أُغنِيةٌ للهَواء ِالجَديدِ ...
الشاعر: علي الفيلكاوي · البحر: المتدارك
«أُغنِيةٌ للهَواء ِالجَديدِ ...» من شعر علي الفيلكاوي، وتقع في 131 بيتًا. نُظمت على بحر المتدارك.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
من سيحْضنُ وجهكَ إذ يختفي — ولمنْ سوفَ تمنحُ روحُكَ أنهارَها
ألهذا الجدارِ الذي يتشبّهُ بالظلّ؟ — أَمْ للنهارِ الممدّدِ تحتَ جدارٍ ؟
تدورُ على دمِ قيْدِكَ — من جسدٍ تتهاوى إلى جسدٍ
من طريقٍ إلى لا .. — دماؤُكَ تَسحبُ خلْفكَ قيثارتيْنِ
ويكتملُ الموتُ — ليس على الأرضِ جثّتُه
روحُه الماءُ تجري على الماءِ — يَلمحُه البرقُ يَلمسُه البحرُ
ليس على البرقِ ليس مع البحرِ موجتُه — مزّقي ثوبَ دمعِك خلْفَ مفازاتِِه
وأَهيلي حريقَ الترابِ على رأسِه — انثريه وقولي له أَنْ يعودَ كما كان طفلاً
عناقيدُه تترنّحُ خمْرَ بنفسجةٍ — وحريقاً من الصحوِ
لا تأخُذيه وحيداً — خذينا معاً
نحْونا ... نحْونا ... يا قيامةَ ذهني — - أَطوفُ
- تَطوفُ ... ! — - على جسدي ..
حوْلَ مدْرَستي غيمةٌ — وشتاءٌ طويلٌ إلى آخرِ العمرِ يُشبهُني
كلّما قُلتُ للطفلِ — - عُدْ
صاحَ .. عدْتُ إلى غيمِ أمي وجعْتُ — ستُلبسني مطراً
وتشدُّ حزامي — وأَشْربُها كدمِ الفجرِ كلَّ حليبٍ وكلَّ صباحٍ
وصورتُها تتجذّرُ في صورتي بعْدَها بعْدَنا — خفقةً دونَ قلبٍ
جمادًا يحسُّ ويُدرِكُ — بُوصلةً وقيوداً لذاكرتي
وجنونَ دمٍ…… — ركضَ الطفلُ عشباً ببريّةِ الحلمِ
فوقَ اخضرارِ براءتِه جلسَ الوقتُ — شقّتْ أصابعُه سِتْرَ أضلاعِه
نزفَ الحبرُ أوراقَه — كتبَ الطفلُ للماءِ
- زُرْ بيتَنا — كلَّما كتبَ الطفلُ شيئاً
تخلّقَ بيْنَ يديه — رأى ملِكَ الريحِ .. عرْشَ الضياءِ .. ملاكَ الضبابِ
ملاكَ الضبابِ تنزّلَ من سورِ مدرسةٍ — حبسَ الغيمَ في شفتيه
عويلُ الرياحِ يفتّشُ عن جهةٍ تحتَ أقدامِه — وبه نحوَ هاويةِ الصمتِ غابَ الضياءُ
بكى تحْتَ صدْرِ القميصِ .. بكى .. — الشتاءُ الطويلُ … الشتاءُ الذي كانَ يبدو طويلاً..
حزيناً .. وحيداً أتى — خلْفَ موكبِه المتصاعدِ في الماءِ والبرقِ
ألقى تحيّتَه — ثُمّ ذابَ بدمعتِه المطريّةِ
فوقَ مظلّةِ أرواحِنا — مثْلَه لَمْ نكنْ ،
وحدَها كانت الشمسُ تجمعُنا ... ثُمّ تَعْصرُنا — ثُمّ تجلدُنا بسياطِ ظهيرَتِها
البيوتُ، الشوارعُ مسجونةٌ برذاذِ الغبارِ — زحامُ الأماكنِ مشحونةٌ بالفراغِ
وكانتْ على بابنا وحدَه — خفقةٌ من دمٍ
قطرة ٌمن غيومٍ مضتْ — همَسَتْ..
