سَقَتني حُمَيَّا الحُبَّ راحَةَ مُقلَتي
الشاعر: ابن الفارض · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
«سَقَتني حُمَيَّا الحُبَّ راحَةَ مُقلَتي» من شعر ابن الفارض، وتقع في 194 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سَقَتني حُمَيَّاـ الحُبَّ راحَةَ مُقلَتي ... وَكَأسي مُحَيَّاـ مَن عَنِ الحُسنِ جَلَّتِ
فَأَوهَمتُ صَحبي أنَّ شُربَ شَرابهِم ... بهِ سُرَّ سِرِّي في انتِشائي بنَظرَةِ
وبالحَدَقِ استغنَيتُ عن قَدَحي ومِن ... شَمائِلِها لا من شَموليَ نَشوَتي
ففي حانِ سُكري حانَ شُكري لِفِتيَةٍ ... بِهِم تَمَّ لي كَتمُ الهَوَى مَعَ شُهرَتي
وَلَمَّاـ انقضى صَحوي تَقاضَيتُ وَصلَها ... وَلَم يغشَني في بَسطِها قَبضُ خَشيَةِ
وَأَبثَثَتُها ما بي وَلَم يَكُ حاضِري ... رَقِيبٌ لها حاظٍ بخَلوَةِ جَلوَتي
وقُلتُ وحالي بالصبَّابَةِ شاهدٌ ... وَوَجدي بها ماحِيَّ والفَقدُ مُثبِتي
هَبي قَبلَ يُفني الحُبُّ مِنِّيـ بَقيَّةً ... أَراكِ بِهــــا لي نَــــظــــرَةَ المتَلَفِّتِ
ومُنِّيـ عَلى سَمعي بلَن إن مَنَعتِ أَن ... أَراكِ فــــمِــــن قَبلي لِغيرِيَ لذَّتِ
فعِندي لسُكري فاقَةٌ لإِفاقَةٍ ... لَها كَبِدي لَولا الهَوى لم تُفتَّتِ
وَلَو أَنَّ ما بي بِالجِبالِ وَكانَ طُو ... رُ سِينا بها قبلَ التَجلِّي لدُكَّتِ
هَوى عَبرَةٌ نَمَّتــ بِهِ وجَوىً نَمَت ... بِهِ حُــــــــرَقٌ أدوَاؤُهـــــــا بِـــــــيَ أودَتِ
فَطُوفانُ نوحٍ عندَ نَوحي كَأَدمُعي ... وَإيقادُ نِيرانِ الخَليلِ كلَوعَتي
وَلَولا زَفيري أَغرَقَتنيَ أَدمُعي ... وَلَولا دُموعي أَحرَقَتنيَ زَفرَتي
وَحُزني ما يَعقوبُ بَثَّ أقلَّهُ ... وكُــــلُّ بِــــلى أيُّوبَ بــــعــــضُ بلِيَّتي
وآخِرُ ما لاقى الأُلى عَشِقوا إلى الرْ ... رَدَى بعضُ ما لاقيتٌ أوَّلَ مِحنَتي
فلَو سَمِعَت أذنُ الدَّليلِ تَأَوُّهي ... لآلامِ أســــقامٍ بِجِسمي أضَرَّتِ
لَأَذكَرَهُ كَربي أَذى عَيشِ أزمَةٍ ... بِمُنقطِعي ركبٍ إِذا العيسُ زُمَّتِ
وَقَد بَرَّحَ التَّبريحُ بي وَأَبادَني ... وَأَبدى الضَّنى مِنِّيـ خَفِيَّ حَقيقَتِي
فنادَمتُ في سُكري النُحولَ مُراقِبي ... بجُملَةِ أَسراري وتَفصيلِ سِيرَتِي
ظَهَرتُ لَهُ وَصفاً وَذاتي بِحَيثُ لا ... يَراها لِبِلوى مِن جَوى الحُبِّ أَبلَتِ
فَأَبدَت وَلَم يَنطِق لِساني لِسمعِهِ ... هَواجِسُ نَفسي سِرَّ ما عَنهُ أخفَتِ
وظلَّت لِفكري أُذنُهُ خَلَداً بها ... يدورُ بِه عن رؤيَةِ العينِ أغنَتِ
