أحلام القدماء
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أحلام القدماءتلك التي تفعمني برائحة
الموتى في السريرأراهم يختالون في حدئقهم المليئة
بالسناجبفي غسق المقابر
مشيرين إليّ بضراعةٍ وعنفأن التحق بالقافلة
رغم عواء كلبها الجريح.وربما غير ذلك
لا أكاد أتبيّن الاشاراتفي ظلام المقابر الدامس.
****عيونهم مَغْمضَة قليلا
يضطجعون على الخاصرةيفتحون جزءاً منها
كأنما ثقل التراب على الجسدأحزنهم قليلا
وغياب الأحبةيتذكرون ميلادهم
في صرخة مباغتةولا يفكرون بالقيامة.
****يتذكرون الدنيا
بأوجه شاحبةوقلوب مكلومة
كأنما مرّت عليها عربات جلادين.الطرقات وقد شاخت
تحت أقدامهممفعمة بروائح الأجساد التي انهكوها كثيرا
مَسُوقين برغبة الزوالالزوال الذي لم تساومهم عليه الحياة
التي ساومت في كل شيءربما رغبة في التجديد
رغبة في الخلاصعرين الأسرار الأزليّة
يفقس بيوضه في السلالاتالتي تجرجر أثقالها من فيضان
الى آخر.مسوقين بالرغبة نفسها
التي لا تشيخ مع الأحقابالموتى الذين لا يتذكرون موتهم
ويتذكرون الغيمة التي تنزل مع المساءعلى الأسطح والجبال
وعلى مراوح النخيل.****
تلك قصارى أيامهمينزل المطر على الصحراء
يصغون لثغاء الماعزوالطيور المهاجرة التي دمّرها التعبُ
فانسكبت في حياض الصحراءيصغون الى حنينهم
ينفجر مع البرق، صواعقَتقصف الطرقات
لبكاء أطفالهم الذين لم يولدواللبهجة تعبر رؤوسهم نحو سَمَر بعيد.
للطفولةيتسلقون ظلالها في الردهة
المظلمةلعفاريت البيت القديم
ومطاريح المياه.****
وروت القابلات حكايات عن طفولتهمونائحات الخرافة بالأجرة
حكايات بددها النسيانوبقيت مِزَقاً كالأجنة الميّتة في الأرحام.
حكايات ليست عن قوم عاد وثمود ولا قوم لوط ولا أساطير سدوم وعمورية العامرة بالرذائل والفسوق وبطر الثروة حين تنطلق من عقالها بعد جذب وقحط ورياح سموم هوجاء. ليست حكايات الأقوام الغابرة ولا تلك المقبلة من القرن الأربعين وعالم النجوم.حكايات الطفولة البسيطة التي ذهبت بددا
وعاث جنباتها التلف والخرابأرض بوار
وفيافي ينعق فيها الغراب.روت آخر نائحات القرية هذه الحكاية
المقصوصة الجناحين كطائر يتيم:بعد انقضاء الصيف عادت الضباع مع طيور الصِبا
حاملة في مناقيرها السهوبعلى حافة المقابر والبيوت تتحلّق بعد غيبة طويلة ظن الأهالي أن لا عودة بعدها وأنها ذهبت الى الأبد. لكنها هاهي بجرائها وأفراخها تقفز مع ضياء الفجر الأول من قبر الى بيت وفوق خيام الزطّ
في الوادي السحيق المطوّق بخيال الأبراجوالسّحَرة من كل الجهات، مرحة برحيل
القيظ ترضع مع الصبية والموتى لبن الصباح.* * *
في مكان قصي يتبدى مثل كهف مقذوففي العاصفة، بين الجبل والبحر، عشت
فترة من الطفولة.هناك تعلمت السباحة في البحر
وفي عيني أسماك القرشوحدّقت مليا في سجناء ((الجلالي)) الذي كان البرتغاليون يسمونه قلعة ((سانت غوا))- وهم يحملون الأثقال من الأسفل بأصفادهم الى رأس ذلك البناء الجبلي، الذي كان في الماضي دعامة الدفاع عن المدينة.
هناك شاهدت العناق الأولبين الجبل والبحر
شاهدت ارتطام الصباحات ببعضهاكالنيازك
ورأيت ميلاد الأبديّة.شاهدت العُزلات تمشي وحيدة
كالوعول قرب هيجان المحيطوالأجساد تطفو فوق الزّبَد والحطام
وكان القادمون من بلدان (المتروبول)يطلُون من شرفاتهم ذات الطُرز الهندية بينما كنا نقرأ دروس اللغة والفقه، على ضوء السرجان التي تتنفس بصعوبة مثل كائنات تحتضر.
وهناك أيضا تخيلنا البحارة في المناور والمراكب الشراعية غاطسين في أعماق (سلامة وبناتها) وشاهدنا بحر الظلمات. وكان الصيادون الفقراء يأتوننا لقراءة الطالع البحري فنقرأ لهم شعرا للمتنبي وأبي مسلم، على شكل تعاويذ حتى يصطادوا بوفرة فيغمرون التلاميذ بالسمك والحوجزيرة سرنديب حيث يأكلون الفيلة والبشر ويطيرون بأجنحة من نار.
* * *كان ذلك عام 1965، أتذكر كنا ننام على حافة الوادي في (سرور) على جري العادة في الأصياف اللاهبة. كنا نفترش المسيل الذي تلمع أحجاره الصغيرة تحت سطوة الضوء الباذخ لقمر تشرين. وكانت أصوات صناطير ((القيّاظة)) ولهاث نسائهم خلف الستائر الخفيفة البيضاء التي يمتازون
كنا صبية الوادي الأشقياء.وعصابة الجبال التي تصطاد الفجر والقطا.
بينما الأهل غارقون في نهر نومهم الذي تفيض على جوانبه الأحلام والمشاجرات.في ذلك اليوم، اليوم نفسه سمعنا النداء الغامض قادما من أسافل القرية يتهادى مثقلا بطحالبه ونعاسه، مبشرا بوصول القادمين من الشرق الافريقي وزنجبار إثر الانقلاب في تلك الأقاصي السوداء، بعد أن حكمها العُمانيون عقودا متتالية، ملتهمين طقسها وعطاءها الوفير كما ظلو
والعابرين نحو البنادر والبحار.وكنا نحن عصابة الأصغاء، نلملم أطراف المشهد
معيدين بناء المغامرة في مخيلاتنا المرتجفة من فرط الهواجس وأحلام الاقتحاموفي اليوم نفسه، ربما من عام آخر
وزمن آخر غير موجود في الذاكرة البشريةوبعد ما مرت سنوات عجاف
هلك فيها الزرع والضرع، سمعنا النداء نفسه من أعالي القرية هذه المرة،ينبئ بالسيول الكاسرة التي تبدو في اندفاعها
الكاسح ورهافتها وملمسها السماوي الحزين كأنماقادمة من خلف جبال الكون.
عن القصيدة
«أحلام القدماء» من شعر سيف الرحبي، من العصر الحديث، وتقع في ٥٧ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.