جُـبَـر.. ومئةُ عامٍ من المطر!

الشاعر: عبدالله الفيفي · البحر: البسيط

«جُـبَـر.. ومئةُ عامٍ من المطر!» من شعر عبدالله الفيفي، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

في داعِجاتِ اللَّياليْ اسْتَرْوَحَ العُمُرُ — وَجْهَ المَعانيْ فَغَامَ السَّمْعُ والبَصَرُ

يَرُبُّنِيْ في ابْتِداءاتِ الرُّؤى وَجَـلٌ — ويَزْدَهِيْنِيَ في أُمِّ الدُّجَى سَــمَرُ

يُعِيْدُنِـيْ في دَمِ الأَيـَّامِ آوِنَـةً — ويَنْتَضِيْنِيْ أَوانًا حِيْـنَ يَنْهَـمِرُ

يَشُدُّ فِيَّ جَبِيْنَ الوقْتِ ، مِنْ يَـدِهِ — أَعُبُّ مـاءَ القَوافي ما بِهِ كَـدَرُ

أَسْرَتْ خُطَاهُ بِطَرْفِيْ والدُّنَى لُجَجٌ — حَتَّى تَبَلَّجَ دَرْبِيْ والخُطَى شَرَرُ

ما كانَ مِنْهُ ومِنِّي غَيْر ُ رَاحِلَـةٍ — مِنَ الخَيَـالِ تخبُّ ثُمَّ تَنْكَـدِرُ

*** — ***

مَنْ أَنْتَ؟‏‎ قُلْتُ‏‎،‎‏وفي صوتي انْحَنَتْ شَعَفٌ ‏ — مِنَ الجِبالِ تَحُثُّ الشوْقَ : ما الخَبَرُ؟!‏

ماذا هُنَاكَ ، لماذا الشَّمْسُ في خَفَرٍ — تُغَفْغِفُ اليومَ كالعذراءِ تَنْكَسِـرُ؟

وكانتِ الأَمْسَ نِيْـرانًا وغاشِـيَةً — كمْ أَمْطَرَتْكَ رُعافَ الجَمْرِ يَنْثَجِرُ!

ولِمْ أَرَى، عَجَبًا، فيكَ الضُّحـَى ولَهُ — مباسمٌ تَهَبُ التُّفـَّاحَ .. تَعْتَصِرُ؟

إِنِّي عَرَفْتُكَ لا تَلـْوِيْ على فَرَحٍ — إِلاَّ يُنَغِّصُهُ في وَجْهِـكَ الكـَدَرُ

إِنِّي عَرَفْتُكَ جَوَّابَ الفَضَاءِ على — ساقَيْنِ مِنْ تَعَبٍ أَزْرَى بها السَّفَرُ

إِنِّي عَرَفْتُكَ قَبْـلَ اليَوْمِ تَعْرِفـُنِي — فَتَنْثَنِي خَجَلاً أَنْ مَسَّـكَ الضَّرَرُ

وتَبْتَغِيْ جَاهِدًا في السُّوْقِ مُدَّخَلاً — أَنْ لا تراكَ عُيُونُ السُّوقِ يا جُبَرُ

ما هذه النِّقْلَةُ النَّوْعِيَّةُ التَحَفَتْ — في شَمْلتَيْـكَ ففيكَ البَدْوُ والحَضَرُ؟

يا أيُّها الشَّبَحُ الذِّكْرَى أَمَا خَبَـرُ — عمّا بَراكَ جديـداً حينَ تُدَّكَـرُ؟

قُلْ غَنِّ إِنِّي وَهَبْتُ السَّمْعَ ضَوْءَ دَمِيْ ، — مَنْ ذا يَـلُمُّ سـرابَ القَـفْرِ أَوْ يَذَرُ!‏

قُلْ: أين ثَوْبٌ على المَتْنَيْنِ مُهْتَرِئٌ — تَخِيْطُهُ مِنْ لَيَـالِيْ قَهْرِكَ الإِبـَرُ؟

قُلْ: أين ظِلْعَانِ، كانا شُهْرَتَيْكَ،وما — بَيْنَهُمَا جُرُفٌ ، إِنْ تُبْتَغَى الشُّهَـرُ؟

‏* * *‏ — ***

ماذا فَعَلْتَ بِباقِيْ الحَبِّ يَوْمَ غَزَا — دَبَا الجَرَادِ وما في الجُرْنِ مُدَّخـَرُ؟

كيف اسْتَطَعْتَ حياةً والمَدَى كَفَنٌ — كيف اسْتَعَادَتْ بَيَاضَ الدِّرَّةِ الدِّرَرُ؟

هل ما تَزَالُ بِحَبَّاتِ الفَـنَا أُمَـمٌ — هنا تَمُوتُ لِتَشـْقَى بَعْدَها أُخَـرُ؟

مَنْ غَيَّرَ الحَالَ حَالاً طَلْعُها أَلَـقٌ — عِنْدَ اللِّقَاءِ فَتُطْرَى الحَالُ والغِـيَرُ؟