فَأَخبَرَ مَن في الحيَّ عَنِّيَ ظاهراً ... بِباطِنِ أَمري وَهُوَ من أهلِ خُبرَتي
كَأنَّ الكِرَامَ الكَاتِبينَ تَنَزَّلوا ... على قلبِهِ وَحياً بما في صَحيفَتي
ومَا كانَ يَدري ما أُجِنُّ وما الَّذي ... حَشايَ مِنَ السِّرِّ المَصُونِ أكنَّتِ
وَكَشفُ حِجابِ الجسمِ أبرَزَ سِرَّ ما ... بِهِ كَانَ مَستُوراً لَه مِن سَريرَتِي
فَكُنتُ بسِرِّي عَنهُ في خُفيَةٍ وَقَد ... خَفَتهُ لِوَهنٍ من نحوليَ أنَّتي
فَأَظهَرني سُقمٌ بِهِ كُنتُ خافياً ... لَهُ وَالهَوى يَأتي بِكُلِّ غَريبَةِ
وَأَفــــرطَ بــــي ضُــــرٌّ تَــــلاشَت لمَسِّهِ ... أَحاديثُ نَفسٍ بالمَدامِعِ نُمَّتِ
فلو هَمَّ مَكروهُ الرَّدى بي لَما دَرى ... مَكاني وَمِن إِخفاءِ حُبَّكِ خُفيَتي
وما بينَ شوقٍ واشتياقٍ فَنِيتُ في ... تَوَلٍّ بحَظرٍ أو تَجَلٍّ بِحضرَةِ
فلو لِفَنائي من فِنائِكَ رُدَّ لي ... فؤاديَ لم يرغَب إلى دارِ غُربَةِ
وعُنوانُ شأني ما أبُثَّكِ بِعضَهُ ... وما تحتَهُ إظهارُهُ فوقَ قُدرتي
وأُمسِكُ عَجزاً عَن أُمورٍ كَثيرةِ ... بنُطقِيَ لَن تُحصى وَلَو قُلتُ قَلَّتِ
شِفائِيَ أَشفى بل قَضى الوَجدُ أَن قَضى ... وبَردُ غليلي واحِدٌ حَرَّ غُلَّتي
وباليَ أبلى مِن ثيابِ تَجَلُّدي ... به الذَّاتُ في الإعدامِ نيطَت بلَذَّةِ
فَلو كَشَفَ العُوَّادُ بي وتَحَقَّقُوا ... منَ اللَّوحِ ما مِنَّيـ الصَّبابةُ أبقَتِ
لمَا شاهَدَت منِّيــ بَصائِرهُم سِوى ... تــــخَــــلُّلِ رُوحٍ بــــيــــنَ أثوابِ مَيِّتِ
وَمُنذُ عَفا رَسمي وَهِمتُ وهِمتُ في ... وُجودي فَلَم تَظفَر بكَونِيَ فِكرَتي
وَبَعدُ فَحالي فيكِ قامَت بِنَفسِها ... وَبَيِّنَتي في سَبقِ روحي بَنِيَّتي
وَلَم أَحكِ في حُبِّيكِ حالي تَبرُّماً ... بِها لاضطِرابٍ بَل لِتَنفِيسِ كُربَتي
ويَحسُنُ إظهارُ التَجلُّدِ للعِدى ... ويقبُحُ غَيرُ العَجزِ عندَ الأحِبَّةِ
وَيَمنَعُني شكوَايَ حُسنُ تَصَبُّري ... وَلَو أَشكُ لِلأَعداءِ ما بي لأَشكَتِ
وَعُقبى اصطِباري في هَواكِ حمِيدةٌ ... عَلَيكِ وَلَكِن عَنكِ غَيرُ حَميدَةِ
وَما حلَّ بي من مِحنَةٍ فَهوَ مِنحَةٌ ... وقد سَلِمَت من حَلِّ عَقدٍ عَزيمَتي
وكُلُّ أذىً في الحُبِّ مِنكِ إذا بَدا ... جَعَلتُ لهُ شُكرِي مكانَ شَكِيَّتي
نَعَم وَتَباريحُ الصَّبابَةِ إن عَدَت ... عَلَيَّ مِنَ النَّعماءِ في الحبِّ عُدَّتِ
وَمِنكِ شَقائي بَل بَلائِيَ مِنَّةٌ ... وفيكِ لِباسُ البؤسِ أسبَغ نِعمَةِ
أرانِيَ ما أُوليتُهُ خيرَ قِنيَةٍ ... قديمُ وَلائي فيكِ من شَرّ فِتيَةِ
