ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة
الشاعر: غادة السمان · البحر: المتدارك
«ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة» من شعر غادة السمان، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
* أنت متهمة بطيران الليل.. ... متهمة بالمسافات، متهمة بالقطارات
والصباحات المفاجئة في فنادق الدهشة ... وصحوة الذهول في شوارع مدن نائية..
أنتِ متهمة بمغازلة المستحيل، ... متهمة برعشة السرّ أمام ليل يتدفق نجوماً
متهمة بتمزيق الأقنعة والكمامات ... متهمة بكراهية القضبان الحديدية والأقفاص
والصور المكبرة في الشوارع والمطارات، والجزمات "الميليشياوية" ... متهمة بالبنفسجي والأوكسجين والظل والصدى
متهمة بكراهية الغرف المكيفة بغاز الفحم. ... ...
- ومتهمة بحبكَ.. وحين يسألني القاضي ... سأقول له إنني مذنبة - بكل فخر -
أرتكب صدقي في كل لحظة ... معلنة أن الغبار لا يصير تبراً بمرسوم
رافضة مدائن القحط والتثاؤب والذباب والطوائف.. ... منحازة إلى أجنحة العصفور ضد القفص،
والطيران لا التحنيط ... متهمة بالشيء، ونقيضه،
متهمة بحبك ورفضي لقيدك في آن، ... وأحاول أن أستحق شرف هذه التهم كلها
ولا أطلب غير البراءة من براءتي.. ... ***
* هل أحببتني حقاً ذات يوم يا ولادة؟ ... - كنت تحيط بحياتي كالضوء الذي لا يلمس
ولست بحاجة إلى دليل على حضوره غير حضوره! ... كالضوء تتغلغل في أدق تفاصيلي اليومية والليلية
خفيفاً كالريح، كفرحة سرّية ... كرفيف جناح عصفور عابر وليس كلسعة سوط.
وثمة أمسيات كنت أجهل فيها ... أين ينتهي جسدي وأين يبدأ الليل..
ثمة أيام لم أعرف فيها ... أين يبدأ فمي وأين تنتهي ابتسامتك..
ثمة لحظات نادرة لم أميز فيها ... بين يدي ويدك، ومحبرتي ومحبرتك، وشروري وشرورك.
تصير دورتنا الدموية المعكرة واحدة، ... وقلقنا واحداً، وقلمنا واحداً
ونموت في شهقة غبطة واحدة... ... ***
* ولكنك تجهلينني.. ذلك الحب كله، وتجهلينني! ... - حين التقينا للمرة الأولى
كتبتك في أوراقي نسراً ... حين عرفتك جيداً - أو توهمت ذلك -
سميتك نبعاً ... يوم تشاجرنا اكتشفتك خنجراً
وليلة افترقنا ظننتك نجماً ... ويوم خنتني دعوتك وَغْداً..
واليوم وقد أحببتك مئات الأعوام ... أراك بوضوح وأنا أذرف حبري
وأعي أنك كنتَ كلهم مرة واحدة، ... نسراً وخنجراً ونبعاً ووغداً ونجماً،
فقد كنت رجلاً حقيقياً... ... ***
* هل بلغتكِ قصائدي؟ ... - حين أتلو قصائدكَ على مسمع الليل كتعويذة
يخرج وجهي من قناعه، وجرحي من مخبئه ... وتسبح أسماكي صوبك ناسيةً خلع بحارها عن أجسادها
وتركض مهرتي صوبك، ولا تزال براريها عالقة في حوافرها... ... وتطاردك أزهاري مع بساتينها،
ولأن الشيء وقرينه ونقيضه يحب حرفك ... تجرؤ قافلة نساء مثلي،
على أن تنطق بكل أمزجتها ووجوهها وتقمصاتها ... في صرخة موحدة بلا حنجرة،
لو كان لها صوت لهمست: ربما كنت أحبك! ... ***
* كيف قضيت لياليك بدوني تلك العصور كلها؟ ... - فوضى من الضياء الملون،
كانت سهرتنا معاً أنت وأنا، ليلة لم تأتِ! ... رقصت مع غجريات قرطبة، زنَّرني حرير القمر
احتفيت بحضورك الخفي ... وأنشدت له مع العباس بن الأحنف:
"يا ليت من نتمنى عند خلوتنا ... إذا خلا خلوة يوماً تمنانا"
حتى هطلت النجوم كالثلج فوق مجدنا الغابر كله ... وغطتني أوراق الأشجار عند الفجر
وصاحت الشمس وهي تشرق: "أوليه".... ... _________
إشبيلية- 15 - 5 - 1991
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.
تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الذهول: ذهل: الذَّهْل: تَرْكُكَ الشيءَ تَناساه عَلَى عَمْد أَو يَشْغَلك عَنْهُ شُغْلٌ، تَقُولُ: ذَهَلْت عَنْهُ وذَهِلْتُ وأَذْهَلَني كَذَا وَكَذَا عَنْهُ؛ وأَنشد: أَذْهَلَ خِلِّي عَنْ فِراشِي مَسْجَدُهْ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَز … (لسان العرب)
- الغرف: غرف: غَرَفَ الماءَ والمَرَقَ وَنَحْوَهُمَا يَغْرُفُه غَرْفاً واغْتَرَفَه واغْتَرَفَ مِنْهُ، وَفِي الصِّحَاحِ: غَرَفتُ الْمَاءَ بِيَدِي غَرْفاً. والغَرْفَةُ والغُرْفَة: مَا غُرِف، وَقِيلَ: الغَرْفة المرَّة الْوَاحِدَةُ، و … (لسان العرب)
- الفحم: فحم: الفَحْم والفَحَم، مَعْرُوفٌ مِثْلُ نَهْر ونَهَر: الْجَمْرُ الطَّافِئُ. وَفِي الْمَثَلِ: لَوْ كُنْتُ أنْفُخ فِي فَحَم أَيْ لَوْ كُنْتُ أَعْمَلُ فِي عَائِدَةٍ؛ قَالَ الأَغلب الْعِجْلِيُّ: هَلْ غَيْرُ غارٍ هَدَّ غَارًا … (لسان العرب)
- القاضي: قضي: القَضاء: الحُكْم، وأَصله قَضايٌ لأَنه من قَضَيْت، إِلا أَنَّ الياء لما جاءت بعد الأَلف همزت؛ قال ابن بري: صوابه بعد الأَلف الزائدة طرفاً همزت، والجمع الأَقْضِيةُ، والقَضِيَّةُ مثله، والجمع القَضايا على فَعالَى وأَصل … (لسان العرب)
- القضبان: قضب: القَضْبُ: القَطْعُ. قَضَبَه يَقْضِبه قَضْباً، واقْتَضَبَه، وقَضَّبه، فانْقَضَبَ وتَقَضَّب: انْقَطَعَ؛ قَالَ الأَعشى: ولَبُونِ مِعْزابٍ حَوَيْتُ، فأَصْبَحَتْ ... نُهْبَى، وآزِلَةٍ قَضَبْتُ عِقالَها قَالَ ابْنُ بَرِّي … (لسان العرب)
- بالمسافات: سأف: سَئِفَتْ يدُه تَسْأَفُ سَأَفاً، فَهِيَ سَئِفةٌ، وسأَفَتْ سَأْفاً: تشَقَّق مَا حَوْل أَظْفاره وتشَعَّثَ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ تَشَقُّقٌ فِي أَنْفُس الأَظفار، وسَئِفَتْ شَفَتُه: تَقَشَّرَت. وسَئِفَ لِيف النَّخْلَةِ … (لسان العرب)
- بتمزيق: مزق: المَزْق: شَقّ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا. مَزَقهُ يَمْزِقه مَزْقاً ومَزّقه فانْمَزق تَمْزيِقاً وتَمَزّق: خَرَقَهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ: بحَجَبات يَتَثَقَّبْنَ البُهَرْ، ... كأَنما يَمْزِقْنَ بِاللَّحْمِ الحَوَرْ … (لسان العرب)
- بطيران: بطر: البَطَرُ: النَّشَاطُ، وَقِيلَ: التَّبَخْتُرُ، وَقِيلَ: قِلَّةُ احْتِمَالِ النِّعمة، وَقِيلَ: الدَّهَشُ والحَيْرَةُ. وأَبْطَرهُ أَي أَدهشه؛ وَقِيلَ: البَطَرُ الطُّغيان فِي النِّعْمَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كَرَاهَةُ الشَّيْ … (لسان العرب)