- عُدْ لنا — حيثُ لا أرضَ تلمحُنا أو سماءَ
فضاءٌ.. ... فضاءٌ.. وراءَ ستائرَ صوفيةٍ — نسجتْها رؤى سبَحَتْ في فضاءِ ستائرِها
..عُدْ بنا — خلْفَ أرضِ الجهاتِ
وراءَ هيولى المداركِ — أنتَ ..أنا ..والفضاءُ
فضاءٌ ..فضاءٌ — - أعدْتَ لهم ..؟
- لَمْ أعدْ... — - لَمْ ..!
أنا لمّا رأيتُ النوافذَ غارقةً — والغيومَ تهرولُ عاريةً في الحريقِ الكبيرِ
تشبثْتُ بالموتِ — صلّيتُ لكنّني لَمْ أجدْ خلْفَ صوتيَ صوتاً
مجرّدُ أشباحِ كهفٍ — تُردّدُ أصداءَ أشباحِ كهفٍ
فكان عليَّ بأنْ أنتضي جسدي مرّتيْنِ — وأُشْطَرُ ظلّيْنِ واسميْنِ في طعْنةٍ
ناثراً للوجودِ رمادَ الأماكنِ — ممتطياً طلعةَ الريحِ
لمّا تصافح أنحاءها غيمةٌ — طائراً مثْلَ غيبوبةٍ عبَرَتْ نفَقَ الصحوِ
قد كان من واجبي أنْ أقطّعَ وجهيَ كلّ صباحٍ — وأُطعمُه لطريقِ النوافذِ ...
ودّعتُ أحلامَ طفلٍ — وأشجارُ غربتِه يبُستْ...
الطريقُ يفتّشُ عن قدميَّ — الطريقُ الذي لَمْ يعُدْ
السماءُ تُلاحقُني — السماءُ التي قد خَلقْتُ نوافذَها
في الوجودِ الجليديِّ — فوقَ هلامِ مواعيدِنا
الفضاءُ .. — الهواءُ الذي قد حلُمنا به
يلدُ الأرضَ — " أنليلُ " * ينْفثُ وحْيَ الهواءِ الجديدِ
ويحرقُ ثلجَ الظلامِ — يُدحْرجُ صَرخةَ روحٍ
على شفتَي الحياة... — أَعودُ .. إلى اسمي لأسمائِهم
لظلّي لكلّ ظلالِ الذين اختفيتُ وراء جداراتهم — أدخِلُوني إلى جسدي
اخلقوني — وعنْدَ مشارفِ كونيَّتي
امْزِجوني بكُمْ — علِّموني اختصارًا مُحيطًا لإنسانيّتي
وتعالوا عصورًا أمدُّ فنائي على مهْدِ حضرتِِها — نتبادلُ أسماءَنا كلّ عامٍ وأجسادَنا
كلّ حرْفٍ .. وكلّ شتاءٍ طويلٍ — - ولكنّني .. لَمْ أعُدْ .. لَمْ أعُدْ ...
- لَمْ تعُدْ ... ! — - لَمْ أعُدْ
لا أودُّ الرجوعَ على غيْرِ أجنحتي — لا أريدُ البقاءَ سوى في يدِي
الطفولةُ غابةُ وعيٍ — وركضٌ على حافّةِ النومِ
وجهُ احتمالٍ يكادُ يكونُ...، — كبرْتُ على صدْرِ جوريّةٍ
صحوْتُ على وطنٍ لا ترابَ لهُ — وطنٍ يشبهُ اللابدايةَ والانتظارَ بلا موعدٍ
وطني خطوةٌ حرةٌ في الزحامِ الغريبِ — أنا جسدٌ،ربّما جسدٌ،ربّما...
كلُّ شيءٍ أنا .. ربّما .. — " ربّما " وحدها هي تعني " أنا " .. ربّما ...
