بغداد تمزّق القيد
الشاعر: سليمان العيسى · البحر: المنسرح
«بغداد تمزّق القيد» من شعر سليمان العيسى، من العصر الحديث، وتقع في 92 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
شدِّي على قُبَلِ العناقِ ... شُدِّي ، فلن يَرويَ اشتياقي
ظَمَئي كغُلَّتك الرهيبةِ ، ... واحتراقكِ كاحتراقي
شدِّي على شفتيَّ يا ... بغداد ، زلزلني التلاقي
غيبي معي في قبلةٍ ... نصْهَرْ بها أبد الفراقِ
بغداد ، هذي أنتِ ، بعد ... الصمت ، والحُجُبِ الصفاق
واليأسِ ، والعَتماتِ ، مرٌ ... ذكرها .. مرّ المذَاقِ
أنا لست في حُلُم ، فهذا ... الزند محلول الوثاقِ
الراعد الجبّار صوتك ، ... والمذيع من الرفاق
بغداد تقتلع السدودَ ، ... وألف فجرٍ في انطلاقِ
الفارس العربيُّ .. موجي ... يا ميادين السباقِ
ضمِّي حوافرَ مهرهِ ... وتَنشّقي ارجَ العتاقِ
عاد العراق .. ليسحقَ ... الاغلال إعصارُ العراقِ
عاد العراق .. لِيَمْلأ ... الميدان ، محطومَ الوثاقِ
... ... ألرعدُ الجبّار من
بغداد ، والفجرُ الحبيبُ ... نفض النيام ليرقصوا ،
ليعانقوه ، ليستجيبوا ... الثورةُ انطلقت ، وهزّ
الدار مذياعي القريبُ ... وتعلقت بالنبرة السمراء ،
بالنبأِ القلوبُ ... لا سجن بعد اليوم ، دُكّ ،
تحطّمَ السجنُ الرهيب ... لا قيدَ ، لا اغلالَ ، قهقه
أيها الفجر الخضيب ... المجرمون على النعال ،
يجرُّهم موجٌ غضوبُ ... تحت النعال .. كذاكَ
تُنهي قصةَ الغدر الشعوبُ ... للموت مملكةُ العنيد ،
وعهدها الدامي الكئيبُ ... للموتِ يا بغداد ، قاعُ
جهنّمٍ عَطِشٌ رحيبُ ... الظلمة العمياء يَرقُص
فوقها صُبْحٌ طَروب ... والغصّة السوداء عرسٌ ،
ما لسكرته غُروب ... شُدِّي على قُبَلِ العناقِ
فكل جارحةٍ وجيبُ ... عاد العراق .. وهذه
نَبَراته بدمي لهيب ... ...
يا صيحة الصباغ* ، يا ... دمهُ الزكيّ على الصعيدِ
يا ثأرَ يونسَ* ، والدّمُ ... العربي مَبْخرةُ الخلود
يا شهقةَ الشهداء ، بين ... النار تزأر ، والحديدِ
يا موكبَ الأبطالِ في ... بغداد ، يا سُمرَ الفهودِ
يا صافعين على المشانقِ ... زهْوَ تيجان "العبيدِ"
شقّوا القبور، تطَلّعوا! ... بغداد تُبْعثُ من جديد
كحّلْ جفونك يا صلاحَ ... الدين بالفجر الوليدِ
وانظرْ ، دماؤك في نشيد ... الثأر عنوانُ النشيدِ
انظُرْ .. هنا صُلِب الشهيدُ ... فمن ترى بعد الشهيد؟
ماذا على مبنى الدفاع ، ... وعَبْرَ ساحاتِ الرشيدِ ؟
موجٌ ، كقاصفة الرعود ، ... بَلَى ، كقاصفةِ الرعودِ
ونثأرُ أشلاءِ الخيا ... نة تحت أقدام الحشود
والعرشُ ، عَرشُ العار ، ... أنقاضٌ على جَنباتِ عيدِ
يا ثأر يونُسَ ، يا دمَ ... الصبّاغ ، يا أرضَ الجدود !
عودي ، تمزّقتِ السدودُ ، ... وطُهِّرت بغداد ، عودي !
