دموعٌ بين القُبَّةِ والمحراب
الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الطويل
«دموعٌ بين القُبَّةِ والمحراب» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف التاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
في رثاء (إمام المسجد) في قريتي الصغيرة /الصديق والشيخ (علي الخليفة) رحمه الله تعالى. ... فَرَشنَا لكَ المحرابَ وجدًا وأَضلُعا
وصُغنَا لكَ الأبوابَ شوقًا وأَذرعا ... تَمَنَّعْتَ ما يكفي وليس بِبدعةٍ
على سُنَّةِ المحبوبِ أَنْ يَتَمَنَّعا ... فعَجِّلْ.. فقدْ ضَجَّ المُصَلَّى بِما احتوَى
جموعًا على هاماتِها الرُّعبُ أَينْعا ... و(سَجَّادَةً) صَامَتْ على الطَيِّ واشْتَهَتْ
دُعَاءَكَ في إفطارِها، والتضرُّعا ... تَلَوَّتْ عليها (سُبْحَةٌ).. جاعَ سِلْكُها
إلى خَرَزَاتٍ يَبْتَكِرْنَ التوَرُّعا ... وسَالَتْ على البابِ العيونُ تَرَقُّبًا
فكادَتْ حنايا البابِ أن تَتَخَلَّعا ... ومُدَّتْ لكَ الأعناقُ حتَّى تَجَاوَزَتْ
مطامحَها في أنْ تعودَ وتَرْجِعا ... لَعَلَّ خُطَاكَ البِيضَ تجلو رُخامةً
تَشَظَّتْ فيشتاقُ (الأَذَانُ) لِيُرْفَعا ... تَأَخَّرْتَ، ما أَقْسَى انتظارَكَ جاحِمًا
تَجَذَّرَ في أعماقِنَا ثُمَّ أَفْرَعا! ... هُنا نحن والآياتُ و(الجمعةُ) التي
تَبَنَّيْتَهَا دربًا على الغيبِ مُشْرَعا ... هُنا كُلُّنا نأبى الصلاةَ جماعةً
إذا لم تَكُنْ أنتَ الإمامَ المُجَمِّعا ... ***
(أبا مرتضى).. هذا فؤادي تَفَتَّحَتْ ... رُبَاهُ لقِطعانِ الكآبةِ مَرتِعا
نَعَاكَ إليَّ الوَهْمُ.. والوهمُ كاذبٌ ... فأَبْطَأْتُ تصديقًا وأسرعتُ مَدْمَعا
ودُرْتُ مع الآهاتِ عبر مَجَرَّةٍ ... تُواصِلُ من أفلاكِها ما تَقَطَّعا
أُفَتِّشُ في القرآنِ عنكَ.. فربَّما ... -من الوَجْدِ- في ترتيلةٍ ذُبْتُمَا مَعا
ولُذْتُ بآياتِ التَّصَبُّرِ.. لم أَخَلْ ... أرى فيكَ آياتِ التصبُّرِ جُزَّعا
أَسًى أَعْرَضَتْ عن حَمْلِهِ كلُّ آيةٍ ... تُحاذِرُ من ثِقْلِ الأسى أنْ تَصَدَّعا
نهضتُ بهِ وحدي.. وكانَتْ جنازتي ... تُطالبُ من ثوبِ الحِدَادِ التَّوَسُّعا
فنحن كِلانَا مَيِّتَانِ.. وإنَّما ... حياتيَ هذي مُهْلَةٌ كيْ أُشَيَّعا
*** ... نعاكَ إليَّ الوهمُ نَعْيًا مُرَوِّعًا..
وما زال من أسمائِنا أنْ نُرَوَّعا! ... وفَزَّتْ لك (الأحساءُ) من هَجْعَةِ الرُّبَى
هَزارًا ولكنْ بالنعيقِ تَلَفَّعا ... فنَقَّبْتُ في البستانِ.. رُبَّ نُخَيْلَةٍ
أَعَارَتْكَ من دون النُخَيْلاتِ، مَخْدَعا! ... ورُبَّ نسيمٍ عبقريٍّ أَسَرْتَهُ
فشَدَّكَ في أذيالهِ ثمَّ أَقْلَعا! ... ورُبَّ هديلٍ سالَ من جوفِ طائرٍ
عليكَ، فلم تملكْ من السيلِ مَفْزَعا! ... فما عُدْتُ إلاَّ بالخيالِ وباقةٍ
من الذكرياتِ الذابلاتِ تَفَجُّعا ... يُرافِقُني من سامرِ الوَردِ خاطرٌ
رعى من ليالينا الأنيساتِ ما رعَى ... لياليَ كانَ الحُبُّ بستانَنا الذي
دعانا إلى كَرْمِ التصافي ورَجَّعا ... فخِلْنَاهُ داعي الحجِّ من فَرْطِ طُهْرِنا
فمِنَّا الذي لَبَّى ومِنَّا الذي سعى ... (أبا مرتضى).. وانْصَبَّ في الحقلِ عاصفٌ
طواكَ وألقانِي خريفًا مُرَقَّعا ... أنا وطنُ الآلامِ.. والحزنُ حاكمي
بَنَى فوق صدري عَرْشَهُ وتَرَبَّعا ... حدودِيَ من كُلِّ الجهاتِ أَسِنَّةٌ
تَعَالَتْ لِتَستَولِي على الشمسِ مطلعا ... هُنا جسدي حَرْبٌ فما ثارَ موضعٌ
بِأعضائِهِ إلاَّ لِيَطْعَنَ موضعا ... دماءٌ تُصاليها دماءٌ.. وأَضْلُعٌ
على ساحة الذكرى تُحاربُ أَضْلُعا ... أُناظِرُ لا أَلْقَاكَ في القَومِ هامةً
زَرَعْتُ عليها من شفاهيَ مَقْطَعا ... تُرَى قُبُلاتي تلك.. جَفَّتْ جذورُها
بِهامِكَ؟! أَمْ رَفَّتْ حمائمَ سُجَّعا؟! ... ولَفَّتْكَ في ثَوْبٍ من الريشِ أبيضٍ
تقاطرَ تهليلاً عليكَ وأَدْمُعا ... تُرَى قبلاتي ما تزالُ طليقةً؟!
