ما فاضَ عنهم
الشاعر: محمود قحطان · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
«ما فاضَ عنهم» من شعر محمود قحطان، وتقع في 45 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
(1) — هل تَسمعينَ عويلَ أحزاني؟
هل تعرفينَ الصَّمتَ إنْ كبُرتْ بواخِرُهُ — على ظهرِ الجليدِ السَّاكنِ العَاتي؟
هل تُدركينَ مُصيبَتي.. — حينَ انبعاثِ الموتِ إنسانا...؟!
(2) — ذهبَ الذين أُحبُّهم!..
من بعدِهم، وأنا أمارسُ لعبةَ الصَّبرِ المعتَّقِ بالمدادْ — فلنصفُ إحساسي صهيلْ
والنِّصفُ خيباتٌ... دوارٌ مستحيلْ — ولقد تلوحُ بشاشةٌ وسْطَ الرُّكامْ
لكنَّ ليلي موحشٌ — فوقَ السَّريرِ غمامةٌ
بالأسفلِ الآنَ احتضارْ — الليلُ يُورقُ بالبُكاءْ!
(3) — هل تَلمَسين الجُوعَ في أحزاني؟
سقفي أنا.. — قد يمتطي، كلَّ الزوايا المشرئبةِ بالدخانْ
قد يمتطي، كلَّ الدموعِ السَّاقطاتِ النَّاحراتِ فجيعتي — قد تأخذُ الأغلالُ بُعدًا ثامنًا
قد تحبلُ الأحزانُ بالأحزانِ والأحزانُ رَحمٌ أجوفٌ! — (4)
هل تجلِدينَ الخوفَ في أحزاني؟ — ها قد أتاني الموتُ لعنةُ هفوةٍ
حشريةً قد بثَّها في كلِّ جينٍ باغتصابٍ مؤلمٍ..! — في الجلدِ في الرِّئَتينِ فيما بينَ أهدابي وبالشَّبقِ الموشَّى باشتهاءِ الشَّنقْ!
وزجاجتي شفافةٌ.. شفتايَ طيفٌ أجدبُ — إنِّي فتاتْ..!
(5) — هل تُبصرينَ نخيلَ أحزاني؟
فالنَّخلُ يعلُو.. ثم يعلُو.. ثم يعلُو شاكيًا — موتَ السَّماءْ
وفجيعتي عُرسٌ يظلِّلُ صرخَتي — فأمدُّ نحوَ مجاهلي، حبلَ السُّؤالْ
أفهلَ تُرى؟ هل لا يزالْ؟ — ماذا تبقَّى غيرُ شمسٍ مُطفأةْ
أم أنَّني ما زلتُ أُبعثُ في الظَّلامْ؟! — (6)
ذهبَ الذين أُحبُّهم!.. — وبقيتُ ألتهمُ الأسى
ويقضُّ مضجعيَ الحنينْ — أَوَكلَّما..
أرخيتُ جفنيَ حالِمًا — فإذا بصُبحي قد تبدَّى مُعلنًا هجرَ الصِّحابْ.؟!
(7) — ذهبَ الذين أُحبُّهم!..
وإذا فؤادي يَنْزَوِي في رُكْنِ صَدْرِي خائفًا — وإذا صِحابي..
أرتجيهم مثل أَيْكٍ يرتَجي — شدوَ الطيورِ بغُصنهِ
لا الطيرُ أغرتهُ غُصوني — بعدما عصفَ الخريفُ بكلِّ أوراقِ الغصونْ!
(8) — ذهبَ الذين أُحبُّهم!..
