ
أنَّ الأماني كاذِبةْ — ***
كيفَ انخَدعْنا في النبيْ ؟ — كيفَ انكسرْنا وانكسرْ ..
سيفُ علِيْ — ورَجعْنا من دربِ البطولةِ فارغينْ ؟
( مَدَدًا .. مَدَدْ ) — للأولياءِ الصالحينْ
فلكَم مَسحْنا الجُبَّةَ الكاكي — وقبَّلنا الأيادي صاغرينْ !
عُدنا ولكنْ — كلُّنا أسرى حيارَى ، ضائعينْ
الآنَ نَبحثُ في وُجوهِ الميِّتينْ — عن أيِّ رَمزٍ
من رُموزِ قضيَّتي — ووجدتُهم
كانوا جميعًا هارِبينْ — ***
أنا عائدٌ — مِن صوبِ مَدرستي
على الكَتفينِ "مِخْلةْ" — وأبي الذي كسرتْهُ أحزانُ الهزيمةِ
كانَ مُمتدًا على الأرضِ .. — كَنخلةْ
ماتَ الشموخُ — ولَم يَعُدْ غيرُ الشروخْ
عينايَ تَبحثُ في وُجوهِ الناسِ عن شيءٍ — ولا شيءٌ هُنا
حتى أنا — مِن يومِها للآنَ ما عُدتُ أنا
وبكلِّ زاويةٍ سُرادقْ — ونساءُ تَتَّشِحُ السوادْ
جَفَّ المِداد ُمِن القصائدْ — فكتبتُ شعري بالحِدادْ
الضِّفةُ الأُخرى يَهودْ — والنجمةُ الزرقاءُ في عيني ألَمْ
سقطَ العَلمْ — في لحظةٍ صِرنا عَدمْ
الراعي سلَّمَنا لذئبٍ — وانهزَمْ
وأنا أُفتشُ عن أبي — في غُرفةِ التحقيقِ كانْ
كانَ الوحيدَ المُتهمْ — ***
العيبُ أينْ ؟! — العيبُ كانْ ..
في حُلمِنا أم في الزعيمْ ؟ — العيبُ كانَ بِذاتِنا
كيفَ الأمورُ ستستقيمْ ؟ — مشروعُ أحلامٍ كبيرْ
لكنَّهُ وَهمٌ كبيرْ — فلأنَّنا لم نتَّفِقْ
ولأننا لنْ نتَّفقْ — مشروعُ أحلامٍ نَفَقْ
لمْ يَبقَ من أحلامِنا غيرُ القلقْ — أو ذكرياتٍ
كلما مرَّتْ علينا نَختنِقْ — وكأنَّ مِشنقةً تدلَّتْ داخلي
مِن يومِها — في حبلِها أنا كلَّ يومٍ أنشَنِقْ
*** — يا سادتي
لو تسمحونْ — لو تَفتحونْ ..
جُرحَ العروبةِ مِن جديدْ — كي تَخرُجَ الأحزانُ منهُ ،
والصَّديدْ — مَن ذا الذي منَّا هرَبْ ؟
كيفَ استبحتُمْ عقلَ شعبٍ طيِّبٍ — بالوهمِ أحيانًا
وحينًا بالكذِبْ — مَن ذا الذي فيكم تولَّى المعركةْ ؟
مَن شاركهْ ؟ — مَن باركَهْ ؟
مَن حرَّكهْ ؟ — ومَنِ الذي صاغَ البيانَ الفَبرَكَةْ ؟
ومَن الذي باقٍ على قيدِ الحياةِ — مِن رموزِ "الوكسةْ"
يا سادةَ النَّكسةْ — مَن ذا الذي يومًا أضاعَ القدسَ والضِّفةْ
ومَن الذي جعلَ الجنازةَ يومَها — زَفَّةْ ؟
*** — الجُرحُ يَرفضُ يا طبيبْ
الجرحُ يَرفضُ أن يَطيبْ — أ ولستَ تَفهمُ يا طبيبْ ..
أنَّ الصديدْ — سيعودُ يومًا بالهزيمةِ
مِن جديدْ ؟
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التدفق: تَدَفَّقَ يَتَدَفَّقُ تَدَفُّقاً :- السائل سال؛ تدفّقت المياه في مجراها.-: اندفع وأسرع؛ تَدَفَّق المشاهدون على المسرح الأثريّ لحضور المهرجان/ تَدَفَّقت عواطفه ولم يستطع كبتها/ تتَدَفَق أحداث الرواية في رأسه.
- الصميم: الصَّمِيمُ : المحضُ الخالصُ من كل شيءٍ خيرًا كان أَم شرًا [للمفرد والمثنى والجمع]. - من القلبِ: وَسَطُه. - من البردِ والحَرّ: أشدُّه؛ جاء في صميمِ الصَيفِ القائظ. - من العضو: عظْمُه الذي به قوامه/ أحببتُه من صميمِ القلب/ …
- النجوع: النَّجُوعُ : ما أفاد البدن من طعام أو شراب؛ اللَّبن نَجوعُ الصّبيِّ/ ماءٌ نجوع، أي نميرٌ.
- بجراحها: الجَرَّاحُ : الذي يعالج الجروح أو يمارس فنَّ الجراحة؛ أجرى له العمليّة الجراحيّة جرّاحٌ ماهر.
- تعليق: جمع: ـات، تَعَالِيقُ. [ع ل ق]. (مصدر عَلَّقَ). 1."تَعْلِيقُ لَوْحَةٍ" : جَعْلُهَا مُعَلَّقَةً. 2."تَعْلِيقُ حُكْمٍ" : وَقْفُ تَنْفِيذِهِ. 3."تَعْلِيقُ الآمَالِ عَلَى نَجَاحِهِ" : بِنَاءُ آمَال. 4."قَدَّمَ تَعْلِيقاً عَلَ …