هون عليك فكل حي فان
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
هَوِّن عليك فكلُّ حَيٍّ فانواذكر بقاءَ مُدَبِّرَ الأكوانِ
واصبر على ما قد أصابك واحتَمِلمُرَّ الأَذى ومظالِمَ الإنسانِ
واجعل لنفسك من ثباتِكَ قُوَّةًتكفيك شَرَّ وساوِسِ الشيطانِ
وانظُر لمرآةِ الزمان بِنَاظِرٍرُسِمَت عليه عجائبُ الحدثانِ
صَوِّر على إنسان عَينِكَ مسرحاًلَعِبَت بساحَتِهِ ذَوُو التِّيجانِ
من كل عاتٍ كم تَخَيَّلَ أنهبلغ السماءَ بِقُوَّةِ السلطانِ
فَطَغى وَتَاهَ بملكه مُتَأَلِّهاًودَعَتهُ عِزَّتُهُ إلى العِصيانِ
كم من قصورٍ بالمظالمِ شادَهَاباتَت لِسُكنَى البُومِ والغِربانِ
سَفَكَ الدماءَ وَجارَ جَبَّاراً وقدنسي الحسابَ وَهَيبَةَ الرحمنِ
ومشى وَمَقتُ الكِبرياءِ يَقُودُهُوالعُجبُ يملأُ ساحةَ الإيوَانِ
يروى لك الماضي عجائبَ ما رأىويمرُّ بالذِّكرى على الأذهانِ
فإذا وَهَبتَ له التَّأَمُّلَ لحظةًتبدو إليك شَرَاسَةُ الحيوانِ
طوراً تُبَاغِتُكَ العِظَات وتارَةًتُدمى فُؤادَكَ قَسوَةُ الإنسانِ
كم في العصورِ السالِفاتِ تمثَّلَتعِبَرٌ جَرَت بالمَدمضعِ الهَتَّانِ
نُقِشَت على صُحُفِ الزمانِ فَسَجَّلَتغَضَبَ السماءِ على الأثيمِ الهَتَّاني
بينا الجرائمُ يستفزُّكَ بطشُهَاوالظلمُ يَفتِكُ بالبرئ العاني
يَنجَابُ دَيجُورُ المظالمِ مُسرِعاًويلوح فجرُ العدلِ والإحسانِ
ويروقُ للعينِ التَّمَتُّعُ حينماتبدو الفضيلةُ في أجَلِّ معاني
يَصِفُ الكِرامَ العاملين ومالهمفي المجدِ من عِزٍّ ومن سُلطَان
ويُعيدُ ذَكرَ مآثرٍ قد سَطَّرَتلذوي الإنابةِ آيةَ الشُّكران
هِمَمٌ تجاوزت السِّماكَ مكانةًوعلَت على الجوزاءِ والميزانِ
لم يُبلِها مرُّ العصورِ ولم تَزَلما عَمَّرَت مرصوصةَ البُنيانِ
تبقى بقاءَ العالمين مَصُونَةًتزهو بِثَوبِ نَضارَةِ الرَّيعانِ
تلك الكنوزُ الخالداتث براءةٌللعاملين مَرَاحِمُ الغُفرانِ
والعاكِفينَ على الفضيلةِ والتُّقىوالذاكرين اللَه كلَّ أَوَانِ
بِيضُ الصنائع خيرُ من قد أنجبَتحَوَّاء من أسمَى بني الإنسانِ
نورٌ تلألأ من سناءِ مواهبٍسَطَعت بجوهرِ أطهَرِ الأبدانِ
شَهِدَت بما للمحسنين أولى النُّهىفي البِرِّ من سِرٍّ ومن إعلانِ
وبما اقام المُصلِحونَ من الهُدىفي عالمِ الذِّكرى بكلِّ مكانِ
وبِصِدقِ عَزمِ المُتّقينَ وما لهمبالزُّهدِ من قَدرٍ عظيمِ الشَّانِ
تتمَثَّلُ الحُسنى وما قد خَلَّدَتبصحائفِ التاريخِ من رضوانِ
تبدو وآياتُ الرِّضاءِ تَضُمُّهالِلخُلدِ ضَمَّ الروحِ للأبدانِ
