عزفٌ على وتَرِ الحنينْ

الشاعر: غادة البدوي

«عزفٌ على وتَرِ الحنينْ» من شعر غادة البدوي، وتقع في 72 بيتًا.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ومررتُ يا ‏( جسرَ الهوا ‏) يومًا ... فأوقفني البكاءْ

دمعٌ تناثرَ في الفضاءِ معَ الهواءْ ... وحفيفُ صفصافٍ تدلّى فوق ‏( عاصينا الحزينْ ‏)

‏( الدهشةُ ) السوداءُ مدّتْ كفّها للعابرينْ ... دارتْ تذكّرني بما ابتلعَ الزّمانُ منَ السنينْ

ليلٌ .. ،وأضواءٌ .. ،وصوتٌ . .. لستُ أدري هل بكى؟ ... لما اقتربتُ أم اشتكى للماءِ لوعات الحنينْ ؟

وسرى على جفنيَّ طيفُ الراحلينْ ... سامرتُ ذيّاكَ المساءِ جدائلًا

وحقائبًا .. ،فيها تركنا لَهْوَنا للقادمينْ ... سِرنا تؤرجحنا الأماني والحياةْ

ورأيتُ قرب الشطِّ أوراقًا رميناها زوارقَ للنجاةْ ... غضبتْ عليها الريحُ فانطلقتْ

يمصُّ الماءُ ماخزنتْ يدٌ فيها وما نسيتْ دواةْ ... وهناكَ فوقَ السطحِ راقَ لجدّتي رصد الطريقْ

ردّتْ على الرأسِ الملاءةَ ... سرّحتْ .. ،بصراً يفتّشُ في الفلاةْ

يصطادُ جدّي متعبًا بعدَ المغيبِ محملاً بالأمنياتْ ... يمشي، .. يسابقهُ الأذانُ

وينتشي نورٌ .. بثوبِ العشبِ ... فوقَ ‏( الجامع العزيِّ ‏) يعتزمُ الصلاةْ

فتعيدُ تسخينَ الطعامِ ... تهيءُ الشّايَ المعطّرَ للأماسي الساجياتْ

يحكي لنا .. ... عن ريعِ دكّانِ العطارةِ

عن صباهُ .. ،عن المنى ... عن حلبةٍ كانَ المتوّج فوقها ملكاً كثيرَ الخارقاتْ

آهٍ على طاحونةٍ وسَموا زقاقاً باسمها ... أضحتْ و ‏( بستانَ الدّوالكِ ذكرياتْ ‏)

كان الزمانُ حديقةً تزهو بألوانِ الهناءِ ... نمرُّ فوقَ مروجها .. كالقبّراتْ

كمْ ذا درجتُ على الدروبِ ألمُّ أنواعَ الحصى ... وأذرُّ لهوًا .. للعشيّةِ والغداةْ

وأرنُّ أجراسَ المنازلِ ... أختفي ... خوفَ القذائفِ من ثغورِ الأمهاتْ

وأمدُّ في صدرِ المدى المحموم .. أغنيةً ... تردّدها ورائي الريح ُ ... ،تطويها

وتخلدُ للسباتْ ... حتى إذا صافحتُ ‏( بستانَ السعادةِ ‏)

