قبل الحافَّة... بعدَها بقليلٍ
الشاعر: علي الفيلكاوي · البحر: المديد
«قبل الحافَّة... بعدَها بقليلٍ» من شعر علي الفيلكاوي، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر المديد.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لستَ عينَي العدسةِ الأمِّ — أو مركزَ الأعماقِ
ولا الكلماتِ اليوميَّةَ تسبحُ حولَكَ — دَعْ هذا لخيالِ الطبيعةِ
إنَّ عُزلةَ المرايا تدمِّرُ ذبذباتِكَ النافذةَ — إلى الآن لم تتجنَّحْ يَرَقَةُ ذاتِكَ
تريدُ أن تسدِّدَ الطلقاتِ نحو نبضاتِكَ الخجولة — دون أن تمنحَها فرصةَ الالتفات
بسبب هؤلاء الذين يعذِّبونَنا — وكلِّ أولئِكَ الذين بعثرتْنا أنسجتُهم
بسبب كلِّ مَن نشكُّ أنَّهم يراقبونَ سقوطَنا — ويحاصرونَنا باللَّوم
ونرى مخالبَهم تُحوِّمُ في ظلمتِنا — وتغطسُ تحت حواسِّنا المُطفَأةِ
كلُّ أولئك سيطْرُقُهُم الزمنُ بسطوته — سيُغرِقُهم «نِبْتون» في زُرْقةِ النسيان
وفي لحظةٍ يبصقُ ذاكرتهم؛ — لِيُرفرفوا فوق شوكتِه الثلاثيَّة
عُراةً على جزيرةٍ منسيَّةٍ. — ليس ثمَّةَ أعينٌ لا مرئيَّةٍ في سقفِ الغرفة
أو آذانٌ بُذِرَتْ تحت الوسادة — خُنْ جسدَكَ، إن شئتَ،
ادفعْهُ، على غفلةٍ، من النافذة — اصدمْهُ بالسيَّارة عند عبوره الشارعَ،
سيمنحكَ «أُوزوريس» كعكةً وبيرةً — يخوضُ بكَ المتاهةَ
وقبل أن تصِلَ — سيرمي «نِرْكال» رأسكَ بحراشفِ أفعوانِه الآشوريِّ
ويصرخُ: اقفِزْ للأعلى. — وحين تَخطرُ الجُزرَ الفارسيَّةَ
سيقرِصُ «أَنْجَرا ماينو» وجنتيكَ: لا يصلحُ للغواية. — ثم يُسِرُّ «أَهُورا مازْدا» لِظلِّكَ: اعتذِرْ إلى جسدِكَ، ولا تَعُدْ ثانيةً.
ستجلسُ في المقهى — وتشربُ مثلي القهوةَ
تصافحُ مَسْخًا يشبهُنا — ورأسُكَ في الأرض
وعيناكَ خجِلتانِ — ستمدُّ أخيرًا يدَكَ
ويدفعُ عنكَ الحسابَ. — بعد أن ظفرْنا بدروعِ الناجينَ من مختبر الجحيم
وصرنا مُحَصَّنينَ من التفاهة — ومن الحبلِ المعلَّقِ على جذع المِروحة
تلمَّسْنا الندى العالقَ في البريَّة — وغدتِ الضوضاءُ مسارًا ناعسًا لأعينِنا
إلا أن ما نثرْنا رمادَه مطمئنِّينَ — أفاقَ هلامًا غامضًا
ومن وقَّعْنا لهم على موتِنا، بعد دقيقتينِ، — انشغلَوا بورد حدائقهم
وبأقساطِ المدرسة — ولا نعرفُ بعد انصهارِنا في يد «بلُوتو»
لماذا فعلنا كلَّ هذا — لم نولَدْ لننْجو
ومن الجمال المميت أن نتفهَّمَ الألمَ — ونعطفَ عليه
إلى أن يقذفَ بنا الترنُّحُ إلى أقربِ رصيفٍ — إلى أن نمدَّ هواءنا تحت أحذية المارَّة
ونمشي من جديدٍ — موتٌ يخلِّصُنا من موتٍ
وكلمةٌ تذبحُ أخرى. — عندما أَغمضَ المشهدُ عينيهِ
وَغَفَا المُخرجُ خلف كواليس التلال — انطلقت اللقطاتُ السجينةُ لعروسٍ شرقيَّةٍ،
سَرَحتْ في الهواءِ، على حافَّة الجرف، — وطارتْ فساتينُ الأفراح
وقبل ارتطامها بأعشاشِ الطيور البحريَّة — امتدَّتْ يدكَ للرفِّ الأيمن من الحلم
ولم تعثرْ على كومة الحبوب — فانتصبْتَ سكِّينًا
وطاردْتَ شرايينَكَ العاريةَ — ولم يرجعْ سواكَ
نَهَشَ «سيربيروس» أقدامَهم — وكان مجرَّد فيلمٍ
إلا أنكَ لم تفهم القِصَّةَ — وتحمَّسْتَ قليلًا
فكنتَ على بُعْدِ دمعتينِ من دمكَ الهارب. — تشبَّثْ بقميصي
واصعدِ التلالَ البرتقاليَّةَ — على العشب المدبَّب
في رطوبة الأغوار — إلى حدِّ البوذيِّينَ الجُدُدِ
هنا.. أَدَعُكَ وحيدًا أمام الاخضرارِ — على حافَّةِ الهاوية النابضة
معكَ الكاميرا للذكرى — والمناديلُ للدموع
معكَ الألوانُ يا وحيدَ الجهةِ، فتشكَّلْ — لديكَ الألوانُ والصورُ، فامْضِ إليكَ
أنتَ الألوانُ.. الصورُ.. والجهاتُ... — يا أميرَ النباتاتِ النَّشوانة
حطِّم الكاميرا — وامنحِ الجهاتِ حريَّةَ الأحزان.