أَمِ انْكَفَأَتْ في ظلمةِ القبرِ وُقَّعا؟! ... سلامٌ على الهامِ الذي اختارَ قُبْلَةً
من اللهِ، أَنقَى من شفاهي وأنصعا ... ***
(أبا مرتضى).. لا أَجْهَضَ الموتُ نُطفةً ... من الحُبِّ شَدَّتْنَا وَلوعًا ومُولَعا
فمِنْ عادةِ الأحبابِ أَلاَّ يُوَدِّعوا ... مسارحَ ذكراهُمْ إذا الوصلُ وَدَّعا
ذَكَرْتُكَ والحاراتُ يزكو تُرابُها ... بِأنفاسِ لحنٍ من خُطاكَ تَضَوَّعا
كأنَّ الثرى يروي على كلِّ عابرٍ ... حديثاً بمَسْرَاكَ الإِلهيِّ رُصِّعا
أحاديثُ ما خانَ الزُّقَاقُ أريجَها ... ولا فضَّ من أسرارِها ما تَمَنَّعا
هنا أنا والحبُّ الذي أخجل الردى ... وأَلْقَى على وجهِ المَنِيَّةِ بُرْقُعا
تَعُقُّ يراعي في رِثاكَ أصابعي ... إذا ما امْتَطَاهَا، إصبعٌ خَانَ إصبعا
كَفَاكَ حضورًا في غيابِكَ أنْ يُرَى ... شَبابُكَ في كُلِّ الشبابِ مُوَزَّعا
تَفَتَّحْ.. رَعَاك الوَرْدُ.. إِنَّ حديقةً ... تَقَمَّصْتَهَا عِطْراً ونَخْلًا ومَنْبَعا
هِيَ الآنَ تَسْتَجْلِي أمامي بهاءَها ... سجايًا كأنوارِ الملائكِ نُصَّعا
شَكَكْتُ بِدعوى الموتِ حَقٌّ، فلم يَزَلْ ... وجودُكَ في الأرواحِ يُبْطِلُ ما ادَّعى
تَدَارَكْ يقيني.. إنَّ في القلبِ دُرَّةً ... من الشكِّ تَغْلِي بالمَحَارِ لِتَطْلَعا
ولا تَنْتَظِرْ مِنِّي القوافي بديعةً ... فما الآنَ ميعادُ القوافي لِتُبْدِعا
ولكنْ تَرَقَّبْني جحيمًا تَقَطَّعَتْ ... بِقيثارهِ النجوى لهيبًا مُوَقَّعا
ودَعْني أُوَفِّي الحُزْنَ بعضَ حُقوقِهِ ... فَأدنى حقوقِ الحُزْنِ أنْ أَتَقَطَّعا
تَعَالَ تَوَحَّدْ بي فخلف جوانحي ... من الجمرِ ما يكفي لإِحْرَاقِنَا مَعا
أَجُرُّ الليالي في خُيولٍ من اللظى ... على كُلِّ ضِلْعٍ من هوانا تَفَرَّعا
غَدًا حينما الأيَّامُ تبني جدارَها ... رفيعًا كأعناقِ الأساطير، مُتْلَعا
وتَنْدَاحُ فيما بيننا هُوَّةُ المدَى ... بذاكرةٍ لا تعرفُ الخَيْلَ رُجَّعا
تُرَاكَ سَتَهْوي من فؤَادي كلَحْظَةٍ ... تَهَاوَتْ فسارَ الوَقْتُ عنها وأَسْرَعا!