سِيَرٌ تمرُّ على البصائرِ والنُّهىمرَّ الكريمِ المُزنِ بالوِديانِ
فَيَفيضُ ماءُ الغَيثِ بين سهولهاويسوقُ سَيلَ الخِصبِ للعيدانِ
حتى إذا ازدَهَت المُرُوجُ وأَينَعَتلَعِبَ النسيمُ بِمُورِقِ الأغصانِ
وَجَرَت يَنَابيعُ الحياةِ وَنَوَّرَتشَتَّى الزُّهُورِ بأبدعِ الألوانِ
هَذي قلوبُ المهتدين وما حَوَتبالهَدى من صدقٍ ومن إيمانِ
فَدَع التَّمَرُّدَ يا ابنَ آدم واتَّعِظواعلم بأنك في نعيمٍ فانِ
مهما بَلَغتَ من المكانةِ وَالغِنَىوالحظِّ والإقبالِ والسُّلطانِ
وَتَقَرَّبَت منك المحاسِنُ كلُّهاوَسَعَت إليك مواهبُ العِرفانِ
وَمَشَت تُحَيِّيكَ الجنودُ وَفَوقَهارَفَعَ اللِّوَاءَ بَوَاسِلُ الفُرسانِ
وَالمُلكُ أقبَلَ نحو بابِكَ حامِلاًبِيَدِ المَهابَةِ أنفَسَ التِّيجانِ
وانقادَتِ الآمالُ حتى أصبحتكلُّ المطالبِ منك طَوعَ الأزمانِ
وَنَعيمُكَ الزَّاهي خيالٌ زائلٌكالوَهمِ حول فَطانَةِ الأذهانِ
بَسَمَت لك الدنيا وَغَرَّكَ حسنُهافَغَدوتَ عبدَ جمالها الفَتَّانِ
وانقَدتَ مدفوعاً بطَيشكَ للهوىوسَباكَ منها ساحرُ الأجفانِ
سَلَبت نُهَاكَ بِغَيِّها ودهائهاورَماكَ سَهمُ خِداعِها الخوانِ
مرَّ الشبابُ وأنت مسلوبُ النُّهىتلهو وتلعبُ في صفا وأمانِ
ودَنا المشيبُ مُباغتاً لكَ ناعياًعهدَ الشبابِ لسالفِ الأزمانِ
فصَحوتَ مرتجفَ الفؤاد مُقَلّباًكَفَّيكَ تصلى زفرةَ النَّدمانِ
تبكي صِبَاكَ وكيف ضاع بَهَاؤُهُوالنفسُ طامِحَةٌ إلى العصيانِ
فُيُريقُ دَمعَك ذِكرُ أيَّامِ الصِّباوالذكرياتُ مُثيرَةُ الأشجانِ
تُمسي وتُصبحُ نادِماً مُتَحَيِّراًوتَبيتُ فوقَ مَراجِلِ النِّيرانِ
يا لَيتَ عُمرَكَ ما تَقَضَّى غَضَّهُفي اللَّهوِ بينَ الكأسِ والنُّدمانِ
والكاعباتِ الساحراتِ رَشاقَةًواللاعباتِ فواتِنِ الغُزلانِ
والشاردات الغيدِ رَبَّاتِ البَهَاالناعِساتِ مريضةِ الأجفانِ
وبواعثِ الأُنسِ القَصِيرِ زَمَانُهُمهما طَرِبتَ لِرِقةِ الألحانِ
والمُغرياتِ الصَّافياتِ وما لهافي النَّفسِ من شوقٍ ومن تحنانِ
إنَّ الحياةَ سُرورَها وبُكاءَهاونعيمَها وشقاءَها سِيَّانِ
وصفاءُ عَيشِكَ يستحيلُ دَوَامهُوالنَّفسُ لا تخلو من الأحزانِ
والدهرُ لا يبقى على صَفوِ المُنىيلقاكَ بين مخاوفٍ وأمانِ
بينا يسوقُ لك السَّعادَةَ باسِماصويزيدُ فيكَ مهابةَ السلطانِ
ينسابُ كالأَفعى فينشِبُ نابَهُفي أمنِكَ المُتَغَافِلِ الوَسنَانِ
فتهبُّ مُلتاعَ الفؤادِ معذباًوتذوقُ سوءَ عواقبِ الخُسرانِ
تبكي على ما فات من زمن الهناوتَنوحُ نوحَ الحائرِ الولهانِ
إذ ذاك ينقشِعُ الظلامُ وينجلينورُ اليقين بيقظةِ الوُجدانِ
