دموعٌ بين القُبَّةِ والمحراب
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
في رثاء (إمام المسجد) في قريتي الصغيرة /الصديق والشيخ (علي الخليفة) رحمه الله تعالى.فَرَشنَا لكَ المحرابَ وجدًا وأَضلُعا
وصُغنَا لكَ الأبوابَ شوقًا وأَذرعاتَمَنَّعْتَ ما يكفي وليس بِبدعةٍ
على سُنَّةِ المحبوبِ أَنْ يَتَمَنَّعافعَجِّلْ.. فقدْ ضَجَّ المُصَلَّى بِما احتوَى
جموعًا على هاماتِها الرُّعبُ أَينْعاو(سَجَّادَةً) صَامَتْ على الطَيِّ واشْتَهَتْ
دُعَاءَكَ في إفطارِها، والتضرُّعاتَلَوَّتْ عليها (سُبْحَةٌ).. جاعَ سِلْكُها
إلى خَرَزَاتٍ يَبْتَكِرْنَ التوَرُّعاوسَالَتْ على البابِ العيونُ تَرَقُّبًا
فكادَتْ حنايا البابِ أن تَتَخَلَّعاومُدَّتْ لكَ الأعناقُ حتَّى تَجَاوَزَتْ
مطامحَها في أنْ تعودَ وتَرْجِعالَعَلَّ خُطَاكَ البِيضَ تجلو رُخامةً
تَشَظَّتْ فيشتاقُ (الأَذَانُ) لِيُرْفَعاتَأَخَّرْتَ، ما أَقْسَى انتظارَكَ جاحِمًا