فـــــــلاحٍ وواشٍ ذاك يُهـــــــدي لِعــــــزَّةٍ ... ضَــــلالاً وذا بي ظَلَّ يَهذِي لغِرَّةِ
أُخالِفُ ذا في لومِهِ عن تُقَىً كما ... أخــــالِفُ ذا فــــي لؤمِهِ عــــن تَقيَّةِ
وَمَا رَدَّ وَجهِي عَن سَبيلِكِ هَولُ ما ... لَقــــيــــتُ ولا ضَــــرَّاءُ في ذاكَ مَسَّتِ
وَلا حِلمَ لي في حَملِ ما فيكِ نالَني ... يُؤدّي لحَمدي أو لمَدحِ مَوَدّتِي
قضى حُسنُكِ الدَّاعي إِليكِ احتِمالَ ما ... قصَصتُ وأَقصى بَعدَما بعدَ قِصَّتي
ومــــا هُو إلَّا أَن ظَهَرتِ لِناظِرِي ... بأَكمَلِ أَوصافٍ على الحُسنِ أَربَتِ
فَحلَّيتِ لي البَلوَى فَخلَّيتِ بَينها ... وبَينِي فَكانَت مِنكِ أَجملَ حِليَةِ
ومَن يَتَحَرَّش بِالجَمالِ إِلى الرَّدى ... رَأَى نَفسَهُ من أَنفَس العَيشِ رُدَّتِ
وَنَفسٌ تَرى في الحُبِّ أن لا ترى عَناً ... مَتى ما تَصَدَّت للصَّبابِة صُدَّتِ
وما ظفِرَت بالوُدِّ روحٌ مُراحَةٌ ... ولا بالوَلا نَفسٌ صفا العيشِ وَدَّتِ
وأَينَ الصَّفا هَيهات من عَيشِ عاشِقٍ ... وجَــــنَّةــــُ عَــــدنٍ بالمَكَارِهِ حُفَّتِ
ولي نفسُ حُرٍّ لو بذَلتِ لها على ... تَسَلّيكِ ما فوقَ المُنى ما تَسلَّتِ
ولو أُبعِدَت بالصَّدِّ والهجرِ والقِلى ... وقَطعِ الرَّجا عن خُلَّتِي ما تَخلَّتِ
وَعَن مَذهَبي في الحُبِّ ما لِيَ مذهَبٌ ... وإن مِلتُ يوماً عنهُ فارَقتُ مِلَّتِي
ولو خــــطَــــرَت لي فــــي سِــــواكِ إرادةٌ ... على خاطري سَهواً قضيتُ بِرِدَّتِي
لَكِ الحُكم في أَمري فما شِئتِ فَاصنَعي ... فَلَم تكُ إلّا فيكِ لا عَنكِ رَغبَتِي
ومُحكَمِ عهدٍ لم يُخامِرهُ بيننا ... تَخَيّلُ نَسخٍ وهوَ خيرُ أَليَّةِ
وأخذِكِ ميثاقَ الوَلا حيثُ لم أَبِن ... بِمَظهَرِ لَبسِ النَفسِ في فَيءِ طِينَتي
وسابِقِ عَهدٍ لم يَحُل مُذ عَهِدتُهُ ... ولاحِقِ عَقدٍ جَلَّ عن حَلِّ فَترَةِ
ومَطلَعِ أَنوارٍ بطلعتِكِ الَّتي ... لِبَهجَتِها كلُّ البُدُورِ استسَرَّتِ
وَوصفِ كمالٍ فيكِ أحسنُ صورَةٍ ... وأقوَمُها في الخَلقِ مِنهُ استَمدَّتِ
ونَعتِ جَلالٍ منكِ يعذُبُ دونَهُ ... عذابي وتحلو عِندَهُ ليَ قَتلَتِي
وسِرِّ جَمالٍ عنكِ كُلُّ مَلاحَةٍ ... بِه ظَهَرَت في العالمِين وتمَّتِ
وحُسنٍ بِهِ تُسبَى النُّهَى دلَّني على ... هَوىً حسُنَت فيه لِعِزِّكِ ذِلَّتِي
وَمَعنىً وَرَاء الحُسنِ فيكِ شَهِدتُهُ ... بِه دَقَّ عن إدراكِ عَينِ بَصِيرتِي
لأنتِ مُنى قَلبي وغايَةُ بُغيَتِي ... وأَقصى مُرادي واختِياري وحِيرَتي
خَلَعتُ عِذاري واعتِذَاري لابِسَ ال ... خَلاعَةِ مسروراً بِخَلعي وخِلعَتي