هرولتْ ... قدمايَ لفّهما الغبارُ .. ، ... وحثّني شفقُ المغيبِ على الرجوعِ .. ،

يُريعني فيضٌ منَ التسآلِ عن سرِّ التأخّرِ ... هادرٌ

متربّصٌ إيّايَ يسقيني الملامةَ والعظاتْ ... من قبوةٍ ... ولقبوةٍ .. أمضي

و ‏( جسرُ الشّيخِ ‏) يرمقني ... أرومُ البيتَ في الحيِّ الشماليِّ

المضمَّخِ بابتساماتِ الرّفاقِ ... تفوحُ من كلّ الجهاتْ

أنسيتَ يا ‏( جسرَ الهوا ‏) خالي ... بظلِّ التينِ محتميًا

يمدُّ اللونَ ذيّاكَ الهجيرْ ... تمشي الهوينى ريشةٌ فوقَ البياضِ

وإنْ أتى الوحيُ المجنّحُ، هزَّها ... ولدتْ تباركها العيونُ مفاتنًا

منها دَنَتْ روحُ الحياةِ ... وسابقَ الماءُ الخريرْ

أنسيتَ زهرَ اللوزِ؟ .. سلّمَ روحهُ ... في راحةِ الكفِّ الصغيرْ

هيّجتَ في قلبي الحنينَ لعالمٍ ... لمّا ناى عنّي غدا موّالَ أيّامي الأثيرْ

لأكادُ تخنقني الشوارعُ ... ضيّعَ الإسفلتُ ماضيها النضيرْ

ذاقتْ جنازاتُ المنازلِ مرغماتٍ ... وحشةَ المثوى الأخيرْ

والشطُّ قفرٌ موحشٌ ... لاصوتَ ضفدعةٍ تنقُّ

ولا احتمى تحتَ المداخنِ فرخُ حسّونٍ صغيرْ ... حنّتْ صباحاتُ الشّتاءِ

لقهوةِ الجاراتِ حولَ مواقدٍ ... أكلتْ غصونَ الشّوحِ والبلّوطِ في يومٍ مطيرْ

اليومَ تستلُّ الحضارةُ من نفوسِ الناسِ ... ذرّات المودّةِ والوفاءْ

تبني الحواجزَ بين أفئدةٍ ... غزاها الحقدُ

زنّرها صقيعُ الكرهِ ... فانقلبتْ معَ الأيّامِ أحجارًا

جفاها الحسُّ ... غادرها العطاءْ

تغلي ... وتغلي في شراييني الدماءُ ... وأنثني أبكي على ماكانَ أيّامَ التّآخي والرّخاءْ

إنّي أرى خلفَ البعيدِ على امتدادِ الأرضِ ... أمكنةً تئنُّ بها المآسي .. والضحايا ..

والجراحْ ... وخيالُ أوطنةٍ تشظّتْ في يدِ الظُّلّامِ

تذروها الرياحْ ... أوّاهُ من وجعٍ أمرَّ على الرموشِ الخضرِ

مكحلةَ الرمادْ ... باتَ الحصارُ طعامنا اليوميّ

صارَ الموتُ أغنيةَ الحصادْ ... كم أشتهي إغفاءة من دونِ كابوسٍ

تكاثرَ نسلهُ ... فغزا بقاعَ اللاشعورِ

وبثَّ في الرّوحِ الكآبةَ والسوادْ ... كم أشتهي كونًا يواري الحربَ في رحمِ الترابِ

ويطلق البارودَ سربًا من حمامْ ... كم أشتهي من أحمرِ الشّهداءِ تُعلى راية

بيضاءَ تفتحُ بابها للحبِّ مخضرًا ... إذا نبتت زهورُ الودِّ

عطّرها السلامْ ... كم أشتهي

وشعرتُ بالدّنيا تدورْ ... متسللاً من حبلِ حنجرةٍ تئنُّ وتستريح ْ

صوتي يفتّشُ عن صداهُ ... ولا صدى

إلاّ هسيسَ الرّيحِ يخترقُ المدى ... ويشقُّ أستارَ الزّمانِ ويعبرهْ

غيمٌ وبردٌ ... بينما .. راحَ الرّذاذُ يبلُّ ريقَ المقبرةْ

ومن البعيدِ .. رنَتْ مصابيحُ البيوتِ ... وهرَّةٌ سفتِ النفايةَ في طريقٍ مقفرةْ

صورٌ ... وأسئلةٌ

وعقلٌ شاردٌ في الكونِ ... في كُنهِ الحياةِ مفكّرا

وخطايَ تسألُ بعضها ... لِمَ ياترى ؟

يمشي الزّمانُ ولا يعودُ القهقرى .. ؟ ... عهدُ الطفولةِ في الوجودِ

يظلُّ أحلى مايُعاشُ .. وما يُرى ؟ ... ولِمَ الورى ؟

نارٌ تمدُّ لهيبها نحوَ الورى ؟ ... ياعمرنا الغافي على وهمِ السرابْ

منذا الذي نشرَ الوجومَ على النفوسِ .. ، ... ومزقتْ ... كفّاهُ آمالَ المساكينِ العذابْ ؟