تَجَذَّرَ في أعماقِنَا ثُمَّ أَفْرَعا!هُنا نحن والآياتُ و(الجمعةُ) التي
تَبَنَّيْتَهَا دربًا على الغيبِ مُشْرَعاهُنا كُلُّنا نأبى الصلاةَ جماعةً
إذا لم تَكُنْ أنتَ الإمامَ المُجَمِّعا***
(أبا مرتضى).. هذا فؤادي تَفَتَّحَتْرُبَاهُ لقِطعانِ الكآبةِ مَرتِعا
نَعَاكَ إليَّ الوَهْمُ.. والوهمُ كاذبٌفأَبْطَأْتُ تصديقًا وأسرعتُ مَدْمَعا
ودُرْتُ مع الآهاتِ عبر مَجَرَّةٍتُواصِلُ من أفلاكِها ما تَقَطَّعا
أُفَتِّشُ في القرآنِ عنكَ.. فربَّما-من الوَجْدِ- في ترتيلةٍ ذُبْتُمَا مَعا
ولُذْتُ بآياتِ التَّصَبُّرِ.. لم أَخَلْأرى فيكَ آياتِ التصبُّرِ جُزَّعا
أَسًى أَعْرَضَتْ عن حَمْلِهِ كلُّ آيةٍتُحاذِرُ من ثِقْلِ الأسى أنْ تَصَدَّعا
نهضتُ بهِ وحدي.. وكانَتْ جنازتيتُطالبُ من ثوبِ الحِدَادِ التَّوَسُّعا
فنحن كِلانَا مَيِّتَانِ.. وإنَّماحياتيَ هذي مُهْلَةٌ كيْ أُشَيَّعا
***نعاكَ إليَّ الوهمُ نَعْيًا مُرَوِّعًا..
وما زال من أسمائِنا أنْ نُرَوَّعا!وفَزَّتْ لك (الأحساءُ) من هَجْعَةِ الرُّبَى
هَزارًا ولكنْ بالنعيقِ تَلَفَّعافنَقَّبْتُ في البستانِ.. رُبَّ نُخَيْلَةٍ
أَعَارَتْكَ من دون النُخَيْلاتِ، مَخْدَعا!ورُبَّ نسيمٍ عبقريٍّ أَسَرْتَهُ
فشَدَّكَ في أذيالهِ ثمَّ أَقْلَعا!ورُبَّ هديلٍ سالَ من جوفِ طائرٍ
عليكَ، فلم تملكْ من السيلِ مَفْزَعا!فما عُدْتُ إلاَّ بالخيالِ وباقةٍ
من الذكرياتِ الذابلاتِ تَفَجُّعايُرافِقُني من سامرِ الوَردِ خاطرٌ
رعى من ليالينا الأنيساتِ ما رعَىلياليَ كانَ الحُبُّ بستانَنا الذي
دعانا إلى كَرْمِ التصافي ورَجَّعافخِلْنَاهُ داعي الحجِّ من فَرْطِ طُهْرِنا
فمِنَّا الذي لَبَّى ومِنَّا الذي سعى(أبا مرتضى).. وانْصَبَّ في الحقلِ عاصفٌ
طواكَ وألقانِي خريفًا مُرَقَّعاأنا وطنُ الآلامِ.. والحزنُ حاكمي
بَنَى فوق صدري عَرْشَهُ وتَرَبَّعاحدودِيَ من كُلِّ الجهاتِ أَسِنَّةٌ
تَعَالَتْ لِتَستَولِي على الشمسِ مطلعاهُنا جسدي حَرْبٌ فما ثارَ موضعٌ
بِأعضائِهِ إلاَّ لِيَطْعَنَ موضعادماءٌ تُصاليها دماءٌ.. وأَضْلُعٌ
على ساحة الذكرى تُحاربُ أَضْلُعاأُناظِرُ لا أَلْقَاكَ في القَومِ هامةً
زَرَعْتُ عليها من شفاهيَ مَقْطَعاتُرَى قُبُلاتي تلك.. جَفَّتْ جذورُها
بِهامِكَ؟! أَمْ رَفَّتْ حمائمَ سُجَّعا؟!ولَفَّتْكَ في ثَوْبٍ من الريشِ أبيضٍ
تقاطرَ تهليلاً عليكَ وأَدْمُعاتُرَى قبلاتي ما تزالُ طليقةً؟!
أَمِ انْكَفَأَتْ في ظلمةِ القبرِ وُقَّعا؟!سلامٌ على الهامِ الذي اختارَ قُبْلَةً
من اللهِ، أَنقَى من شفاهي وأنصعا***
(أبا مرتضى).. لا أَجْهَضَ الموتُ نُطفةًمن الحُبِّ شَدَّتْنَا وَلوعًا ومُولَعا
فمِنْ عادةِ الأحبابِ أَلاَّ يُوَدِّعوامسارحَ ذكراهُمْ إذا الوصلُ وَدَّعا
ذَكَرْتُكَ والحاراتُ يزكو تُرابُهابِأنفاسِ لحنٍ من خُطاكَ تَضَوَّعا
كأنَّ الثرى يروي على كلِّ عابرٍحديثاً بمَسْرَاكَ الإِلهيِّ رُصِّعا
أحاديثُ ما خانَ الزُّقَاقُ أريجَهاولا فضَّ من أسرارِها ما تَمَنَّعا
هنا أنا والحبُّ الذي أخجل الردىوأَلْقَى على وجهِ المَنِيَّةِ بُرْقُعا
تَعُقُّ يراعي في رِثاكَ أصابعيإذا ما امْتَطَاهَا، إصبعٌ خَانَ إصبعا
كَفَاكَ حضورًا في غيابِكَ أنْ يُرَىشَبابُكَ في كُلِّ الشبابِ مُوَزَّعا
تَفَتَّحْ.. رَعَاك الوَرْدُ.. إِنَّ حديقةًتَقَمَّصْتَهَا عِطْراً ونَخْلًا ومَنْبَعا
هِيَ الآنَ تَسْتَجْلِي أمامي بهاءَهاسجايًا كأنوارِ الملائكِ نُصَّعا
شَكَكْتُ بِدعوى الموتِ حَقٌّ، فلم يَزَلْوجودُكَ في الأرواحِ يُبْطِلُ ما ادَّعى
تَدَارَكْ يقيني.. إنَّ في القلبِ دُرَّةًمن الشكِّ تَغْلِي بالمَحَارِ لِتَطْلَعا
ولا تَنْتَظِرْ مِنِّي القوافي بديعةًفما الآنَ ميعادُ القوافي لِتُبْدِعا
ولكنْ تَرَقَّبْني جحيمًا تَقَطَّعَتْبِقيثارهِ النجوى لهيبًا مُوَقَّعا
ودَعْني أُوَفِّي الحُزْنَ بعضَ حُقوقِهِفَأدنى حقوقِ الحُزْنِ أنْ أَتَقَطَّعا
تَعَالَ تَوَحَّدْ بي فخلف جوانحيمن الجمرِ ما يكفي لإِحْرَاقِنَا مَعا
أَجُرُّ الليالي في خُيولٍ من اللظىعلى كُلِّ ضِلْعٍ من هوانا تَفَرَّعا
غَدًا حينما الأيَّامُ تبني جدارَهارفيعًا كأعناقِ الأساطير، مُتْلَعا
وتَنْدَاحُ فيما بيننا هُوَّةُ المدَىبذاكرةٍ لا تعرفُ الخَيْلَ رُجَّعا
تُرَاكَ سَتَهْوي من فؤَادي كلَحْظَةٍتَهَاوَتْ فسارَ الوَقْتُ عنها وأَسْرَعا!