فتذيقكَ الأيَّامُ مُرَّ كُؤُوسهالتعيشَ بين مذلةٍ وهوانِ
عدلاً يبكيكَ القضاءُ جزاءَ ماأَسرَفتَ في حُبِّ المتاعِ الفاني
فاقنَع من الدُّنيا بزادِكَ راضياًواهجُر نعيماً عاد بالخسراتِ
واترُك هداكَ اللَه غيَّكَ واستقمواختر لنفسكَ خالدَ البُنيانِ
واذكر هَوانَكَ تحت أطباقِ الثّرىفي المُفزعينِ الرمسِ والأَكفانِ
أينَ الذينَ عنا لسطوةِ ملكهمقاصى المدائن رهبةً والداني
ومشت ملةوك الأرض تحت لوائهمطوعاً تحيطُ بهم عُتاةُ الجانِ
وبأمرِهِم جرَتِ الرياحُ وسيرَتلهم الجبالُ وسُخِّرَ الثَّقَلان
أينَ الأكاسرةُ الذين تفاخَرُوابعروشهم وجلالةِ الإيوانِ
وفخامةِ المُلكِ الرفيع عمادُهُفي عهد أعدلهم أنو شِروانِ
أين الغُزاةُ الفاتحونَ وبأسُهُمأين الأُسُودُ قياصِرُ الرُّومانِ
اين الرؤوسُ العبقريات التينزَلَت عليها حكمةُ اليُونانِ
تلك الكنوزُ الغالياتُ شهادةٌلبلوغهم أقصى مدى العِرفانِ
أينَ العمالقَةُ العُتاةُ وأين ماتركوه من تَرَفٍ ومن عُمرَانِ
من قومِ عادٍ والعراقِ وتُبَّعٍوثمودَ من شَقُّوا عصا العصيانِ
أين العصورُ المُدهِشاتُ وما حَوَتمن فطِنةٍ أعيت قُوى الإنسانِ
عهدٌ له شهدَ الزمانُ عجائباًضَنَّ الوُجودُ بها لعهدٍ ثانِ
نالَت به مصرُ الفريدةُ هَيبَةًلجلالها قد كبَّرَ القمرانِ
عِلمٌ يُحارُ الفكر في تكييفهبَعُدَت مدارِكُهُ عن الأذهانِ
سِرٌّ أصولُ العلم فيه طلاسِمٌأوحَى بها الكَهَنُوتُ للكُهَّانِ
دَرَستهُ بين هياكلٍ ومعابدٍمتعاقدين بأغلظِ الأيمانِ
حفظاً لأسرارِ الحياةِ وما لهمفي الأرض من حُكمٍ ومن سُلطانِ
فأطاعهم شُمُّ الجبالِ وَصَلدُهاوالماءُ لبَّاهُم بكلِّ لِسانِ
وانصاعَ مختلفُ الرياح لأمرهمومَشَت سِبَاعُ الطَّيرِ والحيوانِ
رَصَدُوا الكواكبَ وهي بين بروجهاتجري بِقُدرَةِ مُبدعِ الأكوانِ
ومواقعَ النجم البعيدِ مَدَارُهُفي الشاسِعَينِ الحوتِ والميزانِ
والثاقباتِ الشُّهبِ سابحةَ الفَضاكالبَرقِ بين الجَدى والسرطانِ
حَسبُوا طوالِعَكل نجمٍ واهتدوالعجائبِ الأفلاكِ في الدورَانِ
وتبيَّنُوا تلك البروجَ وفعلهافي مصر أمِّ المجد والعمرانِ
فبنوا هياكلهم على أسرارهالتدومَ رغم طوارئ الحدثانِ
علموا بأن الشمَ سيدةُ القوىرمزُ الحياةِ لهيكلِ الإنسانِ
ولكلِّ حسٍّ حلَّ تحت شعاعهاوهي النموُّ لسائر الأبدانِ
فالنبتُ والحيوانُ مفتقرٌ لهاوالطيرُ بين خمائلِ الاغصانِ
والماءُ لولاها لأصبح راكِداًعفناً من الأقذارِ والدِّيدانِ
فهي التي جعلتهُ عذباً جارياًفوق السهولِ وفي ربا الوديانِ
بعثت لسطحِ الأرضِ أعجبَ آيةٍحفظت نظامَ العالمِ الحيواني
نوراً وناراً من وهيجِ سائهاملأ الفضاءَ وعَمَّ كل مكانِ
حملت بخارَ الماءِ عذباً طاهراًخِلواً من الأملاحِ والأدرانِ
صَعَدت به متنَ الهواءِ كأنهأطوادُ ماسٍ في سهولِ جُمَانِ
حتى إذا اصطدمت لِسُرعَةِ سيرِهاتلك الجبالُ هَوَت من الذَّوَبانِ
طَوراص تُمَزِّقها الرياحُ وتارَةًتجتاحُها قِمَمٌ من الصَّوانِ
فالغيثُ يكسو الأرضَ ثوباً يانِعاًوالسَّيلُ يُهدى الخِصبَ للقيعانِ
ولها على سيرِ الرِّياحِ قيادةٌوعلى العناصرِ إمرةُ السلطانِ
والأرضُ لولاها لكانت بلقعاًجَرداءَ خاليةً من السُّكَّانِ
شادوا لهيكلها العظيمِ معابداًمُزدانةً بنفائسِ القُربانِ
نَسَبُوا لها مجدَ الأُلوهةِ رهبةًفاندَكَّ صَرحُ عبادة الأوثانِ
عكفوا عليها عابِدينَ وهَدَّمواما شَيَّدوا للعجلِ والجُعرانِ
واستخدموا تلك القوى لبلوغهمما لم يكن من قبلُ في الحُسبَانِ
نَحَتوا بباطنِ مَنفَ أقدسَ مَعبدٍجعلوه بَيتَ سرائرِ الأكوانِ
صنعوا له مِفتاحَ سِرٍّ غامِضٍنُقِشَت عليه طَلاسِمُ الكِتمانِ
صانُوهُ في أعماقِ قلبٍ ساهرٍللرَّابِضِ المُتَحَفِّزِ اليقظانِ
رمزَ المَهابَةِ والرزانة والحِمَىللصَّمتِ فيه وللسكونِ مَعانِ
يرمي الفضاءَ بنظرَةٍ قد أوقفتكَيدَ العَوادي وقفةَ الحيرانِ
جَسدٌ حَوى أسمى القوى رمزاً لهجِسمَ الهِزَبرِ وهامةَ الإنسانِ
عهدُ العجائبِ عصرُ منفيس الذيقامت لذِكرى مجده الهَرَمَانِ
وطلاسمُ السِّرِّ الذي أهدى إلىوادي الملوكِ سِيادَةَ الوديانِ
وادٍ كنوزُ الأرضِ تحت أديمِهِمخبوءةٌ عن أعيُنِ الحَدَثَانِ
لوأن قيمتها وما فوق الثَّرىفي الوَزنِ نالَت رجحةَ الميزانِ
أخفى مخابئها العديدةَ طَلسَمٌأسرارُهُ غابت عن الأذهان
حُرَّاسُهُ ترمي الفضاءَ بناظرٍيَقِظٍ تتبَّعَ خُطوَةَ العُدوَانِ
سَهِرَت على تُحَفِ الملوكِ أمينةًمن بطن مَنفَ إلى رُبا أسوانِ
وعلى القِبابِ البِيضِ قام أَشَدُّهاعَزماً يُؤَدِّي واجبَ التيجانِ
هذا أبو الهَولِ الرهيبُ ثَبَاتُهُمُفنى العصورِ وقاهرُ الأزمانِ
عَهِدُوا إليه حِراسةَ الوادي الذيضَمَّ الكنوزَ غَوالي الأثمانِ
واستخدموا أرصاده لبلوغهممجداً تَعَذَّرَ عن ذوي التِّيجانِ
حتى أتى مينا وأسَّسَ مُلكَهُوطَوَى الزمانُ صحيفةَ الكُهَّانِ
أينَ الفراعنةُ الملوكُ واين منربطوا السَّفينَ بِمُقلَةِ الرُّبَّانِ
أينَ الأُسُودُ الفاتِحُونَ وأين مابلغته مصرُ بهم من العُمرانِ
آثارُهُم في مصرَ تشهد أنهمكانوا الائمَّةَ في قوى الإمكانِ
كَهفٌ حَوَى كَنز الكنوزِ ولم يكنأبداً لِتُدرِكَهُ يَدُ الإنسانِ