وظللتُ وحدي هائِمًا — في الَّليلِ كالملكِ الضَليلْ
تنبو الحماسةُ من قصيدي كلَّما أرِقتْ جراحي سلسبيلْ — وإذا الحماسةُ غادَرتني باكرًا
ألفيتُ كفِّي كالنَّدى — أُسْقي النَّدامَى الشِّعْرَ خمرًا قرطبيا
فأصيرُ للأضيافِ عبدا! — (9)
ذهبَ الذين أُحبُّهم!.. — ووقفتُ أهجوهم هجاءً مُقذِعًا
يا أنتَ، لا سَلمتْ يداكَ إذا اتَّكأتَ على القصيدةِ غاضبًا — وطفقتَ تهجو من تُحِبْ
ولطالمَا.. أَرِقَتْ عيونَكَ كي تُعدَّ قصيدةً عصماءَ فيهمْ — يا أنتَ، لا سلمتْ يداكَ
إذا نثرتَ لحونَ أوزانِ الخليلِ.. بعثتَ أشعارَ الفرزدقِ هاجيًا — فلطالمَا.. هم ألهموكَ قصائدَ الأتراحِ والأفراحِ دومًا
هم ألهموكَ الحبَّ والشوقَ العنيدْ — يا شاعري.. يكفي فَنَمْ!
وإذا صحوتَ فسوفَ تُدركُ أنَّهم لم يُنصفوكَ — وحينها ثِقْ.. لن يعودَ لشوقِكَ المسْكوبَ بُدْ!
(10) — هل تُدركينَ الموتَ في أحزاني؟
وعبرتُ كلَّ أزقَّةِ الأحياءِ بحثًا عن سبيلْ — وجلستُ أطوي الحزنَ أشرعةً مديدةْ
والمطلقُ الممتدُّ بين جوانحي — يرتادُ كلَّ شواطئ البجعاتِ مراتٍ عديدةْ
ويسائِلُ الأترابَ يلهو عابثًا — ما بالُ وجهي قد تعفَّر بالحنينْ؟!
يقتادُني نحو السآمة ذاهلاً — فمدينتي –عجبًا- تضيقُ كبؤْبؤٍ موشومْ
وأزيزُ صدري يستثيرُ تكوُّري — لأعودَ من حيثُ المجيء مُكوَّرًا
علقًا.. وطاغيةَ الجنينْ!
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- احتضار: [ح ض ر]. (مصدر اِحْتَضَرَ). "يَعِيشُ لَحْظَةَ الاحْتِضَارِ" : لَحْظَةَ الْمَوْتِ، النَّزْعَ الأَخِيرَ، لَحْظَةَ خُرُوجِ الرُّوحِ. "أحاطَ الأهْلُ بِجَدِّهِمْ لَحْظَةَ احْتِضَارِهِ".
- الجليد: الجَلِيدُ : من تَحَلّى بالصّبر والثّبات؛ كان الخليفة رجلاً جليداً.-: النّشيط غير البليد.-: النّدى الذي يسقط فيجمد؛ الجَليد يضرّ بالمزروعات ج جُلَداءُ وجِلادٌ.
- الركام: الرُّكَامُ : المجتمعُ المتراكِمُ بعضُه فوقَ بعضٍ؛ ركامٌ من التراب/ رُكَامٌ من السّحاب/ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً/ قطيعٌ رُكَامٌ، أي ضخمٌ.
- الساكن: السَّاكِنُ : فا.-: خلافُ المتحرّك.-: هو، في الهندسةِ، جزءُ ثابت يتحرّك الدَّوَّارُ بالنّسبة إليه في آلةٍ مّا/ الحرفُ السّاكنُ، هو الحرف الّذي ليس عليه حركة الفتح أو الضّمّ أو الكسر ج سُكَّانٌ.
- العاتي: العَاتِي [عتو]: فا.-: الجَبَّار أو المتكبرّ؛ ريح عاتية، أي شديدة الهبوب / ليل عاتٍ أي شديد الظلمة ج عُتاةٌ وعُتِيٌّ.
- انبعاث: الانبِعَاثُ : مصـ.-. اليقظة.-: النهضة بعد ركود؛ كان انْبِعاث الأمَّة العربيَّة في القرن الماضي بداية نهوض وتحرُّر.
- بالبكاء: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى …