حوار في ساحة المطاف

الشاعر: عبدالرحمن العشماوي · البحر: الخفيف

«حوار في ساحة المطاف» من شعر عبدالرحمن العشماوي، من العصر الحديث، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الميم.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مــــرَّ عامٌ، أهكذا مرَّ عامُ ... هكذا طوَّفتْ بنا الأيّــــامُ؟!

مرَّ عامٌ، كأنَّما مرَّ شهرٌ ... عجباً، هل تلاشت الأعوامُ؟!

كيف صار المولود فينا رَضيعاً ... ومتى حُقَّ للرضيع الفِطامُ؟

ومتى أصبح الفَطيم غُلاماً ... ومتى جاوز البلوغَ الغُلامُ؟

ومتى أصبح الغُلام لدينا ... رجلاً، تَحتفي به الأقلامُ؟

ثم أضحى شيخاً حنَتْه الليالي ... فهو كالجذع مالَ منه القَوامُ

ليت شعري، أهكذا العمرُ يَمضي ... حين يمضي، وما يُحسُّ الأَنامُ؟؟

كنتُ في ساحةِ المطاف وقلبي ... مُطمئنٌّ، والطَّائفون الْتِحَامُ

كنت في ساعةٍ، تحلِّق روحي ... في مَداها، وتُشرق الأحلامُ

ها هنا تلتقي نفوسُ البَرايا ... يافثٌ هاهُنا و حَامٌ و سَامُ

صورةُ الحجِّ لوحةٌ من جلالٍ ... تتجلى فيها أمورٌ عظامُ

كنت أستوقف الخيالَ فيأبى ... كيف باللهِ، يُوقَفُ الإلهامُ؟!

طافَ بي حينَها شعورٌ عجيبٌ ... بسؤالٍ يُماطُ عنه اللِّثامُ

مَوْسِمَ الحجِّ، كيف عُدْتَ إِلينا ... بعد شهرٍ، وَوَعْدُ لُقْياكَ عامُ؟

كنتَ بالأمس عندنا، دون شكٍ ... نظري فيكَ دائماً لا يُضامُ

كنتَ بالأمس في المشاعر تمشي ... في خشوعٍ، لباسُكَ الإِحرامُ

حولَك الناسُ بالأُلوفِ تلبِّي ... فتجيب البِطَاحُ والآكامُ

كنتَ بالأمس في المقام تُصلِّي ... لو سألنا، أجاب عنك المقامُ

كنتَ ترمي الجِمَارَ بعد زَوالٍ ... للحصى، حينما رَمَيْتَ، ضِرامُ

كنتَ بالأمس في طوافِ وداعٍ ... تسأل اللهَ أنْ يطيب الختامُ

أوَ ما بِتَّ في مِنَىً قبلَ شهرٍ ... ودليلي على المبيتِ الخيامُ

أوَ ما كُنتَ في رُبَى عَرَفاتٍ ... واقفاً، والجموعُ فيها قيامُ

أيّها الحَجُّ، كيف عُدْتَ، أَجبْني ... قبل أنْ يُعجزَ اللِّسانَ الكلامُ؟

أنتَ رُكْنٌ مُخصّصٌ بزمانٍ ... مثلما خُصَّ بالزمانِ الصِّيامُ

فلماذا أتيتنا بعد شهرٍ ... قبل أنْ يتركَ العيونَ المَنام؟

مدَّ كفَّا إليَّ، يمسح رأسي ... وعلى ثغره يلوح ابتسامُ

قال لي ضاحكاً : لقد مرَّ عامٌ ... منذ ودَّعتكم، وأنتم نيامُ

ودليلي، هذي المشاعر تنمو ... وعليها صَرْحُ العَطاءِ يُقام

كلَّ عام تمتدُّ فيها جسورٌ ... ودروبٌ، بها تخفُّ الزِّحام

خدْمةٌ للحجيج تُسعد قلبي ... واحتفاءٌ بشأنهم واهتمامُ

خَيْرُ هذي البقاع يَمْتَدُّ فوقي ... كلَّ عامٍ، كما يُمَدُّ الغَمام

مَرَّ عامٌ على طوافِ وَدَاعي ... حَدَثتْ فيه حادثاتٌ جِسَامُ

ودليلي تَجدُّدُ الجرحِ فيكم ... والنفوسُ التي طَواها الحِمَامُ

والبيوتُ التي تُهدَّم ظُلْمَاً ... والضحايا، والقتلُ، والإِجرامُ

ودليلي انتفاضةٌ فجَّرَتْها ... في فلسطينَ طفلةٌ وغُلامُ

والثَّكالى، قلوبهنَّ انكسارٌ ... يتلظَّى ببؤسها الأَيتامُ

ودليلي الشيشانُ تُخْبِرُ عنها ... كلَّ يومٍ أشلاؤها والحُطَامُ

ودليلي كشميرُ في القلب منها ... حَسراتٌ، لهنَّ فيه احتدامُ

ودليلي العراقُ ما زال يبكي ... ويُغنِّي بجرحه (صَدَّامُ)

لو سألنا بغدادَ عنه لقالتْ ... صِحّةُ الاسم عندنا (هَدَّام)

ودليلي نهايةٌ لنظامٍ ... عالميٍّ يَفرُّ منه النّظامُ

وانكشافُ الغطاءِ عَمَّا يُسمَّى ... بسلامٍ، وليس فيه سَلاَمُ

مَرَّ عامٌ، لديَّ أَلْفُ دليلٍ ... فلماذا تَسْتَغلِقُ الأَفهامُ؟

مرَّ عام شهوره ناطقاتٌ ... ما بها لَكْنَةٌ ولا إِعجامُ

تُشرق الشمسُ فيه كلَّ صَباحٍ ... ويُغطّيه في المساءِ الظلامُ

وَيَهُلُّ الهلالُ فيه، ويبقى ... في نُموٍّ، حتى يكونَ التَّمَامُ

مرَّ عامٌ، هذي الحقيقةُ، لكنْ ... أنتم الغافلون عمَّا يُرامُ

صار يُلهيكم التكاثُرُ حتى ... فَرِحَ (القَسُّ) وانتشى (الحَاخامُ)