قد هَيَّأَ الكَهَنُوتُ أرصاداً لهأَلقَت عليه طَلاسِمَ النِّسيَانِ
تِيجانُ بَيتِ المُلكِ من مينا إلىمَلِكِ الوَغى سيزوستريس الثاني
وصوالجُ الأُسدِ الفراعنة التيسحرت عيونَ قياصرِ الرُّومانِ
وحُلِيُّ رَبَّاتِ الخُدُورِ قلائدٌمنضودةٌ من جَوهَرٍ فَتَّانِ
أينَ الجبابرةُ الملوكُ وَبَأسُهُميوم اشتدادِ الكَربِ في الميدانِ
وجماجمُ الأعداءِ جَنى سُيُوفِهِمتهالُ تحت سَنابِكِ الفُرسَانِ
والجو أقتَمُ والدُّرُوعُ تطايرتمن هَولِ ما قد حلَّ بالأبدانِ
وَجِيادُهُم تنسابُ تحت عجاجةٍظَلماءَ بين أَسِنَّةٍ ودُخانِ
كالأُسدِ تَنقَضُّ انقضاضَ صواعقٍتجتاحُ ما تَلقاهُ من بُنيَانِ
تتكدسُ الأشلاءُ تحت رِكابِهافي مَوجِ بحرٍ من نجيعٍ قانِ
لم يَثنيها حَشدُ الجموع عن المنىكلا ولم تَحفِل بهولِ طِعَانِ
مهما تلاحَمَت الصفوفُ لِرَدَّهافشَلَ العدوُّ وباءَ بالخسرانِ
واندَكَّ صرحُ حصونِهِ وتَشَتَّتَتأبطالُهُ في ظُلمَةِ الوِديانِ
ومشى القضاء إلى العدوِّ ومزَّقَتيُمناهُ قهراً رايةَ العِصيانِ
وتقَدَّمَ النصرُ المبينُ مُصافحاًأبطالَ مصرَ ضياغِمَ الميدانِ
فيك لِّ وادٍ كان ميداناً لهمنقشوا مواقعهم على الصَّوَّانِ
أثراً يُمثِّلُ بطشهم بعدُوِّهمفتكَ الجياعِ الأُسدِ بالغُزلانِ
صُوَراً تدلُّ لى سلامةِ ذَوقِهِموهُيامِهِم بالغَزوِ والعُمرانِ
دخلوا المدائنَ فاتحينَ وعَمَّرُواما هَدَّمَ الجبرُوتُ من بُنيانِ
وبَنَوا لمصرَ المجدَ رغم مطامعٍللفُرسِ والآشُورِ والرُّومانِ
دُوَلٌ تمَنَّت ما لِمصرَ من العُلاولكم تضيعُ مع الغرورِ أماني
قامت لتبني المجد لكن خانَهَابَطشَ الأُسُودِ بها وجَهلُ الباني
أينَ الفَراعِنَةُ الذين تألَّهُوافي مِصرَ من خُوفلإو إلى الرَّيَّانِ
رَعَمُوا بأنَّ اللَهَ حلَّ بروحِهِمنوراًوهيمنهُم على الإِنسانِ
فَطَغَوا وعاثُوا مُفسدين وأَسرَفوافي الظُّلمِ والجبرُوتِ والطَّغيانِ
كَفَرُوا فما الإِنسانُ إلا هيكلٌجَسدٌ سيُصبحُ طعمَةَ الدِّيدانِ
والكبرياءُ إذا تمكَّنَ غيُّهامن نفسه دَفَعَتهُ للعصيانِ
فهي الجُنونُ لكلِّ غرٍّ جاهلٍقد هاجَهُ مَسٌّ من الشَّيطان
أو فهي مقتُ اللَهِ صُبَّ على الذينسيَ الإله وباءَ بالخُسرانِ
ظلموا وجاروا واستبدُّوا قسوةًواستسلموا لأَوامرِ الكُهَّانِ
ظَنُّوا بأَن نعيمهم وهناءَهمفي مُلكِ وادي النيلِ ليس بِفَانِ
واستخدموا الإنسان في أهوائِهِمواستعبَدُوه برهبةٍ وهَوَانِ
نحَتُوا الجبالَ وشيَّدُوا من صَلدِهافوق الهِضَابِ غرائبَ الأَوثانِ
رمزاً لآمون الذي عكفُوا علىتقديسهِ رَدحاً من الأَزمانِ
