يمَّنَ اللَّهُ طلعة المِهرجانِ
الشاعر: ابن الرومي · البحر: الخفيف
«يمَّنَ اللَّهُ طلعة المِهرجانِ» من شعر ابن الرومي، من العصر العباسي، وتقع في 222 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يمَّنَ اللَّهُ طلعة المِهرجانِ ... كلَّ يمنٍ على الأميرِ الهِجانِ
وأراه السرورَ فيه خصوصاً ... وعموماً في سائر الأزمانِ
ما رأت مثل مهرجانك عينا ... أردشـــــيـــــرٍ ولا أنـــــوشـــــروانِ
مهرجانٌ كأنما صوَّرتهْ ... كيف شاءت مُخيراتُ الأماني
عانياً دَهْرهُ بحبِّ حبيبٍ ... وفؤادي ببُغْضِك الدهر عاني
لو تراءى لجنَّةــ الخلد صَبَّتْ ... واشرأبت بجيدها الحُسَّانِ
خُلِقتْ للأمير فيه سماءٌ ... لم يكن بدْءُ خلقِها من دخانِ
ونجومٌ مسعودةٌ لم يُصبْها ... نحسُ بَهرام لا ولا كيوان
وأُديل السرورُ واللهو فيه ... من جميع الهموم والأحزان
لبِستْ فيه حَلْي حَفْلتِها الدُّنْ ... يا وزافت في منظرٍ فتان
وأذالت من وشْيها كُلَّ بُردٍ ... كان قِدماً تصونُه في الصِّوان
وتبدَّتْ مثل الهَدِيِّ تهادَى ... رادعَ الجيْب عاطرَ الأبدان
فهْي في زينةِ البَغيِّ ولكن ... هي في عفةِ الحَصَان الرَّزان
كادت الأرضُ يوم ذلك تُفشي ... سِرّ بُطنانها إلى الظُهران
فتُحلّي ظهورَها ما يواري ... بطنُها من معادن العقيان
وتُري فاخِر الزبرجد واليا ... قوتَ حَصْباءها بكل مكان
وتبوحُ البحارُ بالدُّرِّ بَوْحاً ... وبما أضمرتْ من المَرْجان
ويُرَدُّ الشبابُ في كل شيخٍ ... ويدِبُّ النشورُ في كل فاني
ويجوز الخريفُ وهو ربيعٌ ... وتَسورُ المياهُ في العيدان
وتُحيّي متونَها بثمارٍ ... يانعاتٍ قطوفهُنَّ دواني
وتُغَنِّيــ الحمامُ بعدَ وجوم ... بفنون اللحون في الأغصانِ
وتعود الرياضُ مقتبلاتٍ ... ناعماتِ الشَّكير والأفنان
حِفلةً بالأمير من كل شيءٍ ... واحتشاداً له من المهرجان
عجباً كيف لم يكن ذاك فيه ... وائتلافُ المياه والنيران
عجباً كيف لم يكن ذاك فيه ... واصطلاحُ الأنيس والجِنَّان
أيهذا الأميرُ أسعدك اللَّ ... هُ وأبقاكَ ما جرى العصران
ليرى المهرجانُ فيك سُلوّاً ... فله فيك أعظم السلوان
إن عداه الربيعُ واستأثر النيْ ... روزُ مــــن دونــــه بــــذاك الأوان
فلَذكرُ الأمير أطيبُ نشراً ... من خُزامى الربيع والأقحوان
ولَكفُّ الأمير أحمدُ منه ... أثراً في النبات والحيوان
ولَوجهُ الأمير أحسُن مما ... يكتسيه من وشيه الألوان
إن عيداً يكون حَلْياً عليه ... يكُ عن كل ما سواك لَغان
ما استبنا فقدَ الربيع عليه ... لا ولا فقدَ صوبه الهتان
ما خلا من محاسن الزهَرِ الغضْ ... ضِ ولا من مَطايب الريحان
ليس فقدُ الربيع ما دمتَ حياً ... يا ربيعَ الأنام بالمستبان
خلَفَتْ كفك الربيعَ فجادت ... بنداها حتى التقى الثَّريان
شَبَّبــ المهرجانَ لهوك فيه ... فغدا من غَطارف الشبان
وكــــذاك النيروزُ رُدَّ عليه ... بك شرخُ الشباب ذي الريعان
ولذكَّرْتَ ذا وذاك جـــــمـــــيــــعــــاً ... سنَنَ الملك في بني ساسان
عُمِرا برهةً على دين كسرى ... وهما الآن بعده مُسلمان
لم يكونا ليرضَيا غيرَ دين ... يرتضيه الأميرُ في الأديانِ
وبعزِّ الأمير في الناس عزَّا ... فيهمُ إذْ هما له موليانِ
فعلا منظريهما هيبةُ العِزْ ... زِ ونور الإسلام والإيمانِ
وأَحَــــبَّاــــك حُبَّ مولىً شكورٍ ... فهما وامقان بل عاشقانِ
كــــل يــــومٍ وليــــلةٍ فَرْطُ شوق ... ونـــــزاع إليـــــك يَـــــطَّلـــــعــــان
فبهذا وذاك حتى لحينا ... غُــــــلَّةً فَــــــوق غُـــــلة الظَّمـــــآنِ
لو أصابا إلى الغِلاط سبيلاً ... غالطا الحاسبين في الحُسْبان
أو يُــــخلَّى عنان ذاك وهذا ... سبَقا موقتيهما في الزمان
ولَوَدَّا إذا هـــــمـــــا بــــك حَــــلّا ... لو يقيمان ثم لا يرحلان
وعزيزٌ عليهما أن يكونا ... عنك لولا الإزعاج يرتحلان
لو أطافا هناك للدهر قسراً ... حارَنا سابقَيْه أَيَّ حِرانِ
ولكادا من التنافس في وج ... هكَ خير الوجوه يجتمعان
ولَهمَّ الوردُ المُظاهَرُ والنَرْ ... جِسُ شُحّاً عليك يلتقيان
وإخالُ الإيوانَ لو كان يسعى ... جاء سعياً إليك قبل الأذان
ولوافاك كي تُمهْرِجَ فيه ... غير أنْ ليس ذاك في الإمكان
وحقيقٌ في الحكم أن يوجِبَ الإي ... وانُ حقَّ ابن صاحب الإيوان
فضلُ مجدِ الأمير في المجد يحكي ... فضلَ ذاك البنيان في البنيان
لا تُخادَع فإنما يومُ نُعْمٍ ... يومُ نُعْم الأمير لا النعمان
لو رآه النعمان أو مَلِكُ النعْ ... مان ما استنكفا من الإذعانِ
زُخرفتْ يوم نُعمه حُجراتٌ ... جِدُّ موطوءةٍ من الضيفان
طال غشيانهم حراها إلى أنْ ... أشكلوا من حُلولها القُطان
حُجراتٌ متَيَّمَاتٌ بناها ... من فضول المعروف أكرمُ باني
لم يكن يبتني المساكن حتى ... يتقن المجدَ أيَّما إتقانِ
فأُذيلت فيها تهاويلُ رَقْمٍ ... قائماتٌ بزينةِ المُزْدان
ثم قام الكماةُ صفَّين من كُلْ ... لِ عظيمٍ في قومه مَرْزُبان
كلهم مُطرقٌ إلى الأرض مُغضٍ ... وعلى سيفه هنالك حاني
هيبةً للأَمير ما منْ عرتْهُ ... بِــــمَــــلومٍ ملامة الهَيَّبانِ
بــــسطَ العُذرَ أَنَّ ذاك مقامٌ ... مثلُه استَوْهل الجريء الجَنانِ
وتجلَّى على السرير جبينٌ ... ذو شعاع يجول دون العيان
يُمْكِنُ العينَ لمحةً ثم يَنْهى ... طرفَها عن إدامة اللحظانِ
فله منه حاجبٌ قد حماه ... كلَّ عينٍ ترومه بامتهانِ
عُقِدَ التاجُ منه فوق هلالٍ ... ليس مثلَ الهلال في النُّقصان
بل هو البدرُ كلّلته سعودٌ ... طالعاتٌ في ليلةٍ إضحيانِ
فاستوى فوق عَرْشِه بوقارٍ ... وبــــحــــلم من الحُلوم الرِّزان
وأصاخت له السماواتُ والأرْ ... ضُ ومن فيهما من السكانِ
ثم قام المُمجَّدون مثولاً ... ضاربين الصدورَ بالأذقانِ
ليس من كبرياءَ فيه ولكن ... كلُّ وجه لذلك الوجه عاني
فَثَنَوا سؤدد الأمير وعَدُّوا ... فـــــيـــــه آلاءه بــــكــــل لســــان
حين لم يجشموا التريُّد لا بل ... ما تعدَّوا ما حصَّلـ الكاتبانِ
جَلَّ ما يحْمِلُ السرير هُناكم ... منه واسمٌ تُقلُّهُ الشفتان
فقضوْا من مقالهم ما قضوْه ... ثم آبوا بالرِّفدِ والحُمْلانِ
بعدما أرتعُوا الأنامل فيما ... لا تعدَّاهُ شهوةُ الشهوان
من خِوان كأنه قِطع الرَوْ ... ض وإن كان في مثال خوانِ
فوقه الطيرُ في الصِّحافِ وحاشا ... ذلك الذي من جفاء الجِفانِ
مارأى مثله ابنُ جُدعانَ لا بل ... ما رأى مثله بنو الديَّانِ
ثم سام الأميرُ سوم الملاهي ... وخــــلا بــــالمُــــدامِ والنُّدمــــان
لا المدامُ الحرامُ لكن حلالٌ ... سُورُ نارٍ يحُثُّها طابخانِ
شارك الخمرَ في اسمها ليس إلا ... أن أداموه مثلها في الدنان
وحكاها في اللون والريح والطع ... مِ ولطفِ الدبيب في الجُسمان
فهو لا خمرَ في الحقيقة لكن ... هو خمرٌ في الظن والحسبان
لن تُلْحه النارُ التي طبختْه ... بل أفادته صِبغةَ الأُرجوان
وقــــيــــانٍ كــــأنها أمهاتٌ ... عاطفاتٌ على بنيها حواني
مُطفِلاتٌ وما حملن جنيناً ... مــــرضــــعــــاتٌ ولسن ذات لَبانِ
مُلقماتٌ أطفالَهُنُّ ثُدِيَّاً ... نــــاهــــداتٍ كأحسنِ الرمَّان
مفعَماتٍ كأنها حافلاتٌ ... وهي صفرٌ من دِرَّةِ الألبان
كلُّ طفلٍ يُدعى بأسماءَ شتَّى ... بــــيــــن عودٍ ومِزْهَرٍ وكِرانِ
أمُّهُ دهرَها تُتَرجمُ عنه ... وهو بادي الغنى عن الترجمانِ
غير أن ليس ينطِقُ الدهرَ إلا ... بالتزامٍ من أمهِ واحتضان
أوتيَ الحكمَ والبيانَ صبيّاً ... مثل عيسى ابن مريم ذي الحَنانِ
فتراه يفري الفَرِيَّ بلفظٍ ... قائم الوزن عادلِ الميزانِ
لو تُسلَّى به حديثَةُ رُزءٍ ... لشــــفى داءَ صدرها الحَرَّان
عجباً منه كيف يُسلي ويُلهي ... مع تهييجه على الأشجان
يُذْكر الشجوَ مُسلياً عنه والسلْ ... وانُ ممَّاــ يكون في النسيانِ
فترى في الذي يُصيخُ إليه ... أَمــــراتِ المــــحزون والجَذلانِ
لو رقا المُخبتين أصغوا إليه ... ولجــــرُّوا له ذيول افتتانِ
يعتري السامعين منه حنين ال ... نيب فرَّقتَهُنَّ بعد اقترانِ
أو حنِينُ العُوذِ الروائم بالدهْ ... ناء أفردتهنَّ من جيرانِ
فكأنَّ القلوبَ إذ ذاك يَذْكرْ ... نَ عــــهــــوداً لهــــنَّ في أوطانِ
فنفثن السماعَ في أذْنِ خِرق ... أريحيّ عليه ثَرِّ البنان
