حوار مع الخليل
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
الخليل بن أحمد"يبدو في صدر المكان، مهيباً، أليفاً، تنتشر
حوله أكداس من الرسائل والصحف يرفع بصرهعن جريدة في يده..."
***قَرأْتُ الجريدةْ..*
قرأتُ الكلامَ الذي تنشُرونْوشِعراً تُسَمُّونَ ما تكتبونْ
عمودانِ.. لا سَجْعَةَ الكاهنِلمحتُ.. ولا خِفّةَ الماجنِ
ولم أتبيّنْ تُخُومَ القصيدةْ*
أُزحْزِحُ عن ناظِريّ السُجُفْأُطِلُّ على عَصْرِكم يا بُنَيّ
أُطِلُّ وأسألُ عن كل شيءْوأقرأُ.. أقرَأُ كلّ الصُحفْ
*بُلِينا قديماً بِمَدِّ النَظَرْ
نُفَتِّشُ حتى حفيفَ الشجرْنُقَلّبُ كلّ رمال الفلاةْ
نَمُرُّ عليها حصاةً.. حَصَاةْنُسائِلٌها أبداً عن خَبَرْ
ونَرْجِعُ حيناً بلَفْحِ الهجيرْوحَرِّ السعيرْ..
ونَزْرٍ من الزادِ، نَزْرٍ يسيرْولكننا لا نَمَلُّ السفَرْ
*أشِعراً تقولون؟
هذي الجريدةرُموزٌ عنيدةْ
أَغُوصُ على السرّ مُنذُ الصباحْفلا النورُ ذَرّ، ولا السرُّ باحْ
مُعقّدةٌ أُحْجِيَاتُ الشبابْأماءٌ وراءَ الدُّجى أم سرابْ؟
أرَوْضٌ تمنّعَ لا يُستَباحُلِذي بَصَرٍ؟ أم يَبابٌ يَبابْ؟
سأُعِمِلُ فكريسأجتازُ عصري
أُغلغِلُ في هذه الأغنيةْأسافِرُ في تِلكُمُ الأُحجيةْ
لعلّي أُمزّقُ هذا الضبابْأُحبُّ الطُّموحَ، أُحِبُّ الشبابْ
...الشاعر: أبا المنشدينَ.. وميزانهمْ
اذا هزّتِ الريحُ ألحانهُمْوضاعتْ .. وضاعوا
فأنتَ الشراعُوأنتَ السفينةْ
وبابُ المدينةْنَحومُ على كلّ دربٍ جديدةْ
ونبقى ضُيوفَ الخِباءِ العتيقْقوافلُ عطْشَى.. وأنتَ الطريقْ
وفي الخيمةِ الأمّ تبقى القصيدةْ*
عفاريتُكَ الطامحونَ الشبابْيُريدونَ هذا الدُّجى والضبابْ
يريدونه ألفَ لونِ ولونْوليس يَهُمُّهُمْ ما يَرَونْ
يقولون في فَوْرةٍ من غَضَبْيقولون: مَلّتْ يدانا الخَشَبْ
نُسمّيهِ ورداً وعِطراً ونضرةْلِيَمْشِ على اليابسينَ اللهبْ
ليمشِ اللهبْ..لعلّ ربيعاً جديداً يمورُ..
وراء القبورِ..بأرضِ العربْ..
*أبا المُنشدينَ العِطاشِ الصغارْ
سَئِمْنا النهارْسئِمنا: "تعلّمْ يا فتى فالجهلُ عار."
سئمنا سُكونَ الضحى والهجيرْ..ومات الغدير
لألفٍ خلونَيقول الصغارْ — تَيبّسَ في القَفْرِ، ماتَ الغديرْ
فدَعْهُمْ يلوبونَ خلفَ الصقيعوخلفَ جريرٍ، وخلف الفرزدقْ
وألفِ جدارٍ أنيق مُزَوَّقْهَوى، وانطوى، رُبّ حلمٍ تحققْ
وعادوا بزنبقةٍ من ربيعْ...
الخليل: "ماتزال الجريدة في يدهيلقي عليها نظرة من حين
إلى حين.."قرأتُ الجريدةْ.
