ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
* أنت متهمة بطيران الليل..متهمة بالمسافات، متهمة بالقطارات
والصباحات المفاجئة في فنادق الدهشةوصحوة الذهول في شوارع مدن نائية..
أنتِ متهمة بمغازلة المستحيل،متهمة برعشة السرّ أمام ليل يتدفق نجوماً
متهمة بتمزيق الأقنعة والكماماتمتهمة بكراهية القضبان الحديدية والأقفاص
والصور المكبرة في الشوارع والمطارات، والجزمات "الميليشياوية"متهمة بالبنفسجي والأوكسجين والظل والصدى
متهمة بكراهية الغرف المكيفة بغاز الفحم....
- ومتهمة بحبكَ.. وحين يسألني القاضيسأقول له إنني مذنبة بكل فخر -
أرتكب صدقي في كل لحظةمعلنة أن الغبار لا يصير تبراً بمرسوم
رافضة مدائن القحط والتثاؤب والذباب والطوائف..منحازة إلى أجنحة العصفور ضد القفص،
والطيران لا التحنيطمتهمة بالشيء، ونقيضه،
متهمة بحبك ورفضي لقيدك في آن،وأحاول أن أستحق شرف هذه التهم كلها
ولا أطلب غير البراءة من براءتي..***
* هل أحببتني حقاً ذات يوم يا ولادة؟- كنت تحيط بحياتي كالضوء الذي لا يلمس
ولست بحاجة إلى دليل على حضوره غير حضوره!كالضوء تتغلغل في أدق تفاصيلي اليومية والليلية
خفيفاً كالريح، كفرحة سرّيةكرفيف جناح عصفور عابر وليس كلسعة سوط.
وثمة أمسيات كنت أجهل فيهاأين ينتهي جسدي وأين يبدأ الليل..
ثمة أيام لم أعرف فيهاأين يبدأ فمي وأين تنتهي ابتسامتك..
ثمة لحظات نادرة لم أميز فيهابين يدي ويدك، ومحبرتي ومحبرتك، وشروري وشرورك.
تصير دورتنا الدموية المعكرة واحدة،وقلقنا واحداً، وقلمنا واحداً
ونموت في شهقة غبطة واحدة...***
* ولكنك تجهلينني.. ذلك الحب كله، وتجهلينني!- حين التقينا للمرة الأولى
كتبتك في أوراقي نسراًحين عرفتك جيداً أو توهمت ذلك -
سميتك نبعاًيوم تشاجرنا اكتشفتك خنجراً
وليلة افترقنا ظننتك نجماًويوم خنتني دعوتك وَغْداً..
واليوم وقد أحببتك مئات الأعوامأراك بوضوح وأنا أذرف حبري
وأعي أنك كنتَ كلهم مرة واحدة،نسراً وخنجراً ونبعاً ووغداً ونجماً،
فقد كنت رجلاً حقيقياً...***
* هل بلغتكِ قصائدي؟- حين أتلو قصائدكَ على مسمع الليل كتعويذة
يخرج وجهي من قناعه، وجرحي من مخبئهوتسبح أسماكي صوبك ناسيةً خلع بحارها عن أجسادها
وتركض مهرتي صوبك، ولا تزال براريها عالقة في حوافرها...وتطاردك أزهاري مع بساتينها،
ولأن الشيء وقرينه ونقيضه يحب حرفكتجرؤ قافلة نساء مثلي،
على أن تنطق بكل أمزجتها ووجوهها وتقمصاتهافي صرخة موحدة بلا حنجرة،
لو كان لها صوت لهمست: ربما كنت أحبك!***
* كيف قضيت لياليك بدوني تلك العصور كلها؟- فوضى من الضياء الملون،
كانت سهرتنا معاً أنت وأنا، ليلة لم تأتِ!رقصت مع غجريات قرطبة، زنَّرني حرير القمر
احتفيت بحضورك الخفيوأنشدت له مع العباس بن الأحنف:
"يا ليت من نتمنى عند خلوتناإذا خلا خلوة يوماً تمنانا"
حتى هطلت النجوم كالثلج فوق مجدنا الغابر كلهوغطتني أوراق الأشجار عند الفجر
وصاحت الشمس وهي تشرق: "أوليه"...._________
إشبيلية- 155 1991
عن القصيدة
«ابن زيدون يستجوب ولادة العاشقة» من شعر غادة السمان، وتقع في ٤٠ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.