وبدا للبعيد منكم خضوعٌ ... فرماكم، وطاوعتْه السِّهامُ

لم يُصِبْكم إلاَّ لأنَّ خُطاكم ... وقفتْ حَيْثُ ساخت الأَقدامَ

وإذا نالت المذلَّةُ قوماً ... طافَ أعداؤهم عليهم وحاموا

واستباحوا دَمَ الكرامةِ فيهم ... ليت شعري متى يُفيق الكرامُ؟!

فلماذا تُخبِّئونَ رؤوساً ... مثلما تدفن الرؤوسَ النَّعَامُ؟

موسمَ الحجِّ، يا حبيبَ قلوبٍ ... صاغها من ضيائه الإِسلامُ

مرَّ عامٌ، نعم، ولكنَّ مثلي ... في مَرامي سؤالهِ، لا يُلام

قَصُرتْ خُطْوَةُ الزَّمانِ وفينا ... أيُّها الموسم الحبيب انهزامُ

أثقلتْنا بالهمِّ دُنيا، هَواها ... طُحْلبيٌّ، والوَجْهُ منها جَهَامُ

بعضُنا لم يزلْ يُخادع بعضاً ... ولكَم يَتْبَعُ الخداعَ انتقامُ

كلُّنا نعرف انتقاصَ اللَّيالي ... وقليلٌ منَّا الذين استقاموا

كلُّنا، أيُّها الحبيبُ نُغنِّي ... غيرَ ألحانِ مجدِنا، والسّلاَمُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • البلوغ: لوغ: لاغَ الشيءَ لَوْغاً: أَدارَه فِي فِيهِ ثُمَّ لَفَظَه. ابْنُ الأَعرابي: لاغَ يَلُوغُ لَوْغاً إِذا لَزِمَ الشيءَ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: اللَّوْغُ السَّوادُ الَّذِي حَوْلَ الحَلَمةِ؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ: كذَبْتَ لَمْ تَغْذ … (لسان العرب)
  • التحام: تحم: الأَتْحَمِيُّ: ضرْب مِنَ البُرود؛ قَالَ رُؤْبَةُ: أَمْسَى كَسَحْقِ الأَتْحَمِيِّ أَرْسُمُهْ وَقَالَ الشاعر: وَعَلَيْهِ أَتْحَمِيٌّ، ... نَسْجُه مِنْ نَسْج هَوْرَمْ [[. قوله [من نسج هورم] هكذا في الأَصل بالراء ومثله … (لسان العرب)
  • الغلام: غلم: الغُلْمةُ، بِالضَّمِّ: شَهْوَةُ الضِّرَاب. غَلِمَ الرجلُ وغيرهُ، بالكسر، يَغْلِمُ [يَغْلَمُ] غلْماً واغْتَلَمَ اغْتِلاماً إِذَا هاجَ، وَفِي الْمُحْكَمِ: إِذَا غُلبَ شَهْوَةً، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ. والغِلِّيمُ، بِ … (لسان العرب)
  • الفطام: فطم: فَطَم العُودَ فَطْماً: قَطَعَهُ. وفَطَمَ الصبيَّ يَفْطِمه فَطْماً، فَهُوَ فَطِيمٌ: فصَلَه مِنَ الرَّضَاعِ. وَغُلَامٌ فَطِيم ومَفْطُوم وفطَمَتْه أُمه تَفْطِمه: فصَلته عَنْ رَضَاعِهَا. الْجَوْهَرِيُّ: فِطام الصَّبِيِّ … (لسان العرب)
  • الفطيم: طيم: طامَهُ الله عَلَى الخَير يَطِيمُه طَيْماً: جَبَله. يُقَالُ: مَا أحْسَنَ مَا طامَه اللهُ. وطانَه يَطِينُه أَيْ جَبَله، وَمِنْهُ الطِّيماءُ، وَهِيَ الجِبِلَّة، والطِّيماءُ الطبيعةُ. يُقَالُ: الشِّعْر مِنْ طِيمائِه أَي … (لسان العرب)
  • المولود: وَلَد: الوَلِيدُ: الصَّبِيُّ حِينَ يُولَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُدْعَى الصَّبِيَّةُ أَيضاً وَلِيدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ لِلذَّكَرِ دُونَ الأُنثى، وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ غلامٌ مَوْلُودٌ وَجَارِيَةٌ مَ … (لسان العرب)
  • تحتفي: حتف: الحَتْفُ: الْمَوْتُ، وَجَمْعُهُ حُتُوفٌ؛ قَالَ حَنَشُ بْنُ مَالِكٍ: فَنَفْسَك أَحْرِزْ، فإنَّ الحُتُوفَ ... يَنْبَأْنَ بالمَرْءِ فِي كلِّ وَادِ وَلَا يُبْنى مِنْهُ فِعْل. وَقَوْلُ الْعَرَبِ: مَاتَ فُلَانٌ حَتْفَ أَن … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • أعطء القوس باريها
  • أي ليل يتمطى فوق أرضي ؟!
  • لله در بلادنا
  • رسالة اعتذار إلى أم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها)
  • قصاصات من حقيبة الذكرى .
  • أعطء القوسَ باريها
  • وهج الحب
  • قف هنا أنت لدينا متهم