الحياةُ .. الحياةُ .. أنا — الحياةُ سؤالٌ إجابتُه الموتُ …أو ربّما
الحياةُ هي الآن ما يمنحُ الرئةَ الضوءَ كلَّ صباحٍ — وما يهِبُ العمرَ يوماً جديداً
ورائي أمامي الفراغُ الهوائيُّ — بحرُ الشظايا يفتّحُ أصدافَه
راسماً في الهواءِ امتداداً لذاكرتي — للحياةِ .. ،الحياةِ التي لا تحاطُ بأسوارِ مدرسةٍ
أو تُعلَّبُ في مسجدٍ — وحدها دونَ جذْرٍ أكيدٍ
بلا غرفةٍ آخرِ الحلمِ.. أو أبويْنِ — لها رفّةُ الروحِ، نشوتُها البشريّةُ
آلهةُ الخصبِ ترعى سنابلَها — ثُمّ تحصدُ نبضتَها الأبديّةَ
فوقَ سهوبِ المشيمةِ، — ربُّ الحياةِ الجديدةِ
يُطْلِقُ من شفتيه الجهاتِ — على شاشةِ الغدِ
يَخْلقُ إنسانَ عالمِه — عالميّةَ إنسانِه
تتماهى الجهاتُ — وتََنْبتُ أنحاؤها في انطلاقةِ أنحائِها
الحياةُ الجديدةُ تدفنُ " آبسو" ، " تعامةْ " ، و " ممّو " — وترفعُ تمثالَ حريّةٍ بملامحِ " إنكي " و " مردوخ "
مُحِبو الحياةِ بأقدامِهم طرقٌ لا تحسُّ — وفوقَ جباهِ مشاعرِهم سمةُ الريحِ
بيْنَ يديهم تُضاءُ البلادُ الخفيّةُ — كالأبديّةِ تلبَسُ في كلِّ شمسٍ
عُصارةَ روحِ السلالةِ — تشربُ قهوتَها في الصباحِ بـ " طوكيو"
وتركضُ بعْدَ الظهيرةِ في " وول ستريت " — تتسوّقُ في " أكسفورد "
"نيويورك" تنامُ على صدرِها في المساءِ — وتهزأُ بالعارفينَ العظامِ
بوحْي فلاسفةِ العصْرِ... بالناسِ .. بالشعراءِ — تطيحُ بذاكرتي في الفراغِ النهائيِّ
أرْضِي قيامةُ ذهني — - أعودُ
- أعودُ — - أعودُ
نعودُ إليَّ — إلى الطفلِ في سجنِه
للرمادِ على شرفاتِ سحابتِه — يَفتحُ البابَ، يخرجُ من قيدِه/ روحِه
طائراً في السديمِ — حرائقُه تُمْطرُ الضوءَ .
ضوءٌ بزاويةِ الظلّ يدفعُ قاربَه صامتًا — جسدانِ
لطفلٍ بزاويةِ الصمت — وامرأةٌ في مدى الظلّ تسبحُ
امرأة ٌمثْلُ حوريّةٍ تحرسُ البحرَ — يحرسُها " الخِضْرُ "
امرأةٌ مثْلُ نرجسةٍ مثْلُ نهديْنِ - نهريْنِ — مختبئيْنِ وراءَ احتمالاتِ عُرْيهما
يهذيانِ على منْتهى الانتشاءِ ..ويرتجفانِ.. — خيالُهما يستريحُ على فمِ طفلٍ
فمٌ بفمٍ — حَلمةٌ وشفاهٌ حليبيّةُ اللّونِ
ترتشفان وتحترقان — بعينينِ غائبتيْنِ وراءَ الشّتاءِ الطّويلِ
سيصبحُ تاريخُه شفتيْنِ — وخالقُه حَلمةً
سوفَ تُهديه جنّةَ أسمائِها — سوف تلعبُ بين يديه
تلقّنُ أعماقَهُ لذّةَ الخَلْقِ — تنسجُ فوقَ سريرِ طفولتِه
رقصةَ الكونِ — حيثُ تفيقُ رياحُ السكونِ، تهدْهدُ أغنيةً
تشبهُ الروحَ ساعةَ مولدِها — في أقاصي الأعالي
هناك .. هناك .. هنا — نبضةُ الكونِ تمتصُّ غيمَ الوجودِ الهوائيّ،
أثداءَه المطريّةَ — للأرضِ صَحْوُ الخواءِ وميلادُه
للسماءِ جناحانِ يخترقانِ مدارَ الفناءِ — تطيرُ الحياةُ .. الحياةُ تغنّي
على الغيمِ تَنبتُ أجسادُنا — ثم تَسقط ُأرواحُنا مطراً
وغناءً .. طويلاً — غناءً يضمُّ يدَ الأرضِ للكونِ
يجذبُها راقصاً ..نافذاً..عابراً — لأعالي الأقاصي ….هناك .. هناك ..