وخَلعُ عِذاري فيكِ فَرضي وإِن أَبىاق ... تِرَابيَ قَومِي والخلاعَةُ سُنَّتي
وَلَيسوا بِقَومي ما استعابوا تَهَتُّكي ... فَأَبدَوا قِلَىً وَاستَحسَنوا فيكِ جَفوَتي
وَأَهليَ في دين الهَوى أَهلُهُ وَقَد ... رَضُوا ليَ عاري واستَطابوا فَضيحَتي
فَمَن شَاءَ فَليَغضَب سِواكِ ولا أَذىً ... إِذا رضِيَت عَنِّيــ كِرامُ عَشيرَتي
وإِن فَتَنَ النُّسّاكَ بعضُ محاسِنٍ ... لَديكِ فكُلٌّ مِنكِ مَوضعُ فِتنَتي
وَما احترتُ حَتَّى اختَرتُ حُبِّيكِ مَذهباً ... فَواحَيرتي إِن لَم تَكُن فيكِ خيرَتي
فَقالَت هَوى غَيري قصَدتَ ودونَهُ اق ... تَصَدتَ عَميّاً عَن سواءِ مَحَجَّتي
وَغَرَّكَ حَتَّى قُلتَ ما قُلتَ لابِساً ... بِه شَينَ مَينٍ لَبسُ نَفسٍ تَمَنَّتِ
وَفي أَنفَسِ الأَوطارِ أمسَيتَ طامِعاً ... بِنَفسٍ تَعدَّت طَورَها فتَعَدَّتِ
وَكَيفَ بِحُبِّيــ وهوَ أَحسَنُ خُلَّةٍ ... تَفوزُ بِدعوى وهيَ أقبَحُ خَلَّةِ
وأينَ السُّهى مِن أكمَهٍ عن مُرادِهِ ... سَهَا عَمَهاً لكن أمانيكَ غَرَّتِ
فقُمتَ مقاماً حُطّ قَدرُكَ دونَهُ ... على قدَمٍ عَن حَظِّها ما تَخَطَّتِ
ورُمتَ مَراماً دونَهُ كَم تَطاوَلَت ... بأعناقِهَا قومٌ إليهِ فَجُذَّتِ
أَتيتَ بُيوتاً لم تنَل من ظُهُورها ... وأَبوابُها عن قرعِ مثلِكَ سُدَّتِ
وبينَ يدَي نجواك قَدَّمتَ زُخرُفاً ... تــــرومُ بهِ عِزّاً مَرامِيهِ عَزَّتِ
وجئتَ بوَجهٍ أبيضٍ غيرَ مُسقِطٍ ... لِجَاهكَ في دارَيكَ خاطِبَ صَفوَتي
ولو كنتَ بي مِن نُقطَةِ الباء خَفضةً ... رُفِعتَ إلى ما لم تَنَلهُ بِحيلَةِ
بحيثُ تُرى أن لا تَرى ما عَدَدتَهُ ... وأَنَّ الَّذي أعـــــدَدتَهُ غـــــيـــــرُ عُـــــدَّةِ
ونَهجُ سبيلي واضِحٌ لِمَنِ اهتدَى ... وَلَكِنَّها الأهواءُ عَمَّتــ فأَعمَتِ
وقد آنَ أَن أُبدِي هواكَ ومَن بهِ ... ضَنَاكَ بما يَنفي ادِّعاكَ محَبَّتي
حَليفُ غَرامٍ أنتَ لكِن بنفسِهِ ... وَإِبقاكَ وصفاً مِنكَ بعضُ أَدِلَّتي
فَلمْ تَهْوَني ما لم تَكنْ فيَّ فانِياً ... ولم تَفنَ ما لا تُجْتَلى فيكَ صورتي
فدَعْ عنكَ دَعوى الحبِّ وادعُ لِغيرِهِ ... فؤادَكَ وادفَعْ عنكَ غَيَكََ بالَّتي
وجانِبْ جنابَ الوَصْلِ هَيهاتَ لَم يكُنْ ... وها أنتَ حيٌّ إن تكن صادقاً مُتِ
هُو الحُبُّ إِن لم تَقضِ لم تَقضِ مأرَباً ... منَ الحُبِّ فاخترْ ذاكَ أَو خَلِّ خُلَّتي
فقُلْتُ لها روحي لديكِ وَقَبْضُها ... إليكِ ومَن لي أن تكونَ بقَبضَتي
وما أَنا بالشَّاني الوفاةَ عَلى الهَوى ... وشأني الوَفا تأبى سِوَاهُ سَجِيَّتي