معاذَ الوفاءِ الأَريحيِّ.. فلم يَكُنْ ... لِيَعْرِفَني إلاَّ وَفِيًّا مُوَلَّعا
تَبَرَّأْتُ منِّي إنْ تَلاَشَتْ غمامةٌ ... بها العطرُ من أزكى وصاياكَ أُودِعا
فمُنْذُ تَشَطَّرْنَا على ساعد الهوى - ... الطُفُولِيِّ من ثديِ الصبابةِ مرضعا
ومنذ رأينَا الحُلْمَ فَكَّ قِمَاطَهُ ... وشَبَّ على أهدابنَا وتَرَعْرَعا
ومنذ اتَّحَدْنَا باقةً من عواطفٍ ... مَزَجْنَا بها أهدافَنَا والتَّطَلُّعا
ومنذ انْسَكَبْنَا في المنابرِ نغمةً ... نُرَمِّمُ من أعوادِها ما تَخَلَّعا
وما بَرِحَتْ أيَّامُنَا تُطْلِقُ الشذى ... إلى قِمَّةِ الوجدِ الرفيعِ.. وأَرْفَعا
فلا أَسْقَطَتْ تلك الغمامةُ منبعًا ... من العطرِ في تارِيخِنا مُتَضَوِّعا
*** ... تَحِنُّ الخوابي في عروقي إذا رَأَتْ
على القلبِ عنقودًا من الشوقِ أَيْنَعا ... ذَكَرْتُكَ والعِرفانُ في حانةِ التُّقَى
تَجَلَّى يُديرُ الكأسَ بالوَجْدِ مُتْرَعا ... ومن حَوْلِكَ التفَّ المُريدُونَ نشوةً
تُفَجِّرُهَا أسرارُ عينيكَ منبعا ... إذا سالتِ النجوى حَسَوْنَا صفاءَها
إلى القعرِ حتَّى يصبحَ الكأسُ بَلْقَعا ... حَرَامٌ علينا الصَّحْوُ إنْ نحنُ لم نَجِدْ
لأَرْوَاحِنَا بين المصارعِ، مصرعا ... ولَمَّا اتَّحَدْنَا في العُروجِ وأَدْرَكَتْ
مواجيدُنا خلف السماوتِ، مَوْقِعا ... وَقَفْنَا بِنجوانا على الحَضْرَةِ التي
بمحرابِها (قيسٌ) و(ليلى) تَجَمَّعا ... وَقَفْنَا.. وما زال (الحِجَابُ) مُمَنَّعًا!
وما زالَ عُشَّاقُ (المليحةِ) خُضَّعا! ... وشَيْئًا فشَيْئًا هَاجَرَتْ من دمائِنا
بواكيرُ وَجْدٍ حَرَّرَتْنَا تَوَلُّعا ... وعُدْنَا كما كُنَّا ووَحْدَكَ لم تَعُدْ..
فوَحْدَكَ مَزَّقتَ الحجابَ المُمَنَّعا! ... ووَحْدَكَ وَفَّيْتَ التَّجَلِّي طُقُوسَهُ
ووَحْدَكَ شَاطَرْتَ المليحةَ مَضْجَعا! ... | 1418هـ |
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الطي: اللَطاةُ: الجبهة. ودائرةُ اللَطاةِ: التي في وسط جبهة الدابَّة. ويقال: ألقى بلَطاتِهِ، أي بثقله. قال ابن أحمر (*) فألقى التهامى منهما بلَطاتِهِ * وأَحْلَطَ هذا لا أَريمُ مَكانيا [[قبله: وكنا وهم كابنى سُباتٍ تَفَرَّقا * س … (الصحاح)
- المحراب: حرب: الحَرْبُ: نَقِيضُ السِّلم، أُنثى، وأَصلُها الصِّفةُ كأَنها مُقاتَلَةٌ حَرْبٌ، هَذَا قَوْلُ السِّيرَافِيِّ، وَتَصْغِيرُهَا حُرَيْبٌ بِغَيْرِ هاءٍ، رِوَايَةً عَنِ العَرَب، لأَنها فِي الأَصل مَصْدَرٌ؛ وَمِثْلُهَا ذُرَي … (لسان العرب)
- المسجد: سجد: السَّاجِدُ: الْمُنْتَصِبُ فِي لُغَةِ طَيِّءٍ، قَالَ الأَزهري: وَلَا يُحْفَظُ لِغَيْرِ اللَّيْثِ. ابْنُ سِيدَهْ: سَجَدَ يَسْجُدُ سُجُودًا وَضَعَ جَبْهَتَهُ بالأَرض، وَقَوْمٌ سُجَّدٌ وَسُجُودٌ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلّ … (لسان العرب)
- تلوت: (تِلْوَ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاتِّبَاعُ. يُقَالُ: تَلَوْتُهُ إِذَا تَبِعْتَهُ. وَمِنْهُ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ يُتْبِعُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَلَوْتُ الرَّجُل … (مقاييس اللغة)
- تمنعت: مَنَعَ: المَنْعُ: أَن تَحُولَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَهُوَ خلافُ الإِعْطاءِ، وَيُقَالُ: هُوَ تحجيرُ الشَّيْءِ، مَنَعَه يَمْنَعُه مَنْعاً ومَنَّعَه فامْتَنَع مِنْهُ وتمنَّع. وَرَجُلٌ مَنُو … (لسان العرب)