وتَغنَّته بالمدائح فيه ... كلُّ غيداء غادة مِفتانِ
ذاتِ صــــوتٍ تَهزُّه كيف شاءتْ ... مثلَ ما هزَّتْ الصبا غصنَ بان
يتثنى فينفُضُ الطلَّ عنه ... في تثنِّيه مثلَ حبِّ الجمان
ذلك الصوتُ في المسامِع يحكي ... ذلك الغصنَ في العيون الرواني
جَهْوريٌّ بلا جفاءٍ على السَّمْ ... ع مــــشــــوبٌ بِغُنَّةِ الغِزلان
فيه بَمٌّ وفيه زِيرٌ من النَغ ... مِ وفيه مَثالث وَمَثاني
فتراهُ يَجلُّ في السمع حيناً ... وتَــــراه يَــــدقُّ فــــي الأحيان
رخَّمــــتْهُ ورقــــرقته وضاهَى ... فعلَها الأحمران والأسمرانِ
فهو يحكي ترقرق النِّهْيِ في الري ... ح لعينيْ ذي غُلَّة صديان
يلِجُ السمعَ مستمرّاً إلى القل ... بِ بــــــلا آذِنٍ ولا اســـــتـــــئذان
غير مبهورةِ المراجيع كلّا ... إنَّما البُهرُ آفةٌ في السِّمان
ليس تخفي أنفاسُها أنَّهَا أن ... فاسُ مهضومة الحشا خُمصان
بين خلقِ الضئيلة الشَّختةِ الجسْ ... مِ وخلق الثقيلة المِبْدان
فهي كالسابق المُضمَّر يجري ... لاحق الأَيْطلين غَوْجَ اللَّبان
صِيغَ من طَبْع صوتها كلُّ لحن ... معها من لحون تلك الأغاني
مثل ما صيغ لحنُ ساق وحُرٍّ ... من طباع الحمامة المِرنان
فأقام الأميرُ في ظل يومٍ ... فيه من كلِّ نعمةٍ زوجَان
أعــــجــــمــــيٌّ آيــــيــــنُه عربيٌ ... مجدُه ينتمي إلى عدنان
بمَحلٍّ ترودُ عيناهُ منه ... بين مرعى الظباء والحيتان
وأفاد الجُلّاس من سيْب كَفَّيْ ... هِ وألفــــاظِه الصِّيــــاب الرصــــان
وكذا من ذكَتْ أياديه كانت ... للمفيدين منه فائدتان
يا ابنَ سيف الملوك طاب لك العَيْ ... شُ بــــرغــــم العدو ذي الشَّنآن
قد لعمري أَنَى لمثلِك أن ينْ ... عَمَ تحت الظلال والأكنان
إن تُصِبْ يومَ لذَّةٍ فبيومٍ ... بعد يوم شهدته أرْونانِ
فالْهُ في المهرجان لهو مُريح ... مُـــــســـــتَــــجِــــمٍّ لذلك الدَّيْــــدانِ
حان أن يستريحَ عَودُ المعالي ... ويُــــرى وهو ضاربٌ بالجِران
أصلح الآلةَ التي لستَ تنفكْ ... كُ تقاسي بها العلا وتُعاني
فــــبــــحــــقٍّ أقول إنَّ من الإحْ ... ســــان إصــــلاح آلةِ الأحــــســــان
لا عدمناك ساقياً ترك السَقْ ... يَ لشَــــدِّ الدلاءِ بــــالأشــــطــــان
ريثَ ما استحكمتْ له ثم أدلى ... دلوه فاستقى بها غيرَ واني
إن تُثب جسمَك النعيم فبالإتْ ... عابِ في حالِ راحة الأبدان
وبحمل الثِّقلِ الثقيل عليه ... يــــومَ غُرم ويومَ حربٍ عَوان
أو تُثب عينَك الإجالة في نُزْ ... هةِ وجهٍ يروق أو بستان
فبإغضائها عن السوءِ والفح ... شاءِ والذنبِ حين يجنيه جاني
ومراعاتها حِمى الدين والمُلْ ... كِ إذا طاب مرقَدُ الوسنان
وبما لا تزال تُقْذى إلى أن ... تتجلَّى خَصاصةُ الإخوان