... ... زغرِدْ : هنا بغداد ، واصدَحْ
أيها الفجرُ المندّى ! ... واحمل على رَعْشِ القلوب
دويَّ ثورتنا المُفَدّى ... نامت أعاصيرُ العراقِ ،
وطالَ ليلُكَ واستبدا ... وتنَمّرَ السفّاحُ ، يوسعُ
بارقاتِ النور وأْدَا ... صحراؤنا أدْرَى متى
تنْفَضّ عاصفةً ، وتهدا ... يا روعة الأحرار .. هَدّوا
قلعةَ الإرهابِ هَدّا ... ومضوا يُضيئون الدروبَ ،
ويمْهَرونَ الساحَ مَجْدا ... زمْجر : هنا بغداد فالْ
بُرْكانُ بالبركان يُحدَى ... الفرحة الكبرى .. أتعرف
في غمارِ النصر حدّا ؟ ... الشام أغنيةٌ تضجّ ،
وتلتقي حشداً فحشدا ... والنيل .. يا للخُلْدِ ، عانَقَ
في ذرى التاريخ خلدا ! ... عرسُ العروبة، مُدّ سَكْـ
ـرَتَهُ وراءَ البيدِ مُدّا ! ... لُمّ الجزيرةَ يا نداءَ البعثِ ،
غائرةً ، ونجدا ! ... واركُزْ على قمم "العرائس"
من بنود النصر بَنْدا ... زغردْ : هنا بغداد ، واشْ
ـدُدْنَا على النبرات شدا ... الفرحة الكبرى .. وموتي
يا ذئابَ الأرضِ حقدا ! ... ماذا على الشط الجميلِ ،
وأين مني الضفتانِ ؟ ... أأغيب عن هزَج الجموع
وعن هديرِ المهرَجانِ ! ... للشعب سكرتُه ، ولي
في عرس دجلة سكرتانِ ... ما زلتِ يا بغداد أبْيَاتاً
تعربد في لساني ... ما زال سحرُ الضفتين ،
لهيبَ شوقٍ في كياني ... ويكادُ يحضُنُني الشراع ،
لو التقينا .. لو رآني ... رجّعْتُ ملحمة الشباب
على شواطئكِ الحسان ... وقبَسْتُ من إعصاركِ
العربي جَمْرَ العنفوانِ ... وحملت نارك في دمي
فوق الحواجزِ والزمان ... فوق الحدود .. أحسّها
نصْلاً تسَمّرَ في جناني ... مدِّي يديك ، تقوّضتْ
دنيا الجريمة في ثوانِ ... مدِّي يديك .. يَلُفّنا
عبقُ البشائر والاغاني ... عاد العراقُ .. فللرشيدِ
مع الغمائم همستانِ ... ولخيلِ "عُقبةَ" وقفةٌ
عند المحيط .. بلا عنانِ ... مهلاً حماةَ الليل ،
إنّا في غدٍ متلاقيانِ ... لن تُرْهِبَ القدَر المصممَ
غضبةُ اللص الجبانِ ... ...
أي الجرائم في شواطئنا ... تفحّ على الطريقِ ؟
ماذا تريد رواعد الإجرام ، ... والبَغيِ العتيقِ
ماذا يريد الحاقدون ... على انتفاضات الشروقِ
السافكو دمنا ، حمَاةِ ... الغدر ، تجّار الرقيقِ
ماذا برأس المجرمين ؟ ... وخلف لعلعةِ البروق
الحرب ؟ هيّأنا القبور ... لكل نخّاسٍ صفيق
قسَماً لتنفجرنَّ هذي ... الأرض بالحقد العريقِ
ولنَجْعَلَنْ جثث اللصوص ... بظهرها حطبَ الحريقِ
ليجُسّ عودَ "الضاد" ... بعد اليوم قطّاعُ الطريق !
... ... ذوقي رحيقَ النصر يا
بغداد ، ملءَ الكأس ، ذوقي ... إنّا كما شاء الهوى
لهبٌ على العهد الوثيقِ ... رقدت صعاليك العروشِ
بظلمة المهوى السحيق ... وتهيأ الزحف العظيم ،
فيا ملاعبنا أفيقي ! ... رايات اسمرنا على
الفيحاء ماردة الخفوق ... _____________
* الشهيد صلاح الدين الصباغ. ... * الشهيد يونس السبعاوي.
البحر والقافية
القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.
تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الراعد: رعد: الرِّعْدَة: النَّافِضُ يَكُونُ مِنَ الْفَزَعِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ أُرْعِدَ فارتَعَدَ. وتَرَعْدَد: أَخَذته الرِّعْدَةُ. وَالِارْتِعَادُ: الِاضْطِرَابُ، تَقُولُ: أَرعده فَارْتَعَدَ. وأُرْعِدَت فَرَائِصُهُ عِنْدَ الْفَز … (لسان العرب)
- الزند: زند: الزَّنْدُ والزَّنْدَةُ: خشبتان يستقدح بهما، فالسفلى زَنْدَةٌ والأَعلى زَنْدٌ؛ ابن سيده: الزَّنْدُ العود الأَعلى الذي يقتدح به النار، والجمع أَزْنُدٌ وأَزْنادٌ وزُنودٌ وزِنادٌ، وأَزانِدُ جمع الجمع؛ قال أَبو ذؤيب: أَق … (لسان العرب)
- الصفاق: صفق: الصَّفْق: الضَّرْبُ الَّذِي يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ، وَكَذَلِكَ التَّصْفِيقُ. وَيُقَالُ: صَفَّقَ بِيَدَيْهِ وصفَّح سَوَاءٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: التسبيحُ لِلرِّجَالِ والتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ؛ الْمَعْنَى إِذا نَابَ الْمُص … (لسان العرب)
- العناق: عنق: العُنْقُ والعُنُقُ: وُصْلة مَا بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُمْ عُنُق هَنْعَاءُ وعُنُق سَطْعاءُ يَشْهَدُ بِتَأْنِيثِ العُنُق، وَالتَّذْكِيرُ أَغلب. يُقَالُ: ضَرَب … (لسان العرب)
- المذاق: مذق: المَذِيقُ: اللَّبَنُ الْمَمْزُوجُ بِالْمَاءِ. مَذَقَ اللبنَ يَمْذُقه مذْقاً، فَهُوَ مَمْذوق ومَذِيقٌ ومَذِقٌ: خَلَطَهُ؛ الأَخيرة عَلَى النَّسَبِ، والمَذْقةُ الطَّائِفَةُ مِنْهُ. ومَذَقَهُ ومَذَق لَهُ: سَقَاهُ المَذْ … (لسان العرب)
- الوثاق: وثق: الثِّقَةُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ وَثِقَ بِهِ يَثِقُ، بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، وِثَاقَةً وثِقَةً ائْتَمَنَهُ، وَأَنَا واثِقٌ بِهِ وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَهِيَ مَوثوقٌ بِهَا وَهُمْ مَوْثُوقٌ بِهِمْ؛ فأَما قَوْلُهُ: إِلَى غَ … (لسان العرب)