‏* * *‏ — ***

قال: اتَّئِدْ!، فَلِسَانِيْ طائِرٌ حَصِرَتْ — دُوْنَ الذُّرَى جَانِحَاهُ والذُّرَى سِيَرُ

ماذا أَقُولُ، وإِذْ مِثْلُ اسْمِهِ جَبَـلِيْ — فَيْـفَاءَ لا مَطَرٌ تُرْجَى ولا ثَمـَرُ

وإِذْ أَفاوِيْقُ ما يَجْنِيْـهِ قاطِنـُهُ — فِيْهِ المَجَاعَاتُ والأَمْراضُ والخَطَرُ

والمَوْتُ يَمْلأُ شِـدْقَيْهِ وقَبْضَتَـهُ — يَمْشِيْ الهُوَيْـنَى وبالأشْلاءِ يَأْتَزِرُ!

يُعَابِثُ المَرْأَةَ الحُبْلَى يَقُوْلُ لَهَا: — المَوْتُ طِفْلِيْ ومَهْدُ الطِّفْلِ مُحْـتَفَرُ!

ويَلْكُـزُ الكَهْـلَ في أَوْدَاجِهِ جَنَفًا: — كَمْ ذا يُعَاشُ! وكَمْ ذا يُشْتَكَى الكِبَرُ!‏

لَيْتَ الأُلَـى أَكَلَ المَوْتُ الزُّؤَامُ قَضَوا — يَوْمَيْ حَيَـاةٍ ، تُرَوَّى الأَعْظُمُ النُّخُـرُ!

كَيْمَا يَرَوا غَرْسَهُمْ، أَحْـفَادَ ما سَغِبُوا، — ماتُوا انْتِظَارًا عسى أنْ يُوْرِقَ الشَّجَرُ

‏* * *‏ — ***

يا قَوْم، ما جِئْتُ مَدَّاحًا، ولستُ أَنا — مَنْ يُحْسِنُ المَدْحَ إِمَّا المَدْحُ يُنْتَقَرُ

يا صاحِ، إنَّ اللَّيالي أَعْقَبَتْ قَـمَراً — يَضُـمُّ كـُلَّ جِبـَالِيْ ذلكَ القَمَرُ

يَلُمُّ فيها شَـتِيْتَ المَهْدِ يُرْضِعُها — حَلِيْبَـهُ فَيَـرِفُّ الغُصْنُ والحَجَرُ!

إِنْ جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ حَالِـيْ وكَيْفَ غَـدَا ‏ — فَلْتُسْـأَلِ الأرضُ والأنسـامُ والزَّهَـرُ

يَوْمَ الْتَقَى سَحَرُ التَّارِيْخِ مِلْءَ يَدِيْ — صَفْوَ السُّيُوفِ، ألا يا نِعْمَ ذا السَّحَرُ!

يَوْمَ اسْتَفَاقَ بِأَعْرافِ الخُيُولِ ضُحًى — نَخْلُ السِّـنِيْنِ الذي قد كادَ يَنْدَثِرُ

حَتَّى تَبَجَّسَ قَلْبُ الصَّخْرِ مُنْتَفِضًا — طَيْراً مِنَ المـاءِ يُرْوِيْنَا ويَعْتَذِرُ

وسابقتْ مَوْجَةٌ تَحْتَثُّ جارتَهـا — تَسَامَقَتْ صُوُراً تَشْـتَقُّها صُوَرُ

ذُؤَابَةُ المَجْدِ واختالَ النُّواسُ بِها — نَشْوَى الفَخَارِ وأَنْفُ الذُّلِّ مُنْعَفِرُ!

تَهُزُّ في مُهْجَةِ الصَّحْراءِ عَوْسَجَةَ (م) — الزَّمَانِ، ما غُرَرٌ جاشَتْ بها غُرَرُ!

وَتَفْغَمُ الجَوَّ في كُلِّ القُرَى عَبَـقًا — أَرْدَانُهُ العِـزُّ والتَّمْكِيْنُ والظَّـفَرُ

كَأَنَّما قد وَعَتْ كُلُّ الجَزِيْرَةِ أَنْ — قَدْ احْتَوَتْ قَدَرًا أَحْشَاؤُها الصُّـبُرُ

كَأَنَّما هِيَ زَرْقَاءُ اجْتَلَتْ غَدَهَا ، — وذِمَّةُ المُسْتَحِيْلِ البَيْـرَقُ الخَضِرُ!