وَماذا عَسى عَنِّيـ يُقالُ سِوى قضَى ... فُلانٌ هَوى مَنْ لي بذا وهْو بُغْيَتي
أجَلْ أَجَلي أَرضى إِنقِضَاهُ صَبَابَةً ... ولا وصْلَ إن صَحَّتْ لِحُبِّكَ نِسبَتي
وَإِنْ لَم أفُزْ حَقّاً إليكِ بِنِسْبَةٍ ... لِعِزّتها حسبي افتِخاراً بِتُهْمَةِ
وَدونَ إِتِّهامي إنْ قَضَيْتُ أَسىً فما ... أَســــأتُ بِنَفْسٍ بالشَّهَادةِ سُرَّتِ
ولي منكِ كافٍ إن هَدَرْتِ دمي ولَم ... أُعَدَّ شهيداً عِلمُ داعي مَنِيَّتي
ولم تَسْوَ روحي في وِصَالِكِ بَذلَها ... لَدَيّ لِبَـــــونٍ بَـــــيْــــنَ صَــــونٍ وبِــــذْلَةِ
وإِنِّيــ إلى التَّهديدِ بِالمَوتِ راكِنٌ ... ومِــــن هَــــولِهِ أركانُ غيري هُدّتِ
ولم تعسِفي بالقَتْلِ نفسي بَل لَها ... بِهِ تُسْعِفِي إن أنتِ أتلَفْتِ مُهْجَتِي
فإنْ صَحّ هذا القال مِنْكِ رَفَعْتِني ... وأعلَيْتِ مِقدارِي وأَغلَيْتِ قِيمَتِي
وها أنا مُسْتَدْعٍ قضاكِ وما بهِ ... رِضَاكِ ولا أختارُ تأخيرَ مدَّتِي
وعِيدُكِ لي وعدٌ وإنجازُهُ مُنىً ... ولِيٍّ بغيرِ البُعْدِ إن يُرْمَ يَثْبُتِ
وقد صِرْتُ أرجو ما يُخافُ فأسعِدي ... بِه روحَ مَيتٍ للحياةِ استعدَّتِ
وبي مَنْ بها نافسْتُ بالرّوحِ سالِكَاً ... سبيلَ الأُلى قبلي أَبَوا غيرَ شِرْعَتِي
بكُلِّ قَبِيلٍ كمْ قتيلٍ بها قضَى ... أسىً لم يَفُزْ يوماً إِليها بِنَظرةِ
وكم في الوَرَى مِثلي أماتتْ صَبَابَةً ... ولوْ نَظرتْ عطْفَاً إليهِ لأحْيَتِ
إذا ما أَحلَّتْ في هواها دَمي فَفي ... ذُرَى العِزّ والعلْيَاءِ قَدري أحلَّتِ
لَعَمْري وإن أتْلَفْتُ عُمري بِحُبِّها ... رَبِــــحْــــتُ وإن أَبْلَتْ حشايَ أَبَلَّتِ
ذَلَلْتُ لها في الحيِّ حَتَّى وَجَدْتُنِي ... وأدنَى مَنالٍ عندهم فوقَ هِمَّتي
وَأَخملني وهناً خُضُوعي لهُم فَلم ... يَرَوني هواناً بي محلّاً لِخدمَتي
ومِنْ دَرَجَاتِ العِزّ أمسيْتُ مُخلِداً ... إلى دَرَكَاتِ الذُّلِّ من بَعدِ نخْوَتي
فلا بابَ لي يُغشى ولا جاهَ يُرْتَجَى ... ولا جارَ لي يُحْمى لفَقْدِ حَمِيَّتي
كَأَنْ لم أكُنْ فيهِمْ خطيراً وَلَمْ أزَل ... لَدَيْهِمْ حقيراً في رَخاءٍ وشِدَّةِ
فَلَو قيلَ مَن تَهوى وصرَّحتُ باسمِها ... لَقيلَ كنَى أوْ مسَّهُ طيفُ جِنَّةِ
ولو عَزَّ فيها الذُّلُّ ما لذَّ لي الهَوى ... ولم تكُ لولا الحُبُّ في الذلِّ عِزَّتي
فحالي بِها حالٍ بعقْلِ مُدَلَّهٍ ... وصِــــحَّةــــِ مَــــجــــهــــودٍ وعِــــزِّ مــــذلَّةِ
أَسَرَّتْ تمَنِّيـ حُبِّها النَفسُ حَيثُ لا ... رقــــيب حِجاً سِرّاً لسِرِّي وخَصَّتِ