ما قطفْتَهُ، ساعةً تلو ساعةٍ، — ولممْتَه في سلَّةٍ على ظهرِكَ
سيسرقُ رائحتَه الذبولُ — وفي خطوةٍ ما، من الطريقِ، قبل نظرتِكَ الأخيرةِ للضوءِ
ستبصرُ، ربَّما صدفةً، صوتًا — سيلمسُكَ خفيفًا
ويدوِّي في كهوفِكَ البعيدةِ — وتنهمرُ صورتُكَ صدًى
لدماءٍ وأرواحٍ غريبةٍ — لأنْهُرَ من الأنين الخفيِّ
في جسدِ زمنٍ يعيشُ على هامش الوقت — ستضربُ عندئذٍ أجزاءكَ القديمةَ بالشُّهب المدبَّبَة
وتردِّدُ: خدعَتْني الرائحةُ. — وتدركُ، ربما بعد نظرتِكَ الأخيرةِ للضوء،
الأنفاسَ الحكيمةَ للانتحار. — قامرْ بأموالكَ
طوِّحْها في بطْنِ «الكازينو» — فإذا انتصرْتَ ضاعِفِ الرهانَ
وإذا خسرْتَ، أدِر المحرِّكَ، — لتتلاطمَ حواسُّكَ من جديدٍ،
وتنشغلُ بأطواق النجاة — والغرقِ
والبحَّارةِ الأغبياءِ... — اجمعِ المالَ الطازجَ
وعُدْ جديدًا، مثل المذْنبينَ الصادقينَ، — زاحفًا على رُكْبَتَيْكَ
أمام الأضواء العالية — وشبابيكِ البنوكِ
إلى أن يعودَ لشجرةِ الغارِ شعرُها البربريُّ — ونبضاتُها الحجريَّةُ
إلى أن يهفْهفَ الشَّعرُ بأوراقِه الزرقاءِ — وتسِيل النبضاتُ على مُنْهَمَر الحبِّ
وترى أعداءكَ الميِّتينَ.. ميِّتينَ — وسيفَكَ طائرًا يهوي بقبضةٍ من نجومٍ
والهواءَ منشطِرًا إلى نصفينِ. — وقامِرْ بماءِ قلبكَ
اسكبْهُ مثل نرْدٍ، على طاولةِ المُحبِّينَ — بأسنانِكَ انتزعِ النبضاتِ
ودحْرِجْها — إلى أحضان النوافير
تحت الفساتينِ العابرةِ — ومثل الهذيانِ الأعمى
كُنْ مشاعًا للهوس — وتعدَّدْ بين الإناث
ضاجِعِ الضوءَ — وتلبَّسِ الجنِّيَّاتِ السبْعَ
كُنْ كبْسةَ زِرٍّ على الـ ««Slot Machine — وانتظرْها
دَوْمًا ستكونُ هناك المُنْتَظَرَةُ، في آخر الزمان، — مثل لمْعة «البلاك جاك»
ورنَّةِ «الروليت» — مثل ورقةِ «بوكر» مُغطَّاةٍ
سوف يكتملُ معها الفرحُ. — لَوِّنْ أصدقاءكَ في آخر السهرة،
وامزجْ ملامحَهم مع آخرينَ لا تعرفهم — مع آلهةٍ ناعمةٍ وأطيانٍ بدْئيَّةٍ،
وتسلَّ مع الوحشِ المتخلِّقِ، صديقِكَ الجديدِ، — في الغرفِ الفضْفاضةِ
والشوارعِ المُفْرَغَةِ من الأرواح — هاشًّا بجناحَيْكَ أزيزَ الطفولة
كاشطًا عينيكَ من محاجر الشعور — وإذا لم تتوقَّفْ عن البكاء
فَكُنْ أنتَ البكاءَ — تزورُ البشريِّينَ وتخفِّفُ من انتحاراتهم
وحين تعبرُ صراطَ المقامرينَ — يا إلهَ... يا... إلهَ...
ستدرِكُ أنَّ مخلوقاتِكَ القاتلةَ لم تكنْ سوى أرقامٍ — والكلماتِ المُؤلِمةَ تختفي بعد قليلٍ من الخطوات.
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الالتفات: [ل ف ت]. (مصدر اِلْتَفَتَ). "الالْتِفَاتُ إلَى الْوَرَاءِ" : مَيْلُ الوَجْهِ...
- باللوم: لوم: اللّومُ واللّوْماءُ واللّوْمَى واللَّائِمَة: العَدْلُ. لَامَه عَلَى كَذَا يَلُومُه لَوْماً ومَلاماً وَمَلَامَةً ولَوْمةً، فَهُوَ مَلُوم ومَلِيمٌ: استحقَّ اللَّوْمَ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا عَدَلُوا إ …
- بسبب: سبب: السَّبُّ: القَطْعُ. سَبَّه سَبّاً: قَطَعه؛ قَالَ ذُو الخِرَقِ الطُّهَوِيُّ: فَمَا كَانَ ذَنْبُ بَني مالِكٍ، ... بأَنْ سُبَّ مِنْهُمْ غُلامٌ، فَسَبْ [[. قوله [بأن سب] كذا في الصحاح، قال الصاغاني وليس من الشتم في شيء. …