كلّ الوجوهِ تشابهتْ ... يئستْ ملامحها الشرودة

في اختناقاتِ الضبابْ ... من أينَ نعبرُ ؟ !

أيّ بحرٍ هادئ الأمواجِ يحملنا ... ويرسينا على شطِّ الزّمانِ

الغابرِ .. المهجورِ منْ سفنِ الإيابْ ؟ ... ياعمرنا هل منْ رجوعْ ؟

لنعيدَ ترتيبَ الحياةِ كما نريدْ ... لتكحّل الأحداق آمالٌ

على عددِ الثّواني الغادرتنا من جديدْ ... لنضمّدَ الأرضَ الحزينةَ بالورودْ .

وتفيق من إغماءةٍ طالتْ ... تفكّ القدسُ أغلالَ الحديدْ

والكونُ يرفلُ بالنّعيمْ ... فمتى يعودُ ؟

وهل يعودُ ؟ ... ترى يعودُ ... ترى نعودْ ؟

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • الراحلين: (رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ. يُقَالُ: رَحَلَ يَرْحَلُ رِحْلَةً. وَجَمَلٌ رَحِيلٌ: ذُو رِحْلَةٍ، إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ، وَالرِّحْلَةُ: الِارْتِح … (مقاييس اللغة)
  • الشط: (شَطَّ) الشِّينُ وَالطَّاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُعْدُ. وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَيْلِ. فَأَمَّا الْبُعْدُ فَقَوْلُهُمْ: شَطَّتِ الدَّارُ، إِذَا بَعُدَتْ تَشُطُّ شُطُوطًا. وَالشَّطَاطُ: الْبُعْدُ. وَ … (مقاييس اللغة)
  • الهوا: هوأ: هاءَ بِنَفْسِه إِلَى المَعالِي يَهُوءُ هَوْءاً: رَفَعَها وسَما بِهَا إِلَى المَعالِي. والهَوْءُ، الهِمَّةُ، وإِنَّه لبَعِيدُ الهَوْءِ، بِالْفَتْحِ، وبَعِيدُ الشَّأْوِ أَي بَعِيدُ الهمَّة. قَالَ الرَّاجِزُ: لَا عاجِز … (لسان العرب)
  • تركنا: ترك: التَّرْكُ: وَدْعُك الشَّيْءَ، تَركه يَتْرُكه تَرْكاً واتَّرَكه. وتَرَكْتُ الشيءَ تَرْكاً: خَلَّيْتُهُ. وتارَكْتُه الْبَيْعَ مُتارَكَةً. وتَراكِ: بِمَعْنَى اتْرُك، وَهُوَ اسْمٌ لِفِعْلِ الأَمر؛ قَالَ طُفَيْلُ بْنُ يَ … (لسان العرب)
  • تناثر: نثر: اللَّيْثُ: النَّثْرُ نَثْرُكَ الشيءَ بِيَدِكَ تَرْمي بِهِ مُتَفَرِّقًا مثلَ نَثْرِ الجَوْزِ واللَّوْزِ والسُّكَّرِ، وَكَذَلِكَ نَثْرُ الحَبِّ إِذا بُذرَ، وهو النِّثَارُ؛ وَقَدْ نَثَرَهُ يَنْثُرُهُ ويَنْثِرُهُ نَثراً … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • من قريبٍ .. أو بعيد
  • ترتيلات شعرية
  • البحثُ في الأعماق
  • حبيبتي لغتي
  • معاهدة
  • آخر الطريق
  • ضد التسلط
  • ما الشعر