شهدَ المجدُ أَنَّ هاتيك عينٌ ... حَقُّ عينِ المحافظ اليقظان
وقَليلٌ لمثلها أن تُلَهَّى ... بالبساتين والوجوهِ الحسان
أو تُثِبْ أذْنَك السماعَ فأدنى ... حقِّ إصغائها إلى اللهفان
وبما لا يزالُ يقْرعها في ال ... حرب وقعُ السيوف والمُرَّان
أُذنٌ منك قَلَّ ما تدع العَلْ ... ياءُ فيها فضلاً لشدوِ القيان
يا لها مِنْ جَوارحٍ مُعملاتٍ ... مُتْعَباتٍ في طاعة الرحمن
حقُّها لو يُسلَّفُ المحْسنُ الجَنْ ... نَةَ تَسليفَها نعيمَ الجِنانِ
كُلَّ يوم لنا طلائعُ منها ... ترقبُ الدهرَ غارة الحدثان
نحن ما حاطنا بها اللَّه نَرْعى ... في طمأنينةٍ وظل أمان
مُلِّيتْكَ الملوكُ سَيْفَ جلادٍ ... وعصا رِعيةٍ ورمحَ طِعان
أنت راعي الرُّعيان طوراً وطوراً ... أنت راعي رَعيّة الرُّعيان
قد كَفيتَ الرِّعاءَ والشاءَ طورَيْ ... عَــــــدواتِ الأســـــودِ والذُّؤبـــــان
ولَعمرُ المغَنّياتِك في مَدْ ... حكَ ما قلن فيك من بهتان
ما تَغنّينَ في مديحك إلا ... ما تغنَّتــ عصائبُ الرُّكبان
لم يكن يَرتَضيه سمعُك للصن ... عةِ حتى يسير في البلدان
ولَشعرٌ فيه مديحُك أحلى ... من رقيق النسيب في الألحان
ولعــــمــــري وما أقولُ بظنٍّ ... فيك لكن بغاية الإيقان
ما احتبيْتَ السماعَ والشعرَ وجداً ... بالغواني ولا بوصف المغاني
بل لأن السماع والشعر قِدماً ... بالندى آمران مؤتمران
وعلى كل سُؤدد مِن حِفاظٍ ... ووفـــــاءٍ ونـــــجــــدةٍ حــــاديــــان
يُعجبان الكريمَ جداً وليسا ... من شؤون الهلباجة المِبْطان
هل ترى ما أرى سَراةُ مَعَدٍّ ... وصناديدُ أختها قحطان
إن تلافيتَ مجدَهم بعدما شَذْ ... ذَ فــــأضــــحــــى مُدوَّنَ الديوان
ولقــــد كــــان أهلُه ضيعوه ... وأحــــلُّوه مــــنــــزلَ الهِــــجــــرانِ
لبثَ الشعرُ حقبةً وهو مُقصىً ... عندهم نازلٌ بدارِ هوان
فَبذلتَ الطريفَ فيه مع التا ... لد واخترته على القُنيان
وتتبَّعته وقد عاد فَلا ... قى أَقاصي البلاد بعد الأداني
ورعيتَ العلا على كل حيٍّ ... رعْيَ لا مُغفلٍ ولا متواني
لا لقُربَى ولادةٍ جمعتكم ... أينَ لا أين يَلتقي النَسَبان
بل تأوَّلتُ أن كل شريفَيْ ... نِ بــــعــــيدي قَرابةٍ أخوان
إن يكونوا أباعداً فالمعالي ... نَسبٌ بينهم وبينك داني
لا فقدناك يا حفيظ حفيظِ ال ... مجْد ما لاح في الدجى الفَرقدان
أصبح الشعر شاكراً لك دون ال ... ناس نعماءَ مُنعمٍ محسان
أنت ترعاه وهو يرعى بك المج ... دَ فيا بِئس ما رَعى الرَّاعيان
كل مدحٍ قد قيل في الناس قِدْماً ... لك فيه بحَقِّكـــ الثُّلثان
وبهذا قضى لك الشعرُ شكراً ... لك يا خير قَيِّمٍ ومُعاني
فمديحُ الملوكِ في آل نصرٍ ... ومديحُ الملوك من غسان