ولمجدِ إيريس التي ظَنُّوا بهاسرَّ الحياةِ وصحةَ الأبدانِ
ولعجل منف وماله قد هيكلواجسداً يمثلُهُ بكلِّ مكانِ
آبيسُ حياً أكرموه وميتاقد جَهزُوه بأنفَسِ الأَكفانِ
ومشت تُشيِّعُهُ الملوكُ يحفُّهُمكهنوتُ منفَ لمدفن الثِّيرانِ
عَبدُوه في ظلِّ الحياةِ وبعدَهاسجدوا لهيكله الرَّميمِ الفاني
كفروا بمن خلقَ الوجودَ وأَشرَكوابالواحدِ المتكبرِ الدِّيانِ
وبنوا من الصخر الأَصم معابداًتحت الرُّبَا وبباطنِ الوِديانِ
دُوراً ببطن الأرضِ لم تَجسُر علىتدميرها يوماً يَدُ الحدَثَانِ
قد أودعوها ما استحالَ وجُودُهُمهما تولى الأرضَ من عُمرانِ
صوراص من الذَّهبش المُصَفَّى مَثَّلَتأشباحَ ما عَبدُوا من الهَذَيانِ
وعلى الهياكلِ حولها تُحَفٌ لهاقد رُصِّعَت بالدُّرِّ والمَرجانِ
وبابدع الصُّوَرِ الجميلةِ سَجَّلُواأسرارَ ما اعتَقَدُوا على الجُدرانِ
نقشاً على الصخر الذي عجزَ البِلَىعن مَسِّهِ لدقيق صُنعِ الباني
مَرَّت به الأجيالُ وهو كأنهلم يَمضِ بعدُ لِصُنعِهِ يَومَانِ
ترمى معانيه العجيبةُ عن مدىبُعدِ المُفكِّر في المصير الجُسماني
والجسمُ يقضى في الحياةِ نصيبَهُحتى يحينَ من الحِمامِ تداني
فيفارقُ الدنيا إلى الدار التيبسعادةٍ تلقاهُ أوبهوَانِ
كلُّ النفوسِ إلى الخلود مصيرُهاوالحظُّ مَوكُولٌ إلى الغُفرانِ
قد بَرهَنَ الإيضاحُ في تصويرهمبأدقِّ فهمٍ في أتمِّ بيانِ
عن صحوة الأجسادِ بعد رقودهاوقيامِها للحشر والميزانِ
حَيرَى تُبعثِرَها القبورُ كأنهاسَيلُ الجَرادِ يهيمُ في الوِديانِ
هذا هو البعثُ الذي جحدَت بهِأُمَمٌ غَوتها فِتنةُ الشيطانِ
حقّاً له فطنُوا ولما تأتِهِمرُسُلٌ لتهديهُم إلى الإيمانِ
ولقد رأى الحكماءُ أنيَدَ البِلَىلا بُدَّ أن تَسطُو على الأبدانِ
فتظلُّ تُنشِزُ في عظامٍ رَطبَةٍحتى تُجَرِّدَها من الديدانِ
فإذا تجَرَّدَ أصلُها وتطهَّرَتمن كلِّ ما حَمَلَت من الأدرانِ
أخذ البلى أصلها وتطهَّرَتمن كلِّ ما حَمَلت من الأدرانِ
اخذ البِلَى يَسرى فينخَرُ هيكلاًينهارُ تحتَ عوامِلِ الذَّوَبانِ
عِهناً فَتُربا كي يُرَدَّ لأصلهوالتربُ أصلُ سُلالَةِ الإنسانِ
لا بدَّ يوماً كلُّ من فوق الثرىذرّاً يكون على مَدَى الأَزمانِ
لما بدا ليقينهم ما راعَهُموتبيَّنوا أن كلُّ شيءٍ فانِ
خافُوا على أجسادهم من هَولِ مايَنتابُها في وَحشةِ الأكفانِ
فتمكَّنوا بالعلم من تَحليلَهاودَمُ الحياةِ يَدِبُّ في الأبدانِ
فحصُوا كُرَاتِ دَمِ الوريدِ وكيف قدردَّ الحياةَ لها دَمُ الشُّريَانِ
وتبيَّنوا القلبَ العجيبَ بُطَينُهُوأذَينه في الصدر يَنقبِضَانِ