فأشفَقْتُ مِن سَيرِ الحديثِ بِسائِري ... فتُعرِبُ عن سِرِّي عِبارةُ عَبرَتي
يُغالِطُ بَعضي عنهُ بَعضي صيانةً ... ومَينيَ في إخفائِه صِدْقُ لَهجَتي
ولمَّاـــ أبَتْ إظهارَهُ لجوانِحي ... بَديهةُ فِكري صُنتُهُ عن رَوِّيَّتي
وبالَغْتُ في كِتمانِه فنسِيتُهُ ... وأُنسيتُ كَتمي ما إليهِ أسرَّتِ
فإن أجنِ مِن غرْسِ المُنى ثمَرَ العنا ... فَلِلَّهِ نَفسٌ في مُناها تمَنَّتِ
وأَحلى أَماني الحُبِّ للنَّفسِ ما قَضَت ... عَناها بهِ مَنْ أذكَرَتْها وأنسَتِ
أَقامتْ لها مِنِّيــ عليَّ مُراقِباً ... خَواطِرَ قَلبي بالهوى إن ألَمَّتِ
فَإنْ طَرَقتْ سرّاً مِنَ الوَهمِ خاطِري ... بِلا حاظِرٍ أطرَقْتُ إجلالَ هَيبَةِ
ويُطرَفُ طرْفي إِن هَمَمْتُ بِنَظرَةٍ ... وإن بُسِطَتْ كفِّيــ إلى البَسطِ كُفَّتِ
فَفي كُلِّ عُضْوٍ فيَّ إقدامُ رغبَةٍ ... ومِنْ هَيبةِ الإِعظامِ إحجامُ رَهبَةِ
لِفِيّ وسَمعي فِيَّ آثارُ زَحْمةٍ ... عليها بَدَتْ عِندي كإيثارِ رَحمَةِ
لِسانِيَ إن أبدى إِذا ما تَلا اسمَها ... لهُ وصفُهُ سمْعي ومَا صَمَّ يَصمُتِ
وأُذْنيَ إن أهدَى لِسانِيَ ذِكرهَا ... لِقلبي ولم يستَعبِدِ الصَّمتَ صُمَّتِ
أَغارُ عَلَيها أن أهيمَ بحُبِّها ... وأعرِفُ مِقداري فأُنكِرُ غَيرَتي
فتُختَلسُ الرُّوحُ ارتياحاً لها وما ... أُبَرِّئُ نفسي من تَوَهُّمِ مُنْيَةِ
يَراها على بُعدٍ عَنِ العَينِ مسمَعي ... بطَيْفِ مَلامٍ زائرٍ حينَ يَقظَتي
فيغْبِطُ طَرْفي مسمَعي عِندَ ذِكرها ... وَتَحْسِدُ ما أَفنتْهُ مِنِّيـ بَقِيَّتي
أمَمْتُ أَمامي في الحَقيقَةِ فَالوَرى ... وَرائي وكانَت حَيثُ وجَّهتُ وِجهَتي
يَراها إِمامي في صلاتيَ ناظِري ... وَيشهدُني قلبي أمامَ أئِمَّتي
ولاَ غــــرْوُ إِنْ صَلَّى الإِمامُ إليَّ إِنْ ... ثَوَتْ في فؤادي وهْيَ قِبلةُ قِبلتي
وكُلُّ الجِهاتِ السِّتِّ نَحوي تَوَجَّهتْ ... بما تَمَّ من نُسْكٍ وَحجٍّ وعُمرَةِ
لها صَلَواتي بالمَقامِ أُقِيمُها ... وأشــــهَدُ فيها أنَّها ليَ صَلَّتِ
كِلانا مُصَلٍّ واحِدٌ ساجِدٌ إلى ... حقيقتِهِ بالجمعِ في كُلِّ سجدَةِ
وما كان لي صَلَّى سِوايَ وَلَم تَكُن ... صَلاتي لغَيري في أدا كُلِّ رَكعَةِ
إِلى كَم أُواخي السِّتْرَ ها قد هَتَكتُهُ ... وحَلُّ أُواخي الحُجبِ في عَقدِ بَيْعَتي
مُنِحْتُ وَلاها يومَ لا يوْمَ قبل أَن ... بدَتْ عند أخْذِ العهدِ في أَوَّلِيَّتي
فَنِلْتُ وَلاها لا بِسَمْعٍ وناظِرٍ ... ولا بِاكتِسابٍ واجتِلاب جِبِلَّةِ