نبيّةُ عهْدِ المقدّسِ تفْتتِحُ البشريَّ — على وحْي أوتارِها
نغمة ً — نغمة ً
وجههُا يرتدي وجهَه — نغمة ً
نغمة ً — بعضُنا يتناسلُ في بعضِنا
نغمة ً — نغمة ً
كتفاها يهزّانِ أحلامَنا في الوجودِ الجديدِ — مدارانِ في قدميها
يجوبانِ كوكبَ عودٍ وغربةَ نايٍ — يداها تدورانِ فوقَ انهمارِ كمنْجاتِها
نغمة ً ..خطوةً.. خطوةً.. نغمةً — الحياةُ تطيرُ، الحياةُ تغنّي
لها شطحةُ الاخضرارِ ومائيّةُ اللّهبِ البِكْرِ — كلُّ الجهاتِ ستُجْمَعُ في حضْنِها
الزمانُ، المكانُ، الحنينُ القديمُ — يعودونَ كالبدْءِ
قبْلَ الزمانِ، المكانِ، الحنينِ القديمِ — عرايا يطوفونَ شهْوة َإيقاعِها
الغيومُ، السكونُ، ونحنُ — سنكبرُ عنْدَ سريرِ غواياتِها
الحياةُ .. الحياةُ — هناك.. هناك .. هنا
في أقاصي الأقاصي — على أرضِنا هذه
في الترابِ الذي سوف يشْهدُ سرَّ قيامِ قيامتِنا — قبْضةُ العُشبِ والماءِ
طينٌ يخطُّ فصولَ أصابعِنا — سوفَ يخلقُ عالمَه حين يخلقُنا
نتنفّسُ أنحاءَنا نتنفّسُه — دمُنا دمُه
كلُّ جزءٍ على هذه الأرضِ منّا ومنه — لنا وله
معنا مثْلُنا سوف يركضُ نحو الحياةِ — ويكبرُ مثلَ الحياةِ .. الحياةُ هنا
الحياةُ هناك.. الحياةُ.. الحياةُ .. الحياةُ هنا — كلُّ شيءٍ سواها خواءٌ
ومحضُ هواءٍ — فضاءٌ
فضاءٌ — وراء َ
فضاءِ الفضاءِ — الحياةُ
..الحياةُ ...
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتدارك. آخر البحور، استدركه الأخفش على الخليل، ويُعرف أيضًا بالمحدَث والخبَب.
تفعيلاته: فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- تسحب: تَسَحَّبَ يَتَسَحَّبُ تَسَحُّباً : ـ في حقّ فلان: اغتصب حقَّه وأضافه إلى حقّه؛ رفع الشريكُ الدعوى على شريكه حين رآه يتسحب في حقِّهِ. ــ الشخصُ: تَدَلَّل؛ يتسحب الولدُ الصغير على أبويه.
- تمنح: تَمَنَّحَ يَتمَنَّحُ تَمَنُحاً :- المالَ: أَطعمه غيره؛ كريم يتمنح كلَّ محتاج شيئاً من ماله.
- حريق: الحَرِيقُ : مصـ. ـ: اضطرام النّار وتوقُّدها ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ. ـ: اللهب؛ التهمت ألسنة الحريق كلّ ما في المصنع. ـ: اسم من الاحتراق. ـ: الآفات التي تحرق النبات كالبرْد والحرّ أو الريح وغيرها؛ تحملتْ مزرعتنا حريق ال …
- خلفك: خلف: اللَّيْثُ: الخَلْفُ ضِدُّ قُدّام. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ تَكُونُ اسْمًا وظَرفاً، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا جَرت بِوُجُوهِ الإِعراب، وَإِذَا كَانَتْ ظَرْفًا لَمْ تَزَلْ نَصْبًا عَ …