ومديح الملوك من آل حرب ... ثم من بعدِهِم بني مروانِ
ومديح الممدَّحين من النا ... سِ جيمعاً في كل حينٍ وآن
لك فيه دون الأُلى ورِثوهم ... من سهامٍ ثلاثةٍ سَهمان
فيك قالت أئمَّةُ الشعر ما قا ... لت بــــلا رؤيــــة ولا لُقــــيــــان
كامرئ القيس قَرْمِهِم وزُهيرٍ ... وزِيــــادٍ أخــــي بني ذبيانِ
وكــــأوسٍ فصيحِهم ولبيدٍ ... وعــــبــــيدٍ أخي بني دُودان
كلُّهم بالمديح إياك يَعْني ... كانياً عنك كان أو غير كاني
فكأنْ قد شهدت كُلَّ قديم ... وبكم قد تفاوتَ الحَرسَان
كم قريضٍ في مدحِ غيرك أضحى ... لك مــــعــــنــــاه واسمُه لفلان
أنت أولى به بحكم القوافي ... من نؤومٍ عن المعالي هَدان
أين معطي رواةِ مدحِ سواهُ ... من مُثيب المُدَّاح بالحرمان
بُوعِدَ البينُ بين هذين جِداً ... كــــل بُــــعــــدٍ وخولف النَّجْران
إنّ مــــن هــــزَّه مــــديــــحُ ســــواهُ ... للسَّدى والنـــــدى لَغَـــــيــــرُ دَدان
لست أدري ثناك أحلى على الأف ... واهِ أم ســـــمـــــعُه عــــلى الآذان
فيك أشياءُ لو وُجدن قديماً ... نظمتْها الملوكُ في التيجانِ
ليس للمادحين فيك مديحٌ ... فيه دعوى لهم بلا بُرهان
أي فخرٍ أم أيُّ مجد رفيع ... لم تكن من سمائِه بعَنان
لو يُجارَى سُكَيْتُ شأوِك أعيا ... كــــلَّ طِــــرف وفات كل عِنانِ
لك في البأس والندى عَزماتٌ ... جثماتٌ أمضى من الخِرصان
كلُّ مرعى سوى جنابِك يُرعَى ... فهْو مرعى وليس كالسَّعدان
لا سؤالٌ من بعد رِفدك إلا ... كالزنا بعد نعمةِ الإحصان
لك مما يُعدي على كل دهر ... إمرةٌ غيرُ إمرةِ السلطان
ليس يجْبي أميرُها المال لكن ... يجتبي حمدَ من حوى الخافقان
فبعدواك يَرْهبُ الدهر عنا ... بعد تصميمه على العُدوانِ
أنت ذو الإمرتين لا شكَّ فيه ... فهنيئاً دامت لك الإمرتان
منك ما كان طاهرٌ ذا يمينَيْ ... نِ يفوقان سائر الأيمان
وجديرون أن تكون لكم من ... كــــل مــــجــــدٍ وســــؤددٍ كِفْلان
أنت كهل الكهول يوم ترى الرأ ... يَ ويومَ الوغى من الفتيان
لك رأيٌ كــــــــأنـــــــه رأي شِـــــــقٍّ ... أو سطيحٍ قَريعَي الكُهان
تستشفُّ الغيوبَ عما يواري ... نَ بعينٍ جَليّة الإنسان
لك جهلٌ في غير ما خفَّةـ الجَهْ ... لِ وحلمٌ في غير ما إدهان
وسكونُ الشجاع حين يداهي ... ك مُــــداهٍ وســــورةُ الأفْــــعُــــوان
قــــلت للسائلي بمجدك أَنَّى ... خفيتْ عنك آيةُ التِّبْيان
أنت لولا سفالُ كعبِك بادٍ ... لك شُمروخُ ذي الهِضاب أَبان
فإذا شئت أن تراه فأنجِدْ ... في أعالي نظيرهِ ثَهْلان
ليس منه الخمولُ بل منك والأط ... وادُ تخفَى عن خاشعاتِ القنان
حَسْبُ جُهّالِه عليه دليلاً ... أنه الفردُ ليس يَثْنيه ثاني