وهِمتُ بها في عالَمِ الأمْرِ حيثُ لا ... ظُهورٌ وكانت نَشوَتي قبلَ نَشأَتي
فَأَفني الهَوى ما لم يكُنْ ثَمَّ باقِياً ... هُنا من صِفاتٍ بينَنَا فاضمحلَّتِ
فألفيْتُ ما ألقَيتُ عنِّيَ صادراً ... إليَّ ومــــنِّيــــ وارِداً بــــمَــــزيدَتي
وشاهدتُ نفسي بالصِّفاتِ الَّتي بها ... تحجَّبْتِ عنِّيــ في شُهودي وحِجْبتي
وإنّي الَّتي أحبَبْتُها لا مَحالَةً ... وكانت لها نفْسي عليَّ محيلَتي
فَهَامَتْ بها من حيْثُ لم تدرِ وهي في ... شُهودي بنفس الأمْرِ غير جَهولةِ
وقد آنَ لي تفصِيلُ ما قُلتُ مُجملاً ... وإجمالُ ما فصَّلْتُ بسطاً لبَسطتي
أفادَ اتِّخاذي حُبَّها لاتّحادنا ... نوادِرُ عن عادِ المُحبِّينَ شَذَّتِ
يَشي لي بيَ الواشي إليها ولائِمي ... عليها بها يُبْدي لديها نَصيحتي
فأُوسِعُها شكراً وما أسلفَتْ قِلىً ... وتَمنحُني بِرّاً لصِدقِ المحبَّةِ
تَقرَّبْتُ بالنَّفْسِ احتِساباً لها ولمْ ... أكنْ راجياً عنها ثواباً فأدنَتِ
وقدَّمْتُ مالي في مآليَ عاجلاً ... وما إن عساها أن تكونَ مُنِيلتي
وَخَلَّفْتُ خَلفي رؤيتي ذاكَ مخلِصاً ... ولستُ براضٍ أن تكونَ مَطيَّتي
ويمَّمنا بالفَقْرِ لكِنْ بوَصْفِهِ ... غَنِيتُ فألقَيْتُ افتِقاري وثروتي
فأثنَيتَ لي إلقاء فَقريَ والغِنى ... فضيلةَ قَصدي فاطرّحْتُ فضيلتي
فلاحَ فَلاحي في اطّراحي فأصبحَتْ ... ثَوابي لا شيْئاً سِواها مُثِيبتي
وظِلْتُ بها لا بي إليها أدُلّ مَن ... بِه ضَلّ عن سُبْل الهُدى وهيَ دَلّتِ
فخَلّ لها خلّي مُرادَكَ مُعْطِياً ... قيادَكَ مِن نَفسٍ بها مُطمئِنّةِ
وأمْسِ خليّاً من حُظوظك واسمُ عن ... حضيضِكَ واثُبتْ بعد ذلك تنُبتِ
وسَدّدْ وقارِبْ واعتصِم واستقم لها ... مُجيباً إليها عن إنَابَةِ مُخْبِتِ
وعُد من قريب واستجب واجتنب غداً ... أُشَمّرُ عن ساقِ اجتِهادٍ بنهضَةِ
وكن صارماً كالوقت فالمقتُ في عسى ... وإيّــــاك عَلاّ فهْيَ أخطَرُ علّة
وقُمْ في رِضاها واسْعَ غير مُحاوِلٍ ... نشاطاً ولا تُخلِدْ لعَجْزٍ مُفَوِّتِ
وسِرْ زمناً وانهض كسيراً فحَظّك ال ... بَطالَةُ ما أخَّرْتَ عزْماً لِصِحّةِ
وَأقِدمْ وقَدّمْ ما قعَدْتَ لهُ معَ ال ... خوالِف وَاخرُجْ عن قيود التّلفّتِ
وجُذّ بسيْف العَزْم سوفَ فإن تجُد ... تجِد نفَساً فالنفسُ إن جُدتَ جَدّتِ
وأقبِلْ إليها وانحُها مُفلِساً فقدْ ... وصيَتَ لِنُصْحي إن قبِلتَ نصيحتي
فلم يَدْنُ منها موسِرٌ باجتِهادِهِ ... وعنها بِهِ لم ينأ مؤثِرُ عُسْرَةِ
بِذَاك جَرَى شَرْطُ الهوى بينَ أهلِهِ ... وطائفةٌ بالعَهْدِ أوفَتْ فوَفّت