معاذَ الوفاءِ الأَريحيِّ.. فلم يَكُنْلِيَعْرِفَني إلاَّ وَفِيًّا مُوَلَّعا
تَبَرَّأْتُ منِّي إنْ تَلاَشَتْ غمامةٌبها العطرُ من أزكى وصاياكَ أُودِعا
فمُنْذُ تَشَطَّرْنَا على ساعد الهوى— الطُفُولِيِّ من ثديِ الصبابةِ مرضعا
ومنذ رأينَا الحُلْمَ فَكَّ قِمَاطَهُوشَبَّ على أهدابنَا وتَرَعْرَعا
ومنذ اتَّحَدْنَا باقةً من عواطفٍمَزَجْنَا بها أهدافَنَا والتَّطَلُّعا
ومنذ انْسَكَبْنَا في المنابرِ نغمةًنُرَمِّمُ من أعوادِها ما تَخَلَّعا
وما بَرِحَتْ أيَّامُنَا تُطْلِقُ الشذىإلى قِمَّةِ الوجدِ الرفيعِ.. وأَرْفَعا
فلا أَسْقَطَتْ تلك الغمامةُ منبعًامن العطرِ في تارِيخِنا مُتَضَوِّعا
***تَحِنُّ الخوابي في عروقي إذا رَأَتْ
على القلبِ عنقودًا من الشوقِ أَيْنَعاذَكَرْتُكَ والعِرفانُ في حانةِ التُّقَى
تَجَلَّى يُديرُ الكأسَ بالوَجْدِ مُتْرَعاومن حَوْلِكَ التفَّ المُريدُونَ نشوةً
تُفَجِّرُهَا أسرارُ عينيكَ منبعاإذا سالتِ النجوى حَسَوْنَا صفاءَها
إلى القعرِ حتَّى يصبحَ الكأسُ بَلْقَعاحَرَامٌ علينا الصَّحْوُ إنْ نحنُ لم نَجِدْ
لأَرْوَاحِنَا بين المصارعِ، مصرعاولَمَّا اتَّحَدْنَا في العُروجِ وأَدْرَكَتْ
مواجيدُنا خلف السماوتِ، مَوْقِعاوَقَفْنَا بِنجوانا على الحَضْرَةِ التي
بمحرابِها (قيسٌ) و(ليلى) تَجَمَّعاوَقَفْنَا.. وما زال (الحِجَابُ) مُمَنَّعًا!
وما زالَ عُشَّاقُ (المليحةِ) خُضَّعا!وشَيْئًا فشَيْئًا هَاجَرَتْ من دمائِنا
بواكيرُ وَجْدٍ حَرَّرَتْنَا تَوَلُّعاوعُدْنَا كما كُنَّا ووَحْدَكَ لم تَعُدْ..
فوَحْدَكَ مَزَّقتَ الحجابَ المُمَنَّعا!ووَحْدَكَ وَفَّيْتَ التَّجَلِّي طُقُوسَهُ
ووَحْدَكَ شَاطَرْتَ المليحةَ مَضْجَعا!| 1418هـ |
عن القصيدة
«دموعٌ بين القُبَّةِ والمحراب» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في ٨٠ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.