وما زِلتُ أسألُ: أين القصيدةْ؟وما زالَ ظِلّ الجدارِ العتيقْ
على شُرُفاتِ الزمانِ السحيقْأرقّ وأندى
وأكرم وِرْدايَهُزُّ النيامَ، يُنادي العطاشَ،
يديرُ على الشاربينَ الرحيقْ*
خذوا يا بُنَيّ شِعابَ الظلامْودُقّوا خطاكم بأرضِ الغرابةْ
لعلَ سحابةْمن الغيبِ تُمْطِرْ
فتخْضَرّ هذي الصحارَى وتُزْهِرْولكنَ في الشعرِ سِراً ينامْ
يُفيقُ اذا أومأتْ إصْبَعُيُفيقُ اذا مَسّهُ مُبْدِعُ
وكُنا لنَبْرتِهِ يا بني.. نصليلبيتٍ اذا هزّنا نركعُ
...الشاعر: بيانٌ مُوَشّى..
يقولُ الشبابْ..بيانٌ موشّى
بأعصابنا ألفَ جيلٍ تمشّىودقّ البيارِقْ
على كلّ خافقْوعِشْنا، ومِتنا، أَسارَى النَّغَمْ
عبيدَ "إلهٍ" يُسمي: القِدَمْفهلا أذِنتم لريشِ التحدي
يطيرُ.. ويحطم هذا "الصنمْ"...
الخليل: "يرمي الصحيفة من يده، يعلو صوته قليلاً ولكنه يظلهادئاً وقوراً:"
أحبُّ الطُّموحَ، أحبُّ الشبابْأخشى على اللاهثينَ السرابْ
خلعتمْ من العودِ أوتارَهُفيا حَطَباً .. قيلَ عنه: ربابْ!
"إلهُ" التراثِ.. "إلهُ" القِدَمْعدوّ الهُزالِ، عدوُّ السقمْ
عدوّ الفراغِ الذي يُغِرِبُعدوُّ الغمامِ الذي يكذبُ
وكنا لهدرتهِ.. يا بنيْنُصلّي.. ونمنحُهُ كل شيْ
أُحِبُّ المُعافىمن الشعرِ والنثرِ،
أهوى المُعافىقرأتُ الكلام الذي تنشرونْ
تملّيتُ هذا الذي تُنْشِئُونْهياكلُ .. ألمسها مشفقاً
هياكلُ يرزحنَ جوفاً عجافادعوا الليلَ يأكلُ أجفانكم
على الحرفِ أبيضَ أو أصفراعلى النبرةِ البكرِ شُدُّوا العيونَ
وجوسوا على الصعبِ قلبَ الثرىجُذوركُمُ عندنا، والربيعُ
سيولدُ من قبرنا أخضرالبيتٍ سجدنا.. فهل بينكمْ
جبينٌ على نغمةِ عُفِّرا؟...
الشاعر: أبا الشعرِ.. سُقْتُ إليكَ الظّماحواراً، وما أنا بالشاعر
سناناً أقاتلُ موتي بهأغيرُ على القدرِ القاهر
حملتُ النشيدَ.. وفجّرتُهُأهازيج في الموكب الهادر
أُعِيرُ به قدماً للكسيح،أصبُّ به الضوءَ في الناظر
أفتشُ عن أهليَ الضائعينَبكل الذي مرّ في الخاطر
بكل القوافي، بكل البحورِ،بماضي "التفاعيل" والحاضر
بأحدَثِ ما يستطيعُ الأداءُ،بأعتقِ لحنٍ من الغابرِ
...أفتّشُ عن طفلةٍ في الظلامِ
واكتبُ عن جوعها الكافرعن الطين في قريتي، عن شريدِ
ينازع في الملجأِ العاشرملايين لم نعطهم في العراء
سوى الذلّ والضجةِ العاقرملايين يزدردون البيانَ
على قلمي بالفم الساخرملايين ترشحُ أسمالٌهم
تفاعيلَ ليلٍ بلا آخرملايينُ.. من بؤسهم ريشتي
ومنهم صدى صوتي الثائرِهُمُ الشعرُ في عصبي، في دمي
هُمُ الهمُّ، هُمْ زَفْرةُ الزافرِلميلادِهمْ قلتُ ما قلتُهُ
وبشّرتُ بالألمِ الظافرِوعنهمْ حملتُ إليكَ الشَكَاةَ،
فهل أنت يا سيدي عاذري؟سِنَانٌ.. أُقاتلُ موتي به
سِنَانٌ .. وما أنا بالشاعرِ_____________
* تعمد الخليل أن يتحرر من شكل القصيدة القديمة في هذا الحوار لأن القديم في رأيه.. لا يمنع التطور ولا يحول دون التجديد.
عن القصيدة
«حوار مع الخليل» من شعر سليمان العيسى، من العصر الحديث، وتقع في ٩٠ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.