متى عَصَفَتْ ريحُ الوَلا قصفَتَ أخا ... غَناء ولو بالفَقْرِ هَبّتْ لَرَبّت
وأغنى يَمينٍ باليَسارِ جزاؤها ... مُدى القطع ما للوصل في الحب مُدَّت
وأخلِصْ لهاواخلُص بهاعن رُعونة اف ... تِقارِكَ مِنْ أعْمالِ بِر تزكّت
وعادِ دواعي القيلِ والقالِ وانجُ من ... عَوادي دعاوٍ صِدْقُها قصْدُ سُمْعة
فألسُنُ مَنْ يُدْعى بألسَنِ عارِفٍ ... وقد عُبِرَتْ كل العِباراتِ كَلّت
وما عنه لم تُفْصحْ فإنّك أهلُهُ ... وأنْتَ غريبٌ عنه إن قلتَ فاصْمت
وفي الصمتِ سمتٌ عنده جاهُ مسكةٍ ... غدا عبْدَه من ظنَّهــ خيرَ مُسْكتِ
فكن بصِراً
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- استغنيت: (غَنِيَ) الْغَيْنُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَالْآخَرُ صَوْتٌ. فَالْأَوَّلُ الْغِنَى فِي الْمَالِ. يُقَالُ: غَنِيَ يَغْنَى غِنًى. وَالْغَنَاءُ بِفَ … (مقاييس اللغة)
- بسطها: بسط: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى: الباسطُ، هُوَ الَّذِي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ وَيُوَسِّعُهُ عَلَيْهِمْ بجُوده وَرَحْمَتِهِ ويبسُط الأَرواح فِي الأَجساد عِنْدَ الْحَيَاةِ. والبَسْطُ: نَقِيضُ القَبْضِ، بسَطَه يبسُ … (لسان العرب)
- تقاضيت: قضي: القَضاء: الحُكْم، وأَصله قَضايٌ لأَنه من قَضَيْت، إِلا أَنَّ الياء لما جاءت بعد الأَلف همزت؛ قال ابن بري: صوابه بعد الأَلف الزائدة طرفاً همزت، والجمع الأَقْضِيةُ، والقَضِيَّةُ مثله، والجمع القَضايا على فَعالَى وأَصل … (لسان العرب)
- جلوتي: جَلَتْ: الجَلِيتُ: لُغَةٌ فِي الجَلِيدِ، وَهُوَ مَا يَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ. وجالُوتُ: اسْمُ رَجُلٍ أَعجمي، لَا يَنْصَرِفُ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ. وَيُقَالُ: جَلَتُّه عشرينَ سَوْطاً أَي ضَ … (لسان العرب)
- حاضري: حضر: الحُضورُ: نَقِيضُ المَغيب والغَيْبةِ؛ حَضَرَ يَحْضُرُ حُضُوراً وحِضَارَةً؛ ويُعَدَّى فَيُقَالُ: حَضَرَه وحَضِرَه[[. قوله: [فيقال حضره وحضره إلخ] أَي فهو من بابي نصر وعلم كما في القاموس]]. يَحْضُرُه، وَهُوَ شَاذٌّ، و … (لسان العرب)
- حميا: حمأ: الحَمْأَةُ والحَمَأُ: الطِّينُ الأَسود المُنتن؛ وَفِي التَّنْزِيلِ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*، وَقِيلَ حَمَأٌ: اسْمٌ لِجَمْعِ حَمْأَةٍ كَحَلَق اسْمِ جَمْعِ حَلْقَة؛ وَقَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: وَاحِدَةُ الحَمَإ حَمَأَة كق … (لسان العرب)