ليحوِّلا مَصلَ الوريدِ إلى دَمٍحيٍّ إذا ما دار يَنبَسِطانِ
بحثُوا العِظامَ وما حَوَت أدوارُهافي الشِّيبِ والإطفالِ والشُّبَّانِ
بحثاً يحارُ الطبُّ في تلعيلهِعَرَفُوا به ما هيَّةَ الحيوانِ
وبقاءها عمراً طويلاً غضَّةًفي قوةٍ وسلامةٍ ومِرانِ
فنخاعُها واللحم سرُّ حياتِهاوهما لحفظ كيانِها حِصنانِ
ما غابَ عنهم عنصرٌ لم يفقهواتأثيرَهُ في الهَيكلِ الجثماني
لهم انطوى العلمُ العجيبُ وصرَّحَتبالرغم منه غوامضُ الكِتمانِ
فتوصَّلُوا لنوالِ ما قد أَمَّلُواومع الهزيمةِ لا تَضِيعُ أماني
كانت نتيجةُ بحثهم أن وُفِّقُواعِلماً بسرِّ صيانةِ الابدان
بعدَ المماتِ من اتِّصَال يد البِلىيوماً لتبقى آيةَ الأزمَانِ
أَمناً تمرُّ بها القُرُونُ وبعدَهاتتعاقبُ الأحقابُ في اطمئنانِ
وقوامُها صلبٌ فَتِيٌّ ذاَبلٌقد غادرتهُ نضارةُ الرَّيعانِ
ألقى السُّباتَ عليه سلطانُ الكرىوقد اختفى عن أعين الحدثضانِ
لم تنتقِصه سوى الحياةِ ولم يكُنبالميت أحرى منهُ بالوَسنانِ
ترمي مناعتهُ الزمانَ بنظرةٍسَخِرَت بفتك كوارث العدوانِ
والدهرُ يعجَبُ أن سلطان البلىمكتوفةٌ بالرغم منهُ يَدانِ
مَرَّت به تلك العصورُ وتنقضىأمثالُها وقُوَاهُ في نُقصَانِ
سدٌّ رهيبٌ كُلَّما قَد هَمَّ أنيجتازَهُ لا يستطيعُ تَداني
هذا هو السرُّ الذي هَزَمَت بهحكماءُ مصرَ عَوادِي الملوانِ
أقصى عن الإغريق كلَّ حضارةٍوقضى على مدنية الرومانِ
ما أبعد الإنسان في تفكيرهلو كان منصرِفاً إلى العرفانِ
تأتي المواهبُ لو تكامل نورُهابالمُعجِزاتِ بعيدةِ الإمكانِ
هل بعدَ تلك الخارقات فطانَةٌأو بعد ذيَّاك النجاحِ أماني
أجسادُهم شهدَت بقوَّةِ عزمهموثباتهم وبحدَّةِ الأذهَانِ
ظهرت لنُورِ الشمسِ وهي كأنَّهالم تقض بعد المَوتِ غيرَ ثَوانِ
وكأنَّ آلافَ السنى تبدلتيوماً مضى في راحةٍ وأمانِ
هي بيننا وتظل دهراً بعدناوهي التي شهدت ضحى الطوفانِ
قد أظهر التحنيط أعجبَ آيةٍوصلت إليها حكمةُ الإنسانِ
عجزَت شعوبُ الأرضِ عن إدراكهوخبا سراجُ الطبِّ في اليونانِ
وَخَلَت بحارُ العلمش من أصدافِهِمُذ كفَّ كوكبُهُ عن الدَّوَرَانِ
عِلمٌ مواهِبُه السماءَ فأصبحَتممزوجةً بالعالمِ الرُّوحاني
قد كان إحدى المعجزات ولم يَزَلأعجوبةَ الدنيا مدى الأَزمانِ
وكفى به فخراً لمصر وأهلهاأمِّ القرى سُلطانةِ الوديانِ
هي جنةُ الدُّنيا التي قد أحرَزَتما عز من مُلكٍ ومن عُمرانِ
عن القصيدة
«هون عليك فكل حي فان» من شعر إسماعيل صبري، من العصر الحديث، وتقع في ٢٣٩ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.