ليس ممن يضلُّ في الدَّهْم حتى ... يُبتَغى بالسؤال والنِّشدان
هو شمس الضحى إذا ما استقلَّتْ ... لا تمارِي في ضوئها عينان
وله إخــــوة شــــآهم إلى المَجْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المهرجان: هرج: الهَرْجُ: الِاخْتِلَاطُ؛ هَرَجَ النَّاسُ يَهْرِجُون، بِالْكَسْرِ، هَرْجاً مِنَ الِاخْتِلَاطِ أَي اخْتَلَطُوا. وأَصل الهَرْج: الْكَثْرَةُ فِي الْمَشْيِ والاتساعُ. والهَرْجُ: الْفِتْنَةُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. والهَرْج … (لسان العرب)
- الهجان: هجن: الهُجْنة مِنَ الْكَلَامِ: مَا يَعِيبُك. والهَجِينُ: الْعَرَبِيُّ ابنُ الأَمة لأَنه مَعِيبٌ، وَقِيلَ: هُوَ ابْنُ الأَمة الرَّاعِيةِ مَا لَمْ تُحَصَّنْ، فإِذا حُصِّنَتْ فَلَيْسَ الْوَلَدُ بهَجينٍ، وَالْجَمْعُ هُجُنٌ و … (لسان العرب)
- ببغضك: بغض: البُغْض والبِغْضةُ: نَقِيضُ الْحُبِّ؛ وَقَوْلُ سَاعِدَةَ بْنِ جُؤَيَّةَ: وَمِنَ العَوادِي أَنْ تَفُتْك بِبِغْضةٍ، ... وتَقاذُفٍ مِنْهَا، وأَنّكَ ترْقُب قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فَسَّرَهُ السُّكَّري فَقَالَ: بِبِغضةٍ بِق … (لسان العرب)
- بجيدها: جيد: الجِيدُ: الْعُنُقُ، وَقِيلَ: مُقَلَّده، وَقِيلَ: مقدَّمه، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى عُنُقِ المرأَة؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ فِعلًا وفُعْلًا، كُسِرَتْ فِيهِ الْجِيمُ كَرَاهِيَةَ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ، فأَ … (لسان العرب)
- بهرام: بهرم: بَهْرَمَةُ النَّوْر: زَهْرُه؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ. والبَهْرَمَةُ: عِبادةُ أَهلِ الْهِنْدِ. قَالَ الأَصمعي: الرَّنْفُ بَهْرامَج البرِّ. والبَهْرَم والبَهْرَمان: العُصْفُر، وَقِيلَ: ضرْب مِنَ الْعُصْفُرِ؛ وأَنشد ابْن … (لسان العرب)
- خلقها: خلق: اللَّهُ تَعَالَى وتقدَّس الخالِقُ والخَلَّاقُ، وَفِي التَّنْزِيلِ: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ؛ وَفِيهِ: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ وإِنما قُدّم أَوَّل وَهْلة لأَنه مِنْ أَسماء اللَّهِ جَل … (لسان العرب)
- شاءت: شأت: الشَّئِيتُ مِنَ الْخَيْلِ: العَثُورُ، وَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ يَتَصَرَّفُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَقْصُر حافِرا رِجْلَيْه عَنْ حافِرَيْ يَدَيْه؛ قَالَ عَديُّ بنُ خَرْشَةَ الخَطْميُّ، وَقِيلَ هُوَ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنصار … (لسان العرب)