‏* * *‏ — ***

عبدُ العَزِيْزِ لَهُ في دِيْنِ كُلِّ فَتًى — دَيْنٌ فَتًى أَبَدًا ما إِنْ لَهُ عُـمُرُ

مَنْ وَحَّـدَ الأَرْضَ أَرْضَ اللهِ في جَسَـدٍ ‏ — المَسْـجِـدانِ بِـهِ العَيْنَـانِ والحَـوَرُ

ومَنْ أَحاطَ رِقَابَ الجِيْـلِ مَأْثُـرَةً — مِنْ بَعْدِهِ الجِيْـلُ يَتْـلُوْها ويَأْتَثِرُ

مَنْ قَبْـلَهُ لَمَّ هذا الشَّعْثَ في رِئَةٍ — أَنْفاسُها الشِّـيْحُ والكَاذِيُّ والمَطَرُ!

ومَنْ تُرَاهُ ابْتَنَى للعُرْبِ مَمْلَكَةً — في شَكْلِ قَلْبٍ بِنَبْضِ القَلْبِ يَعْتَمِرُ!

هَبَّتْ صَبًا حَمَلَتْ وَطْفَاءَ ما هَدَأَتْ — حَتَّى تَغَشَّتْ بِلادي وَهْيَ تَنْهَمِـرُ

فَغَيَّرَ اللهُ حَالِيْ نَضْرَةً ورِضًى — وسَنْبَلَ الحَقْلَ صَخْرٌ يانِـعٌ نَضِرُ

‏* * *‏ — ***

إِنِّي اسْتَفَقْتُ وفي كَفَّيَّ مَدْرَسَـةٌ — مَبْنِيَّـةٌ بِعُيُـونِ النُّـوْرِ تَنْتَظِرُ

إِنِّي اسْتَفَقْتُ وما أَلْقَى أَخِيْ وأَخِيْ — خَصْمَيْنِ في رَحِمٍ .. واللَّيْلُ مُعْتَكِرُ

إِنِّي رَأَيْتُ سَبِيْـلِيْ لاحِبًا أَمَـمًا — مُعَبَّـدَ الخَطْوِ لا تَنْبُوْ بِهِ العثَرُ

وقَدْ تَسَدَّتْ جِبالِيْ الشُّـمَّ فارِعَـةٌ — مِنْ دَوْحَةِ النُّوْرِ أَفْنَانِيْ بهَا زُهُرُ

والدَّرْبُ أَعْمَى تَجَلَّى ناظِراهُ كما — جَلَّتْ مَحَاجِرَها بالأَنْجُمِ الدُّجُـرُ

عَهْـدٌ جَدِيْـدٌ مُرِبٌّ كُلُّـهُ لُغَةٌ — مِنَ التَّفَوُّقِ والإِقْـدَامِ تَنْصَهـِرُ

يَرْنُـوْ إِلى أَسْطُرٍ أُخْرَى تُزَوْبِعُها — حُرِّيَّـةٌ سَـنَّها الإِسـلامُ والنَّظَرُ

يَرْمِيْ فِجَاجَ الرُّؤَىعَنْ كُلِّ قافِيَـةٍ — فَيَسْـتَهِلُّ قَصِيْـدٌ ثـائِرٌ خَطِرُ!

فَقُلْتُ، إِذْ قَالَ، وارْتَفَّتْ على شَفَتِيْ — فَراشَةُ الشِّعْرِ، واسْتَشْرى بِها الوَتَرُ:‏

*** — ***

إِنَّ المَسَــافَةَ عَجْزٌ حِيْنَ تَذْرَعُها — وهِمَّـةُ الحُلْمِ تُدْنِيْـهَا وتَخْتَصِرُ‏!

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • استروح: اسْتَرْوَحَ يَسْتَرْوِحُ اسْتِرْوَاحاً : سكن واطْمأنَّ؛ اسْتَرْوَحَ إلى حديث صديقه.- الغصنُ: تمايل.- الشخصُ: اختال؛ قامت تستروح معجبةً بنفسها.- الشيء: تَشَمَّمَهُ ووجد ريحه؛ استروح اللحم النتن. - المطرُ الزَّرْعَ: أحياه.
  • بطرفي: طرف: الطَّرْفُ: طرْفُ الْعَيْنِ. والطَّرْفُ: إطْباقُ الجَفْنِ عَلَى الجفْن. ابْنُ سِيدَهْ: طَرَفَ يَطْرِفُ طَرْفاً: لَحَظَ، وَقِيلَ: حَرَّكَ شُفْره ونَظَرَ. والطَّرْفُ: تَحْرِيكُ الجُفُون فِي النَّظَرِ. يُقَالُ: شَخَصَ ب …
  • تبلج: تَبَلَّجَ يَتَبَلَّجُ تَبَلُّجاًَ : أسفر وأنار، تَبَلَّج الصبح فأخذت الأزهار تتفتح والطيور تزَغرد.- إليه: هشَّ وضحك.

قصائد ذات صلة

  • مهـرة الشـمس
  • ويصحو السؤالُ أشجارا !
  • أقرأُ نقْشاً على باب أُخرى المُدُن!‏
  • طائفية أو فيفية
  • فيفاء
  • صوت القادم من سواد الأسئلة
  • مُكَاشَفَاتٌ أَخِيْرَةٌ في مَهَبِّ اللَّيل
  • يومية فارس